تأتي الذكرى الثلاثون للتجربة الاتحادية، التي قامت عليها دولة الامارات العربية المتحدة، لتبرز من جديد دور صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، في وضع اسسها المتينة التي جعلتها قادرة على اقتحام القرن الواحد والعشرين وهي تتمتع بالقوة والمنعة، والنجاح المتميز الذي احال سراب الصحاري الى حقائق ملموسة من البناء والعطاء. ولا تخطئ عين المتابع لهذه التجربة الفذة في تاريخ العرب المعاصر في ادراك الهدف الذي انطلقت لتحقيقه، وهو احترام المواطن، وصون كرامته وصولاً به الى مستوى من التقدم والرفاه، مما كان له ابلغ الاثر في ترسيخ مفهوم الانتماء الصادق للشعب، والولاء العميق لقيادته الحكيمة، والارتقاء بالدولة الى مفهومها الحديث. وليس الوقت وقت مراجعة للانجازات الحضارية الضخمة التي تحققت عبر 30 عاماً، وانما تأمل هذه التجربة، والاحرى، النموذج المتميز وسط ركام الخيبات والنكسات التي عانت ومازالت تعاني منها الامة العربية، واستطرادا البحث عن ركائز التجربة وابعادها، حيث يتداخل الطموح والارادة مع الرغبة المتوثبة لاستكمال مسيرة التنمية في جميع المجالات. لم يكن التوحيد سوى نقطة الشروع للبناء الحضاري اقتصادياً وسياسياً وبشرياً. ولعل ما تحقق من نهوض على هذه الاصعدة، يثير الدهشة والاعجاب، ذلك انها تمت في زمن قياسي، وبخطوات مدروسة ومتأنية، بحيث استطاعت ان تنقل التكنولوجيا واساليب التطور الحديثة مع المحافظة على خصوصية المجتمع، كمجتمع عربي مسلم، يقتبس ما يتلاءم واحتياجاته ومتطلباته الروحية والفكرية. ونجدنا دائماً بحاجة الى التأكيد على دور الفرد في التاريخ، فثمة قلة ممن تركوا اثراً او معالم عن وجودهم، وصاحب السمو الشيخ زايد ينتمي الى هذه القلة التي يحفظ لها التاريخ ما تستحقه من مكانة واعتبار، فهو الذي بنى وشيد وعدل واحق الحق وجعل نصب عينيه كرامة الانسان وتطلعاته وحقوقه، وبالتالي جعل من بلاده جنة حقيقية على الارض. اما ما احدثه صاحب السمو الشيخ زايد في حياة شعبه وامته ووطنه من تحولات تاريخية كبرى منذ اضطلاعه بمسئولية الحكم ومشاركته الفاعلة بها، تجسد اروع صور العطاء التي تتجلى في تأكيد اهتمام القائد بأبناء شعبه والعمل على كل ما فيه مصلحة المواطن وامنه واستقراره ورفاهيته، وتوثيق قيم الانتماء والولاء المتبادل بين القيادة وافراد الشعب، كما تتجلى في وضع الدولة في مصاف الدول الاكثر تقدماً ووعياً بهموم مواطنيها والعمل على اسعادهم وتحقيق آمالهم وتطلعاتهم، بالاضافة الى توسيع قاعدة المشاركة عبر قنوات سليمة تضمن تحقيق مبدأ الشورى في اطار من الشريعة والتقاليد الاصيلة. وفي هذا السياق، يبرز الاسلوب العلمي والعملي والحضاري الذي عن طريقه تحقق ما تحقق من انجازات ومكاسب، اذا كانت الحكمة هي العيار في معالجة الامور والاوضاع سياسية كانت ام اقتصادية ام اجتماعية، الامر الذي ترتب عنه دفع عجلة التطور والنماء واستكمال عناصر النهضة والتقدم، بتواز مع مد شبكات الخدمات واشباع حاجات المواطنين من كل وسائل الحياة العصرية. ولا شك، ان الخدمات تعتبر مرآة مشرقة تعكس ما حققته الامارات في مختلف المجالات من مستوى يسمح للمواطنين والمقيمين بأن يعيشوا حياة منتجة اجتماعياً واقتصادياً وهو الهدف الاساسي الذي تصبو اليه كل دولة. وفقا لامكانياتها وقدراتها المادية. لقد عرفنا في تاريخنا الحديث الوضعية التي كانت عليها منطقة الخليج ومن السهل جدا ان نلمس كيف كانت وكيف اصبحت وما كان لدولة الامارات هذا النصيب الوافر فيها لولا ارادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي استطاع ان يمنحها الهيبة والمكانة المعتبرة في جغرافية العالم. التجربة الخاصة ودون مبالغة او تهويل، يمكن التأكيد هنا على ما يمكن تسميته بـ «التجربة الخاصة» في بناء دولة الامارات العربية المتحدة، فمن المعروف ان معظم الدول النامية ارتكبت اخطاء استراتيجية وهي تمضي في تنفيذ خططها التنموية، حيث ركزت على جوانب معينة دون اخرى، وكانت النتيجة مأساوية في كثير من الاحيان، بينما كانت تجربة الامارات واضحة منذ البداية بفرض التطوير الدائم للوصول الى تأمين اكبر قدر من الرفاهية والاستقرار ورفع مستوى الفرد وتدعيم قدرة الابداع لديه كي يتمتع بمنجز حقيقي وفاعل لبناء مسيرته التنموية فالدولة آلت على نفسها ان تسهل كل الطرق العسيرة على المواطن وتجابه كافة التحديات من اجل ضمان حياة كريمة وآمنة، وتكون بذلك قد حققت نهضة لم تكن لتتم بالصورة المشرقة لولا وضوح الهدف انطلاقا من نقطة الشروع، والذي تبلور وبرز في خطوات حثيثة وسليمة عاماً بعد عام، وكان لهذه التجربة المتميزة ابلغ الاثر في ترسيخ مفهوم الانتماء الصادق والولاء العميق لقيادته الحكيمة وباختصار شديد اصبحت المواطنة في دولة الامارات تعني الكرامة. ولقد مثل المواطن العنصر الاساسي الذي قامت عليه وبه الدولة، فتعددت قطاعات التعليم وادخلت الخدمات الاساسية ودخلت الدولة في مجالات متعددة تجلت فيها امكانياتها وكفاءتها، كما وفرت السكن وسائر المتطلبات الحضارية، وكان لهذا اثره البالغ في ترسيخ مفهوم الانتماء الصادق والولاء العميق للقيادة الحكيمة وباختصار شديد اصبحت المواطنة في دولة الامارات تعني الكرامة في المقام الاول. ولا يملك المرء إلا ان يشعر بالاعتزاز لان محصلة الاعوام الماضية من التواصل والتفاعل العربي ـ الاماراتي قد افضى الى ما نراه اليوم من تلاحم استراتيجي وتفاهم عميق بين الدولة ومختلف الدول العربية، حتى لا تكاد توجد ادنى خصومة او ازمة سواء اكانت علنية او مكتومة بين ابوظبي وبقية العواصم العربية، وكان حصيلة ذلك مزيداً من التلاحم والتفاهم اللذين اكدتهما التطورات السياسية ومردوداتها الايجابية الملموسة على الامة العربية، وما فتيء صاحب السمو الشيخ زايد يبذل الكثير، ويمد يد العون وتقديم النصح والمشورة كلما حلت محنة، في سبيل الحفاظ على وحدة الصف العربي. وبالقدر نفسه من الاهتمام، يلاحظ في وضع السياسة العامة للامارات على مستوى العلاقات الاقليمية والدولية، وضوح التوجهات وايلاء الاولوية لقضايا العرب والمسلمين، لاسيما القضية الفلسطينية، والدعوة المستمرة الى السلام ونبذ العنف وحل المشاكل والازمات بالحوار والتفاهم، فالدور النشط والفعال الذي تقوم به دبلوماسية الدولة في هذا المجال مكنها من الحفاظ على الوزن السياسي للامارات في ظل متغيرات دولية متلاحقة واختلال موازين القوى العالمية وظهور تكتلات سياسية واقتصادية جديدة. سؤال المستقبل والسؤال الآن: الى اي مدى تمثل ركائز التجربة الاماراتية ضمانا لمستقبلها؟ في سنوات قليلة قفزت الامارات لتحتل مكانة عالمية مرموقة، ونعم المواطن الاماراتي برفاهية ومستوى معيشي لا يتحقق لكثير من مواطني دول العالم المتقدم، ومع ان الطفرة المالية قد انتهت الآن، إلا اننا نجد ان الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي تتمتع به دولة الامارات حافظ على نمو اقتصادها بمعدلات عادية بالرغم من جميع العوامل السلبية التي تسود الاقتصاد العالمي، وهذا ثمرة من ثمرات السياسة الاقتصادية الرصينة التي انتهجتها عبر الاعوام الثلاثين المنصرمة. ونحن حين نركز على المستقبل انما نركز على جوهر الاحداث التي افرزها التاريخ او الماضي القريب، فاذا كان على التجربة الاتحادية ان تمضي نحو المستقبل الذي رسم لها بالاصرار والارادة القوية، تقطع اليوم الاشواط المطلوبة بكل الحذر المطلوب، لقد تحقق الانجاز وقام البناء وارتفع، لكن الدروس المستفادة تعلمنا ضرورة الانتباه الى ما يبيت لنا كأمة تبحث عن وجودها في هذا العالم الكبير، كي نستجمع قوتنا لانطلاقات ترسخ الانجازات وتصون البناء وتضيف اليه، وهي مسئولية لا تقل فيما تتطلبه من جهد وتضحيات عن مرحلة التأسيس الاولى لاسيما في هذا الوقت العصيب الذي تجتازه المنطقة والعالم اجمع. بقلم: رضا الاعرجي