هذا الكتاب الذي نقدمه للقارئ العربي بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر قبل ان تصدره الأخيرة في مجلد كبير لا يستمد قيمته من جيرتروود بيل وحدها، وانما من انه يقدم لنا صوراً حية لشخوص عامة واحداث في طور التكوين وأسرار عن الحياة السياسية العربية، لم تر النور حتى الآن. وربما كان أفضل تعريف بهذا الكتاب هو الذي قاله «لورنس العرب» في حديثه عن أوراق جيرتروود بيل: «انها انعكاس دقيق لذاتها، وقد كانت في غاية السعادة عند موتها على ما أظن لأن عملها السياسي كان متقناً. ان دولة العراق هذه صرح رائع، حتى لو قدر له ان يبقى قائماً لبضع سنوات». أمضت جيرتروود بيل عطلة عيد الميلاد لعام 1916 في قلعة صالح بصحبة السيد سانت جون فيلبي. وكان الاثنان قد اتجها شمالاً من البصرة إلى قلعة صالح بزورق إدارة الجمارك والمكوس. وفي اليوم الأول من السنة الجديدة (1917) كتبت جيرتروود رسالة إلى والدها قالت فيها: «كان السيد بولارد مساعد الضابط السياسي قد ذهب إلى البصرة لقضاء عطلة عيد الميلاد، متيحاً لنا فرصة المكوث في داره الصغيرة. وقد أرسلنا في طلب ما يكفينا من المؤونة وبذلك هيأنا أنفسنا لحياة زهد شكلت الأطعمة المعلبة فيها غذاءنا الأساسي، إلا أن خادمي أثبت كفاءة وحسن تدبير لم أكن أتوقعهما بالمرة وذلك بتقديم وجبات مطبوخة شهية على مدى فترة الخمسة أيام التي قضيناها في الموقع هذا. وقد عاد السيد بولارد قبل أن يحين موعد رحيلنا الأمر الذي مكننا من قضاء أمسية ممتعة بضيافته، إنه شخص لطيف المعشر ومثير للاهتمام». وبعد عودتها من البصرة، كتبت في السادس والعشرين من يناير تقول:«البصرة أقل متعة مما كانت عليه في العام الماضي بسبب امتلائها بالمعسكرات. فغابات النخيل التي كنت أقصدها للتنزه قد باتت مأهولة الأمر الذي أفسد ما تميزت به من هدوء ورونق وجوانب جمالية وبذلك لا غرابة فيما تولد لدى العرب من شعور بالاشمئزاز نتيجة هذا الوضع؛ لقد ضاقوا ذرعاً بهذا التطفل غير المتوقع، وهكذا كان الحال بالنسبة لي. لقد سئمنا جميعاً هذه الحرب. ومع ذلك فالحال أشبه بمن يسهر على راحة مريض يعاني من مرض موجع، لا أعلم ما عسانا أن نفعل عند موته ! ترى هل ستكون الهزيمة نصيبنا بعد كل هذه الجهود، أم ترانا سنكون عملياً في عداد المهزومين ؟ لا أظنني مهتمة جداً بما ستؤول إليه الأمور بأي شكل من الأشكال، وإن كان الاندحار يعني بالضرورة جلاءنا عن هذه البلاد، وبالتالي رحيلنا من آسيا رحيلاً لا عودة بعده.» كانت جيرتروود تعاني من كآبة وغم لأسباب بدنية. وعلى الرغم من أنها لم تعش لتشهد ما ترتب على حربين عالميتين من آثار ونتائج وخيمة، فإنها من خلال حالتها النفسية المؤقتة التي عكست بوضوح فتوراً وعدم اكتراث، لاسيما فيما يتعلق بأمر من يكتب له النصر من بين القوى المتصارعة ومن يمنى باندحار، تطرقت إلى حقيقة باتت الآن مثبتة ومؤكدة. إنها مسألة لم يعد لها أهمية بالتأكيد، بيد أن الجانب المؤلم في الأمر هو أن ذوي المقامات الرفيعة من صغار الرجال لا يزالون يتصورون أنفسهم منتصرين ! كان الله بعون هذا العالم. لقاء مع الشيوخ في الثاني من فبراير كتبت جيرتروود تقول:« جاءتنا اليوم مجموعة من الشيوخ من مختلف مناطق الفرات، وكان القسم الأكبر منهم أشخاصاً لم يسبق لي التقاؤهم وإن لم تكن أسماؤهم ومغامراتهم خافية علي. كانوا مجموعة من الرجال الأشداء ممن عركتهم الأحداث والتجارب، بيد أنهم كانوا على درجة كبيرة من الجاذبية والروعة. كانوا قد تمردوا على الحكم العثماني على مدى فترة تجاوزت خمسة عشر عاماً. ولكن ما يثير الدهشة الآن هو أنهم قد شرعوا بالاستجابة لنا الأمر الذي يدعو إلى الإشادة بقدرة من تمكن إقناعهم بجدوى الاستجابة. ولابد من القول بهذا الصدد إنه على الرغم من أن جرائم القتل العنيفة لا تزال ترتكب من حين إلى آخر، وإن حالات السلب والنهب والتهرب من دفع الضرائب لا تزال تتواصل، يتعين على المرء منا أن يدرك الصعوبة التي تكمن في محاولة تغيير ممارسات وعادات متأصلة بشكل سريع. ومع ذلك لابد من القول أن الأمور تشهد بدايتها وهو جانب ذو أهمية بالغة.» كان من شأن وفاة اللورد كرومر أن تلقي بظلالها على هذه الفترة من حياة جيرتروود بيل. وقد كتبت بهذا الصدد قائلة:« تترك هذه الخسارة فراغاً لا حدود له في دنيانا. لقد عاش حياة رائعة حفلت بالإنجاز والعطاء، ويشكل ما تركه من آثار مثالاً حياً على ما يمكن اعتباره جوانب معيارية على مدى الزمن. لقد أحببته كثيراً أعجبت به، وكان سندي الذي كنت أركن إليه، ولطالما شعرت بإعزاز كبير لتمكني من الفوز بمحبته وثقته الغالية، وهو شعور أجدني عاجزة عن التعبير عنه بما يفيه حقه.» وفي الرابع والعشرين من فبراير كتبت تقول:«جاءنا اليوم خبر عبور (قواتنا) نهر دجلة من منطقة تقع شمال الكوت الأمر الذي يبشر بسقوط هذه المدينة قريباً، كما يبشر أيضاً باحتمال حدوث بعض التطورات الإيجابية فيما يتعلق بالقبائل العربية التي لا تزال معادية لنا. كم تمنيت حدوث هذه التطورات قبل عام، بيد أن المرء منا يذكر جيداً كيف كان الوضع قبل عام، وكيف بدا مستحيلاً ما نراه يتحقق في يومنا هذا! بدا مستحيلاً لافتقارنا آنذاك لما هو متوفر لدينا اليوم من وسائط نقل وعدد وأجهزة. لقد استغرق وضع الأمور في نصابها الصحيح فترة عام من العمل الدؤوب الذي تم في الواقع بفضل همة صديقي الجنرال ماكمن». وفي الثاني من مارس كتبت لوالدها قائلة:« لقد أصبت عندما عمدت إلى استثمار كل ما أملك من رصيد في القرض الحربي. أرجو أن تواصل التصرف بأموالي على نحو ما تراه مجدياً بما في ذلك وضع يدك عليها. فالأمر لا يهمني أبداً، وهو ما سبق لي إعلامك به. إذا ما تواصل بقاؤنا في البصرة فسنغدو في حال أفضل مما كنا عليها في العام الماضي بعد أن أصبح لدينا عدد أكبر من المراوح وكميات أكثر من الثلج. ولكننا سنكون في وضع أسوأ إذا ما تم لنا الوصول إلى بغداد إلا أنه سيكون أمراً أكثر إثارة للاهتمام. لست مهتمة كثيراً في المكان الذي يطلب مني العمل فيه، ومع ذلك فإنني أفضل الشرق على الغرب شريطة أن يكون لدي ما يكفي من العمل. وأخيراً تحول مجرى الحرب في بلاد وادي الرافدين لصالحنا، وهو جانب تجسد من خلال سرعة حركة قواتنا بإمرة الجنرال مود وتقدمها نحو بغداد». الطريق إلى بغداد في التاسع من مارس كتبت جيرتروود إلى أبيها بلهجة متفائلة عكست مدى ارتياحها من الوضع العام: «إنه حلم الهيمنة الألمانية في منطقة الشرق الأدنى بكل جوانبها وبما في ذلك مشروع خط سكة حديد بغداد - برلين. لن يكون لألمانيا موقع مرموق في هذا الجزء من العالم ـ كان بإمكانهم تحقيق ذلك لو قدر لهم اعتماد السبيل الناجع إليه بدلاً من محاولة الإسراع في فرضه عن طريق الحرب. فلو قدر لهم اللجوء إلى غير سبيل الحرب لارتضينا، على ما أعتقد، بترك هذه البلاد لهم. والغريب في الأمر هو أنهم كانوا على بينة من أمر هذه الحقيقة. أما الآن فقد باتوا خارج المنطقة ولن تتوفر لهم فرصة العودة. وهو ما تقع مسئوليته على عاتقهم. أما من جانبنا، فإنني على ثقة تامة من أننا سنبذل قصارى جهدنا في سبيل جعل هذه البلاد مركز إشعاع حضاري ورفاهية. أما هم (أي الألمان وحلفاؤهم) فكانوا دائبين على توجيه ضربة تركية - بروسية ماحقة تنشد القضاء التام على كل ما في هذه البلاد من سمات وخواص قومية، وبذلك يتوجب علينا أن نضع نصب أعيننا تحقيق الغاية السامية التي نصبو إليها وهو ما سيكون لي إسهام في تحقيق جانب معين منه، الأمر الذي يتوجب علي الحرص على مراعاته وتفادي إهماله». وفي السابع عشر من مارس كتبت قائلة:« ذهبت في الأسبوع المنصرم لزيارة كبيرة الممرضات، الآنسة جونز، ذائعة الصيت التي أكن لها شعوراً بالمودة، والتي أصرت على اصطحابي في جولة في أرجاء المستشفى تم لي من خلالها التقاء عدد من الجرحى من بين الأسرى الأتراك أسعدتهم محاولتي الفأفأة ببعض العبارات التركية، وكانت محاولة لم تخل من صعوبة بسبب انقطاعي عن التحدث بهذه اللغة على مدى السنوات السبع المنصرمة. وهكذا وجدتني أقف أمام هؤلاء البؤساء من أبناء الريف الأناضولي ذوي الوجوه المستديرة كان بإمكاني الضحك منهم والبكاء عليهم في آن واحد. لقد جاءوا من شتى أنحاء تركيا: من قونيا وأنقرة وقيصرية بالإضافة إلى البعض من أبناء الآستانة نفسها. لقد تحدثنا بإسهاب عن أحوالهم وعن بلادهم الجميلة. كان القسم الأكبر منهم يشعر بالراحة لأنهم لن يضطروا إلى العودة إلى خوض المعارك - كانت الحرب قد انتهت بقدر تعلق الأمر بهم. وكان بين الجرحى ضابط بغدادي يحتضر نتيجة جراحه التي أصيب بها. وكم بدا سعيداً عندما رحت أتحدث إليه بالعربية لأنه سرعان ما راح يستجمع قوته ويحاول مغالبة ما كان يعانيه من ألم مبرح ليهمس بسؤال واحد فقط: ما هي أخبار شريف مكة ؟ وهل صحيح أن ثورته تتنامى ؟ وهل إننا (البريطانيين) متفقون معه؟ أجبته بأن الوجود التركي في الحجاز كان قاب قوسين أو أدنى من نهايته. كم تمنيت مخلصة لو أن استقبال هذا الضابط الشاب للموت كان بسبب دفاعه عن قضية أمته وتحريرها. كان الجرحى من الضباط الأتراك يمزحون فيما بينهم ويسخرون منه لأنه عربي. لقد تكونت لدي صورة واضحة عما يعانيه الضباط والمجندون العرب في صفوف القوات المسلحة التركية. إن الحرب هنا ورطة محيرة!». بعد احتلال بغداد في الحادي عشر من مارس كانت جيرتروود قد أكملت كل المهام التي أوكلت لها وبذلك فإنها كانت على أهبة الاستعداد للانتقال إلى الموقع الجديد. وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب كادت جيرتروود تكون من غير عمل بعد أن تحول مركز اهتمامها إلى بغداد. وفي الحين ذاته كان الجنرال ماكمن قد عاد إلى البصرة ليعود كعهده دائماً مصدر راحة وبهجة للآنسة بيل. مهام مثيرة لم يكن هناك أدنى شك من وجود الحاجة لخدمات جيرتروود في بغداد. ولم يمض أسبوع على احتلال بغداد حتى كانت جيرتروود في طريقها إليها. كانت رحلة نهرية استغرقت تسعة أيام قضتها على ظهر إحدى سفن نقل الجنود. وفي اليوم الخامس من الرحلة، أي بتاريخ العاشر من ابريل، كتبت ما يلي: «كانت سفينتنا واحدة من السفن الجديدة التي تميزت بكل أسباب الرفاهية من وسائل إضاءة كهربائية، ومراوح، وأسرة ومقاعد مريحة للغاية. ومع ذلك فإنني أتطلع بشوق إلى الوصول إلى بغداد التي تشهد في الوقت الحاضر أحداثاً وتحولات مثيرة للاهتمام. توقفنا ساعة في مدينة العمارة حيث تناولت طعام الفطور مع سانت جون فيلبي وزوجته وتبادلت معهما الأحاديث. يعمل فيلبي بصفة مساعد ضابط سياسي. أتوقع أن نكون هذه الليلة على مقربة من مدينة الكوت، غريب جدا أن يضطر المرء منا إلى التعامل مع المناطق فقط باعتبارها مراحل لرحلة». وبعد ثلاثة أيام كتبت تقول:«من منصة الربان رحنا ننظر بدهشة إلى خطوط «الصناعيات». التي كان الأتراك متحصنين فيها - كاد يمحى أي أثر لها بعد أن اكتست بالأعشاب والنباتات الأخرى. يا له من أمر عجيب ! لا أظن أن هناك ساحات معارك في العالم أقل ضرراً من سهول بلاد ما بين النهرين التي لا تكاد تعكس أبداً أي آثار للحرب». أما المناطق الواقعة في شمال مدينة الكوت والتي شهدت صموداً تركياً لا يلين وحيث امتلأت القنوات والنهيرات بالقتلى والجرحى فقد كتبت جيرتروود عنها قائلة:«تكاد تشكل هذه المناطق جانباً لا يمكن تصديقه، فهي تبدو آمنة وهادئة وقد انتشرت فوقها بيوت الشعر السوداء والخيم. لقد عاد سكانها العرب إلى منتجعاتهم ومراعيهم المعهودة، وانتشرت قطعان مواشيهم على ضفاف النهر الذي كان شهد قبل شهر تراجع القوات التركية وفرارها». في الخامس عشر من ابريل تم أخيراً الوصول إلى بغداد أي بعد مرور ثلاثة أعوام على انطلاق جيرتروود منها نحو الصحراء السورية في طريق عودتها من شبه الجزيرة العربية. وعند وصولها إلى بغداد لم يكن بإمكانها أن تعلم بأن دار السلام قد قدر لها أن تكون المقام الذي كتب عليها أن تقضي فيه ما تبقى من عمرها، بيد أنها شعرت فيها براحة تامة الأمر الذي جعل من مكوثها فيها مصدر سعادة ورضى تامين. ومما ضاعف من شعورها بالغبطة ذلك الترحيب الذي لمسته من لدن السير برسي كوكس برغم عدم رضاها عن ذلك «الصندوق الخانق»، على حد تعبيرها المكان الذي تقرر تخصيصه لها سكناً. وما أن قضت ليلة واحدة تحت سقفه حتى انطلقت صباح اليوم التالي بكل ما عرف عنها من نشاط وهمة بحثاً عن سكن أفضل. وسرعان ما تم لها ما شاءت، وعثرت على ضالتها المنشودة التي جسدها «بستان مليء بالزهور ضم ثلاثة بيوت صيفية، وقد شاء الحظ أن يكون على مقربة من مقر المكتب السياسي». ولعل الجانب الأفضل في هذا الاكتشاف تمثل في هوية مالك هذا العقار، موسى جله بي الذي بفضله وبمساعدة من لدن خادمها الخاص الذي عرفته «منذ أمد طويل» تمكنت من اتخاذ ما يلزم لتحويل هذا الموقع سكناً جديداً لها. وهكذا راح الأصدقاء والمعارف يتوافدون على هذه الدار لزيارتها والسلام عليها، كما طفقت البرقيات المرسلة من وزارة الحرب البريطانية تنهال عليها من أجل التعاقد معها حول إعداد تقارير مطلوبة، إلى جانب قيام السير برسي كوكس بتكليفها «بكثير من المهام المثيرة». تعتبر جيرتروود بيل في واقع الحال مؤهلة للقيام بما أوكل إليها من مهام بشكل كاد يكون استثنائياً. وعلى حد تعبير السير نايجل دايفدسون «فإن العالم لم يشهد أبداً من كان باستطاعته منافسة جيرتروود بيل في مضمار معرفة التفاصيل المتعلقة بالقبائل العربية ورؤسائها وأسرهم، إذ لم يحظ أحد بما حظيت به جيرتروود من فرص تم لها بفضلها الحصول على المعلومات التي قدر لها جمعها من خلال رحلاتها وأسفارها». قاموس المناورات السياسية بالإضافة إلى هذا المؤهل الخاص الذي امتازت به جيرتروود بيل فإنها كانت على اطلاع دقيق وواسع بالأساليب والمناورات السياسية الخاصة بالقبائل العربية - وهو اطلاع كان هو الآخر مجالاً لم ينافسها فيه أحد. وفي مجال إعداد الكتيبات المعلوماتية بما له علاقة بشتى جوانب الحياة العربية، كانت جيرتروود - على حد تعبير عالم الآثار ورجل المخابرات المشهور دافيد هوجارث من خلال مقال كتبه بهذا الصدد في جريدة «التايمز» اللندنية بعددها الصادر في الرابع عشر من يوليو من عام 1926 - «قد عكست اطلاعاً واسعاً على التفاصيل المتعلقة بأواصر العلاقات، الاعتيادية منها وغير الاعتيادية على حد سواء، التي تربط القبائل والمجموعات القبلية بعضها بالبعض الآخر، فضلاً عن اطلاعها التام على مفردات الجرائم المحلية المرتكبة من قبل أفراد آل رشيد سفاكي الدماء.» وإلى جانب كل ذلك، تم استغلال ما لها من معرفة أو خبرة في مجال علم الآثار والمكتشفات الأثرية من خلال حماية ما تبقى من الأبنية والآثار القديمة والمحافظة عليها بعد أن زال العديد منها والذي جاء على حد تعبيرها نتيجة قيام «الأتراك بشق شارع عريض عبر المدينة (أي بغداد) متسببين نتيجة ذلك بإزالة العديد من المباني، القديمة منها أو الجديدة على حد سواء». وحول ما لمسته من حفاوة وترحاب إثر قدومها إلى بغداد كتبت إلى والدها قائلة:«هل سبق لي إخبارك عن صديقي، أحد شيوخ العشائر، الذي جاءني من الجانب الآخر من نهر الفرات خصيصاً ليقدم لي هدية رائعة هي حصان عربي أصيل؟ كان استضافني والده في عام 1911 في أثناء زيارتي لقصر الأخيضر. وما أن طرق سمعه خبر عودتي إلى بغداد حتى سارع إلى إرسال ابنه ليرحب بي ويجلب لي هذه الهدية الثمينة. كما جاء لزيارتي أيضاً مصطفى باشا الذي قدم من مسقط رأسه، مدينة خانقين، خصيصاً لهذا الغرض، وهو الآخر كان استضافني في عام 1911. لقد استغرقت زيارة مصطفى باشا لي زهاء نصف ساعة من الزمن تجاذبنا في خلالها أطراف الحديث واستعدنا بعض الذكريات المشتركة»