ما زلت أتذكر تلك الليلة التي هبطت فيها الطائرة بنا لأول مرة على أرض الامارات. لم تكن الدولة قد ولدت بعد. كانت الإمارات المتعددة تنتظر الاستقلال، وكانت المباحثات لا تتوقف حول المستقبل. وكان أخشى ما نخشاه أن ينفرط العقد ولا يلتئم الشمل مع أنباء عن خلافات في الرؤى أدت بعد ذلك إلى أن فضلت كل من البحرين وقطر أن تسير منفردة، وظلت المباحثات بين شد وجذب بين الأشقاء في الإمارات السبع حتى كان الميلاد الصعب لدولة استطاعت بعد ذلك - وعلى مدى ثلاثين عاما - أن ترسخ جذورها في الأرض وتفرض وجودها على الجميع. كان ميراث سنوات الاستعمار ثقيلا ولم يكن ذلك يعني فقط أن تبدأ الدولة الوليدة من الصفر تماما، وإنما أيضا أن تعالج حصيلة سنوات من محاولات بث الفرقة وإضرام الصراعات وإذكاء الخلافات، وأن تواجه قدرها الذي شاء أن تولد في أصعب الأيام العربية بعد هزيمة 67 المروعة التي أثارت أطماع كل أعداء الأمة فيها. ومن نقطة الصفر - بالمعنى الكامل للكلمة - بدأ البناء. ولم يكن الطريق سهلا، ولم تكن المسيرة التي قادها زايد بلا عقبات. ولكن الذي حسم الأمور أن عملية البناء خضعت من البداية لرؤية واضحة تعرف الهدف ولا تسمح لأي شئ أن يحرفها عنه. كانت الرؤية منذ البداية أن هذه الدولة وجدت لتبقى وتتطور وتزداد قوة، وأن كل شئ آخر يمكن التضحية به من أجل هذا الهدف. واكتمل ذلك بأمرين. أولهما أن المواطن هو حجر الزاوية في هذا البناء، وأنه قد آن الأوان لتعويض هذا المواطن عن سنوات طويلة من الحرمان في ظل الاحتلال، ولإعداده ليكون شريكا حقيقيا في بناء دولته، وحارساً لكل ما يتم من انجازات. ولم يكن ذلك سهلا والدولة الوليدة تبدأ بلا كوادر ولا مؤسسات. وهنا كانت أهمية الأمر الآخر الذي استندت عليه عملية البناء.. وهو أن هذه الدولة الوليدة جزء من عالم عربي يرتبط مصيرها بمصيره، وعضو في كيان اسلامي واسع ترتبط شعوبه بأسمى المشاعر، وترتبط حكوماته بأوثق الروابط.. أو هكذا ينبغي أن يكون. ولم يكن الطريق الذي تم اختياره هو الطريق السهل، ولكنه كان الطريق الذي يحفظ التاريخ ويختار المستقبل ويراهن على أجيال جديدة يتوفر لها كل ما حرم منه الأجداد، وتلحق بعلوم العصر، وتعتز بانتمائها لهذا الوطن ولهذه الأمة. ومع نمو التجربة.. كان الوطن يكبر، وكانت طاقات الشباب تتفجر، وكان البناء يعلو، وكانت التجربة تقدم نموذجا في العمل من أجل التقدم وفي ترسيخ الوحدة وفي التمسك بالأهداف العربية وكانت الدولة تفرض وجودها كعنصر وئام ومصالحة تقدم كل جهودها من أجل لم الشمل العربي وتضع كل إمكانياتها في خدمة الشعب العربي وهو يناضل في فلسطين ويعاني الحصار في العراق وليبيا والسودان، ويقاتل من أجل التقدم في كل أنحاء الوطن العربي. ثلاثون عاما من الخير للوطن، وللأمة.. يستحق كل من ساهم فيها وعلى رأسهم قائد المسيرة زايد، أن نقول لهم: بارك الله فيكم وفي مسيرة الخير التي تزدهر بالأمل. جلال عارف