منذ قامت دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر عام 1971 وهى تسعى وفق نهج علمي سليم لتحقيق غاياتها في السيادة الوطنية الكاملة على أراضيها، وتكاملها الإقليمي، وأمن واستقرار منطقة الخليج العربي، والتنمية الشاملة للدولة لتحقيق الرفاهية والرخاء لشعبها، واكتساب الهيبة الإقليمية والدولية وقد ارتبطت هذه الغايات السامية لدولة الإمارات العربية المتحدة وقيم الحياة فيها بالعقيدة الإسلامية وتراث الشعب. وبنت الإمارات دستورها على أساس الشريعة الإسلامية والاحترام الكامل لأحكامها، وكذلك الارتباط العضوي بين الإسلام والعروبة، والإدراك السليم للدور الرئيسي للعالم العربي كقوة مؤثرة في العالم كله، وكقوة دولية تملك من مقومات القوة الشاملة ما يمكن أن يجعل منها القوة السادسة في عالمنا المعاصر وفي الوقت ذاته فإنها تعي وزن العالم الإسلامي ودعمه المتاح والممكن للأمة العربية في قضاياها المصيرية ثم إن الإمارات تقدر خطورة التحديات الموجهة ضد العالم الإسلامي ومخططات بعض القوى العظمى والكبرى ـ في مرحلة التحول الحالية للنظام الدولي. وتحترم عقيدة الدولة بوضوح الحريات الفردية الاقتصادية والاجتماعية، وتتجاوب مع مطالب اقتصاد السوق مع الرقى بمستوى الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين. كذلك فإن عقيدة الدولة تواكب التقدم العلمي والتقني وتسعى لاجتياز مسافات التخلف عن الثورة الصناعية الثالثة، وللتوسع في تطبيقات تكنولوجيا المعلومات، والاتصالات، والهندسة الوراثية، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية وللفضاء . وفى إطار الأهداف القومية لدولة الإمارات حافظت على العلاقات الصحيحة بين الدولة الاتحادية ونظام الحكم فيها وبين الإمارات المكونة للاتحاد، وعلى مصداقية السياسات الخارجية والداخلية، وراعت الدولة الاعتبارات التاريخية والجغرافية والاقتصادية لبعض إماراتها في إطار كيانها الاتحادي وحرصت القيادة السياسية للدولة على توطيد أركان البناء الاجتماعي المستقر باعتباره أساس أمن الوطن والمواطن من خلال تطوير وتنمية القدرة الاقتصادية للدولة والرفاهية الاجتماعية للمواطنين، وتعزيز الإرادة الوطنية والقومية للشعب مع مراعاة الواقعية في تخطيط وتنفيذ وإدارة استراتيجيات العمل الوطني. وفى مجال الأمن القومي أكدت الدولة ارتباط أمنها بأمن دول الخليج العربية، والأمن القومي العربي ككل، ومن ثم عززت علاقات التعاون الإستراتيجي مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية شاملة تطوير قوات درع الجزيرة، ولا تزال ترحب بالجانبين الأمني والاقتصادي في إعلان دمشق، كما تؤيد إحياء معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي المبرمة في إطار جامعة الدول العربية. وفى مواجهة التهديدات الخارجية للإمارات، وفى إطار الردع، توظف القوة السياسية والقدرة الاقتصادية للدولة في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية، وتبنى قوة عسكرية في المدى القريب قادرة على الردع الدفاعي وصد العدوان وحماية حدود الدولة، وتملك درجة ملائمة من التفوق النوعي في تكنولوجيا التسليح والتدريب، وتعتمد أساسا على القوات الجوية كما تسعى الإمارات في المدى المتوسط إلى امتلاك قدرات تعبئة موارد الدولة الضرورية في زمن الصراع المسلح في أقصر وقت ممكن، وتحرص الإمارات على استخدام تعاهدات التعاون الإستراتيجي العسكري مع الدول الصديقة، وعلاقات التحالف العربية، لتحقق تكامل عناصر الردع الدفاعي واتزان الدفاع، والتكافؤ الإستراتيجي مع دول الجوار. وتستند الإمارات العربية المتحدة في حماية مصالحها الأمنية وتحقيق أهدافها الوطنية والقومية إلى قوتيها الشاملة والمؤثرة، وإلى قدرات مجلس التعاون لدول الخليج العربية في التدخل المؤثر في الأزمات الإقليمية والدولية، وإدارة العلاقات الخليجية الخارجية مع القوى الدولية والتكتلات الاقتصادية المعاصرة في فهم واعٍ لتوالى المتغيرات العالمية والإقليمية والداخلية منذ بداية عقد التسعينيات في القرن الماضي، تلك المتغيرات التي تتزامن مع سنين التحول الحالية إلى نظام دولي جديد، ومع تغييرات كبرى منتظرة في الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط وتخومها، وبخاصة في الخليج العربي وآسيا الوسطى الإسلامية بعد تداعيات حرب الخليج الثانية، والحملة الأمريكية ضد الإرهاب الدولي، وتطورات التسويات السياسية على مسارات الصراع العربي الإسرائيلي، ثم مخاطر الشرق أوسطية وتهديداتها للنظام الإقليمي العربي. تطوير القوى الشاملة للإمارات في مجال الكتلة الحيوية للدولة، اهتمت القيادة السياسية لها بتنمية عدد غير صغير من بين 202 جزيرة تمتلكها الإمارات ويقع أغلبها في الخليج العربي، مثلما عنيت بتأكيد الأهمية الجيواستراتيجية لموقع الدولة وارتباطه بطريق المواصلات البحرية الرئيسي من المحيط الهندي والخليج العربي وخليج عمان إلى البحر الأحمر، ووضح ذلك في ارتفاع عدد سفن النقل البحري اليوم إلى 70 سفينة تتجاوز حمولتها 1094 طن، وفي مد خطوط أنابيب للزيت طولها 830 كيلومترا، وخطوط للغاز بطول 870 كيلومترا وعلى ساحل الخليج العربي شيدت الدولة عديدا من الموانئ والمراسي وفي مقدمتها ميناء زايد في أبوظبي، ومينائي راشد وجبل علي بدبي، وميناء خالد بالشارقة، وميناء صقر برأس الخيمة، وأم القيوين وعجمان على ساحل الخليج العربي، وميناء جزيرة داس في مياهه، ثم مينائي الفجيرة وخورفكان على خليج عمان كذلك ارتفع عدد المطارات المجهزة إلى 22 مطاراً بينها ثمانية مطارات دولية واهتمت الدولة بشبكة الطرق الرئيسية الصالحة للسير طيلة أيام السنة والتي تربط الدولة بقطر فالسعودية والكويت والعراق والأردن وسوريا وتركيا، أو بسلطنة عمان. وفي السنوات الست الأخيرة ضبطت الدولة تعداد السكان فزاد بدرجة محدودة من 2.38 مليون نسمة عام 1995 إلى 2.41 مليون في يوليو الماضي، وزادت نسبة المواطنين بينهم من 26 % فقط عام 1994 إلى 34.5 % عام 2001. وفي توزيع القوى العاملة استطاعت الإمارات الارتفاع بعدد العاملين في قطاع الصناعة إلى 32 % من قوة العمل. أما بالنسبة لموارد المياه فقد ارتفعت الدولة بنسبة إنتاج محطات تحلية المياه إلى 80 % من احتياجات الاستهلاك. وفي مجال القدرة السياسية أصبح للدولة دستور دائم منذ عام 1996، وحرص المجلس الأعلى للاتحاد على تأكيد مدلولات وحدة الرقعة والاتصال الجغرافي للإمارات، والوحدة البشرية بفضل تواصل الأرض ووحدة السلالة، واللغة، والدين وتعزز الدولة التفاعلات الوثيقة بين الصفوة السياسية على مستوى الدولة الاتحادية والنخب السياسية على مستوى إماراتها السبع وتتكامل القدرة الدبلوماسية مع القدرة السياسية للدولة، وتنطلق من الالتزام بالانتماء العربي والإسلامي، والحركة النشطة في الدوائر الثلاث، العربية والخليجية والإسلامية، لدعم علاقات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني في نطاقها ومع دولها، إلى جانب الاهتمام بتطوير العلاقات السياسية والتجارية والاقتصادية مع الدول صاحبة المصالح الحيوية في منطقة الخليج العربي. ولما كانت القدرة الاقتصادية هي ركيزة القوة الشاملة للدولة، وأهم عناصر القوة المؤثرة لها، فقد طورت الإمارات قدرتها الاقتصادية وفق مبادئ اقتصاد السوق، وتنويع موارد الدخل القومي، وإطلاق الحريات الاقتصادية للقطاع الخاص وقد زاد الناتج المحلي الإجمالي للدولة من 33.7 مليار دولار عام 1991 إلى 54 مليار دولار عام 2000، وكانت نسبة النمو الحقيقية له في العامين الأخيرين نحو 4 %، وأصبح البترول والغاز يشكلان ثلث الناتج المحلي الإجمالي فقط نتيجة تنمية قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات، بينما لم يتجاوز معدل التضخم عام 2000 نسبة 4.5 % وشمل التصنيع البترول والبتروكيماويات والفحم والمنتجات المعدنية، ومواد الإنشاءات، والأسماك والسفن والصناعات اليدوية واللؤلؤ، والنسيج والملابس والجلود، وتنتشر المصانع في الشارقة ودبي وعجمان ثم العاصمة أبو ظبي وحققت الإمارات طفرة في فائض الميزان التجاري الذي لم يتعد 3.7 مليارات دولار عام 1994 وبلغ 12 مليار دولار عام 2000، ووصل حجم الصادرات إلى 46 مليار دولار في العام الماضي والإمارات مثال حي على التحرر من التبعية الاقتصادية فاليابان والصين والهند تشارك الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في صدارة الشركاء التجاريين للإمارات وتفوقت الدولة في إعادة التصدير للمواد الاستهلاكية والسلع الوسيطة والرأسمالية وبخاصة من دبي. وواكبت الإمارات التطور التكنولوجي المعاصر، وأقامت مجمعا للتقنية العليا قرب العاصمة يشمل أنشطة صناعية متكاملة، مثلما اهتمت بالتعليم التكنولوجي والبرمجيات ونظم المعلومات حتى أن مستخدمي الإنترنت في الدولة قد تجاوزوا 400 ألف فرد في عام 2000. ونجحت الدولة في توحيد قواتها المسلحة، وزيادة كفاءتها القتالية، وأتاحت لها الإسهام في مهام حفظ وفرض السلام في القرن الإفريقي والبلقان، واكتساب الخبرات المتقدمة في مناورات التدريب المشترك مع الدول الصديقة والشقيقة. إن مستقبل الإمارات العربية المتحدة واعد ومشرق، وهي تمضي في تعزيز الكيان الاتحادي للدولة عاما بعد آخر ليقدم نموذجا مشرقا للفكرة القومية العربية التي تبنى على الوحدة والتكامل في عصر لا تصمد فيه إلا الكيانات الدولية القوية على المستويين الوطني والإقليمي. بقلم : لواء أ.ح ـ صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط