من سخرية التاريخ ان الدولة التي تتباهى بأن لها سجلا طويلا في محاربة القوات الاجنبية يوجد بها الآن وجود عسكري امريكي كبير وتضغط لنشر قوات دولية لحفظ السلام في اراضيها. وتشهد افغانستان «مقبرة الغزاة» مطاردة حكومة طالبان القمعية في معاقلها الاخيرة من قبل مقاتلين محليين يدعمهم قصف امريكي جوي شديد ونحو الف من مشاة البحرية الامريكيين وعدد غير معروف من المستشارين من ضباط وكالة المخابرات المركزية الامريكية. وهناك ضغوط شديدة لنشر قوات حفظ سلام دولية حتى في المناطق التي خضعت بالفعل لسيطرة القوات المعارضة لطالبان للمساعدة في تحقيق الامن خلال الفترة الانتقالية المقبلة. وقال موفد في المحادثات التي ترعاها الامم المتحدة في المانيا حول حكومة المستقبل في افغانستان «يجب ان تكون هناك قوات حفظ سلام لمنع نشوب حرب اهلية اخرى». وقال موفد آخر ينتمي الى واحد من الفصائل الافغانية الثلاثة في المنفى التي تشارك في المحادثات «سنحضرهم قوات حفظ السلام من الامم المتحدة». لكنه تابع قائلا «واذا لم يتمكنوا، الامم المتحدة، من توفيرهم بسرعة كافية فسنطلب من الامريكيين والبريطانيين». هل هذه هي الارض التي صدت بريطانيا الامبراطورية ثلاث مرات والحقت هزيمة مهينة بالاتحاد السوفييتي. ماذا حدث لرجال جبال هندوكوش البواسل. لم يعد التصدي للاجانب قضية في افغانستان الجديدة التي خرجت من انقاض حرب مستمرة منذ 23 عاما. فالافغان اشد حاجة الان لحمايتهم من بعضهم. وبعيدا خلف الكواليس يتبع التحالف الشمالي سبيلا جديدا يشدد على استراتيجية سياسية بدلا من النعرة العسكرية التي تدعو «لحصول المنتصر على كل شيء» والتي سيطرت عادة على الصراع على السلطة الذي لم ينته في هذا البلد البائس. وشرح موفد منفي هذا قائلا «لن يوافق احد على السماح للتحالف الشمالي منفردا بتأمين العاصمة كابول». واضاف «سيطروا على كابول في التسعينيات وتحولت الى ساحة قتال». وبينما يصر مسئولو الامم المتحدة ودبلوماسيوها على انهم لا يضغطون على الافغان لقبول قوة متعددة الجنسيات فإن تشديدهم على أمن الحكومة الجديدة وعمال المعونة والدبلوماسيين في كابول يستدعي السؤال الخاص بمن يجب ان يوفر الامن. وصرح احمد فوزي المتحدث باسم الامم المتحدة في مؤتمره الصحفي اليومي بأن «الامن يحظى بأهمية قصوى». ومضى يقول «لا يمكن تصديق ان تعمل ادارة في بيئة من التشوش والفوضى وتنتشر الاسلحة في ارجائها». ومن الواضح ان الرسالة وصلت للتحالف الشمالي الذي سيطر على كابول في 13 نوفمبر الماضي والذي يصر على انه يستطيع تأمينها بعد ان سمع الوفود الاخرى وهي تشدد على هذا الموضوع. واوضح يونس قانوني رئيس وفد التحالف الشمالي والمسئول عن الامن في العاصمة باعتباره وزيرا لداخلية التحالف يوم الخميس بأن جماعته توافق على قبول قوات حفظ سلام دولية رغم انها لا تعتقد ان هناك حاجة لذلك. والمشكلة الرئيسية التي يواجهها التحالف الشمالي والتي يعيها قانوني جيدا ويصمم على حلها هي ان الجميع تقريبا خارج الحزب الطاجيكي والتي تمثل جوهر مخاوف تحالفه هي تكرار القتال الوحشي الذي ميز فترته الاخيرة في السلطة. وسيطر حزب الجمعية الاسلامية حزب المجاهدين بزعامة برهان الدين رباني رئيس التحالف الشمالي على كابول في عام 1992 قبل حلفائه المعادين للسوفييت وسرعان ما حارب حلفاءه السابقين للسيطرة على العاصمة. وانتهى الحال باحمد شاه مسعود قائد الحزب الاسطوري الذي اغتاله متشددون عرب قبل يومين من هجمات 11 سبتمبر ضد الولايات المتحدة بأن حارب قوات الاوزبك والهزارة وهي الان جزء من التحالف الشمالي. وقتل ما يقدر بنحو عشرة آلاف افغاني في الحرب الاهلية التي كانت فيما بين عامي 1992 و1993. وهدمت مناطق كبيرة من كابول التي كانت آمنة تماما اثناء الحرب ضد الاتحاد السوفييتي في الثمانينيات. واعترف مسعود بعد ان طردته قوات طالبان في عام 1996 بأن الحرب الاهلية كارثة وشرع في العمل لوضع استراتيجية سياسية لتدمير سيطرة سادة الحرب الذين ابتليت بهم بلاده. وقال احمد رشيد مؤلف كتاب «طالبان» افضل الكتب مبيعا ل«رويترز» من باكستان «هذه هي الجماعة الوحيدة في افغانستان التي لها قيادة سياسية تدير السياسة بدلا من القيادة العسكرية التي تدير السياسة». واضاف «كل الآخرين جنرالات يمارسون السياسة على الهامش. هذه هي الجماعة الوحيدة التي فصلت بين السياسة والجيش. هذه هي تركة مسعود». رويترز