في حياة كل شعب من الشعوب أيام وتواريخ وأحداث لها ايقاع خاص ولون مميز، وخاصية لا تشاركها فيها الأيام والتواريخ الأخرى، فالأيام التاريخية والوطنية تنفرد بسمات تجعلها اكثر التصاقا في وجدان الإنسان وذاكرة التاريخ. وفي حياة شعبنا العربي في دولة الامارات العربية المتحدة الحافلة بالأيام السعيدة والانجازات العظيمة جاء يوم 2 ديسمبر 1971، كأعظم يوم في حياته المعاصرة، حيث يمثل هذا اليوم مكسبا وطنيا هاما، ومطلبا قوميا عزيزا، وترجمة لطموحات شعب دولة الامارات العربية المتحدة، وتعزيزا لتطلعات وأهداف ابنائه وقدراتهم في البناء وصنع التطور. واليوم حيث يكمل فيه هذا الحدث العظيم ثلاثة عقود من الزمن، فلا شك أن كل مواطن في دولة الامارات العربية المتحدة، يعتز بحمل مسئوليته من أجل تحقيق الأهداف والغايات التي يصبو اليها، كي تأخذ الامارات العربية المتحدة مكانتها اللائقة بها بين الأمم، ويتعمق دورها في البناء الحضاري، وفي ارساء قيم الحق ومبادئ الحرية والشورى والكرامة الإنسانية في أسمى صورها. إن قيام دولة الامارات العربية المتحدة كان وسيظل بادرة وحدوية بناءة على الساحة العربية تسهم على الدوام في دعم التضامن والترابط العربي، بما يكفل الخير لكافة شعوب أمتنا العربية المجيدة. كما كان انجازا مباركا تتجلى فيه سمة اللقاء بين قيادة فذة وشعب أصيل، بأسلوب حضاري يضمن أن يظل التفاعل متصلا، والقناعة متبادلة، والثقة كاملة، والمسئولية مشتركة، والرؤية واضحة، والتقدم حقيقة معاشة، تنطلق بها مع كل يوم الشواهد الحية والحقيقة المجسدة. ولعل البعد الأبرز في كل هذه التجربة الناجحة بكل المقاييس، يتمثل في كون صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، شخصية قيادية لها حضورها المميز والقوي على الساحتين المحلية والقومية، طبع الحياة في الامارات، وفي أبوظبي خصوصا بطابعه نتيجة سياساته الفاعلة والمؤثرة على مدى 36 عاما امضاها في حكم أبوظبي، وثلاثين عاما في حكم دولة الامارات العربية المتحدة. ولا يملك الشارع الاماراتي، ومعه الشارع العربي على اتساعه، الا أن يسترجع اليوم في هذه الذكرى الغالية، الكم الهائل من الانجازات والخطوات التي قاد الشيخ زايد الامارات اليها وصولا الى الحاضر الذي يجني فيه ابناء الامارات ثمار تلك السنين، وهم يتمتعون حاليا بأعلى دخل للفرد في العالم، وسط جو من الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي الاجتماعي، ولا يعود في كل أسبابه الى الثروة النفطية، وانما بدرجة أساسية الى السياسة التي اتبعها رئيس دولة الامارات في استخدام تلك الثروة، الأمر الذي وفر للامارات تقدما وازدهارا محليا، ومكانة مرموقة عربيا ودوليا. ولا تقف الأمور عند هذا الحد، بل أن لهذه التجربة العربية الرائدة، بعدا مستقبليا أيضا، فهذا الكم الهائل من الانجازات الذي تأمن للامارات طوال الفترة الماضية والازدهار الذي تعيشه البلاد، دفعا باستمرار الى التطلع نحو المستقبل الآمن والغد الأفضل، الذي اراده الاماراتيون دائما مع صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وتتميز دولة الامارات العربية المتحدة بالتعدد والتنوع السكانيين، ولكن تعدد لا توتر فيه بين الأقوام والاعراق، وتنوع لا تناقض فيه بين الانتماءات والاهواء، على عكس الدول المختلطة الأخرى، التي يقوم فيها الحد بين عربي وأوروبي، وسوى ذلك من حدود ومفارقات سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية. ومن الواضح كذلك أن دولة الامارات العربية المتحدة باختلافها وجدتها، لم تقم أو لم تتح ظرفا للنزاع أو الصدام، وهذا ينبع من سياسة تعميم الخير والعدل للجميع واتاحة الفرصة لمن يشاء، وتلك صيغة مبتكرة أوجدتها الحكمة والنظرة الثاقبة. وفق هذه القاعدة تنخرط في المجتمع جاليات ورعايا.. وثقافات وحضارات.. جنسيات وأقوام من شتى انحاء الأرض، فيما يشبه العزف المشترك لحياة وادعة ومنتجة لا سقف لها سوى القانون. وتنشط دولة الامارات العربية المتحدة داخل مجلس التعاون الخليجي، كمنطقة اقليمية دولية تضم الخليج العربي، بشكل ايجابي للغاية وفعال الى أبعد الحدود، وللامارات دور مؤثر وديناميكي يجهد على الدوام من أجل أن يبلور موقفا ورؤية أكثر وضوحا وتحديدا وتماسكا لدول المجلس الست، ازاء العديد من التطورات الخليجية والعربية وعلى نحو بات من الضروري لمختلف القوى والأطراف العربية والدولية التعامل معها أو وضعها في الاعتبار عند حساب مايجري من تطورات في هذه المنطقة الحيوية من العالم. كما أن ماتتحلى به دبلوماسية الامارات العربية المتحدة من مرونة معروفة، قد أسهم في أن تحرص دول مجلس التعاون، في عملها وحركتها من خلال المجلس على أن يكون موقفها الجماعي عبر قمم المجلس، دافعا لها وقادرا على استيعاب ظروفها الفردية والجماعية وبشكل يسمح لها بالعمل في الاطار الجماعي، بما يتماشى مع الأهداف المشتركة لها. وبنفس سمات المرونة والديناميكية والارادة الصلبة، تتعامل دولة الامارات العربية المتحدة مع قضية الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى التي تحتلها ايران منذ عقود ثلاثة، حيث تدير نزاعها مع ايران وفق ضوابط لم يحدث فيها أي تغيير منذ بداية النزاع وحتى الآن، حيث تدعو الامارات ايران الى اجراء مفاوضات سلمية مباشرة حول الجزر أو احالة القضية لمحكمة العدل الدولية، مع تأكيد حرص الامارات على علاقات حسن الجوار مع الجارة المسلمة ايران، مع اعطاء الفرصة في نفس الوقت للمسعى الخليجي من خلال مجلس التعاون الخليجي لوضع آلية للمفاوضات بين الامارات وايران، كما تعمل الامارات على تذكير ايران على الدوام بأن اصرارها على احتلال الجزر من شأنه أن يعكر صفو الأمن والاستقرار في المنطقة والعلاقات العربية - الايرانية ككل. وفي الأزمة الحادة التي يواجهها العالم الآن والتي تتمثل في الحرب ضد الارهاب، كان صاحب السمو الشيخ زايد أول من أدان الارهاب بشتى صوره وأشكاله، وطالب المجتمع الدولي بوضع حد للعنف الذي تمارسه اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، ووضع النقاط فوق الحروف فيما يتعلق بالمحاولات التي تثيرها وسائل الاعلام الأمريكية، وبالتحديد حول الربط بين الارهاب وبين الدين الاسلامي حيث استنكر بوضوح وحسم تلك المحاولات. واذا كانت هذه المؤشرات كلها تؤكد المكانة المتقدمة التي تحظى بها دولة الامارات العربية المتحدة والشيخ زايد على المستويين المحلي والعالمي، فإن ذلك نابع اساسا من السياسات الحكيمة التي رسمها ونفذها بدقة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ومحليا وعربيا وعالميا، وقوة العلاقات التي ربطته مع ابناء الامارات والقادة العرب وزعماء العالم. وعليه فإن الاحتفالات بالعيد الثلاثين لتأسيس دولة الامارات العربية المتحدة تأتي اليوم وقد تحققت لشعبنا العربي في الامارات التنمية الشاملة التي تكسب دولتهم الفتية صفة الانجازات والنجاحات وتنعكس ايجابيا على الواقع العلمي في حياة الاماراتيين الذين يسيرون بخطى ثابتة على درب البناء والتقدم نحو آفاق المستقبل الواعد أبدا بالخير والنماء. بقلم: د. محمود مرتضى ـ كاتب مصري