حول مأزق السلام وفشل المبادرات والمماطلات في التقدم باتجاه أي اتفاق وعدم وجود أي حوار جاد بين الحكومة والمعارضة، أجرى مكتب «البيان» في الخرطوم حواراً مع أحمد ابراهيم الطاهر القيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، رئيس المجلس الوطني وأحد مفاوضي الحكومة الرئيسيين. وفيما يلي نص الحوار: ـ أولاً حدثنا عن الضجة التي أثارها طرح موضوع التعديلات الدستورية في مؤتمر حزبكم الأخير والتي لم تتوقف زوابعها بعد، ويبدو انها مرشحة للمزيد من الخلاف؟ ـ بعد اجازة الدستور عام 1998 واختيار الممارسة العملية اقتضت الضرورات التي تكشفت بعد ذلك تعديل بعض المواد الدستورية بطريقة اكثر عملية خاصة البنود المتعلقة باختيار «الولاة» حكام الولايات، وقد أثارت هذه القضية جدلاً واسعاً ما بين الاختيار الذي يتم عبر الانتخابات المباشرة والصورة الحالية الموجودة في الدستور وهي صورة معقدة حيث يشترك في الترشيح رئيس الجمهورية وبطانات الولايات ثم يخضع المرشحون أيضاً للانتخاب بصورة أخرى يرى البعض انها أقرب للارث الاسلامي، وهي ان يتولى رئيس الجمهورية بصفته المسئول تعيين مساعديه في الولايات كولاة، وهذه الصور الثلاث خاضعة للنقاش في الساحة الآن، ولا أحسب ان أياً منها إذا تم اختياره سيحدث نوعاً من القلق أو عدم الرضا، ولكن النقاش داخل مؤتمر الحزب كان نقاشاً علمياً وموضوعياً، وهذا الأسلوب متاح في كل الأنظمة الشورية لاتاحة أكبر مساحة للنقاش والتحاور حول أجدى الوسائل والصيغ لحكم البلاد، ولا أحسب ان هذا النقاش في مثل هذه القضايا يمكن ان يثير قلقاً وأي نتيجة يصل لها الحوار ستكون محل ترحيبنا. ـ ما هي أهم المواد أو النقاط التي دار حولها النقاش أثناء المداولات؟ ـ النقاش دار حول النقاط الخاصة بانتخاب الولاة ولكن هناك أشياء متفق عليها، مثلاً الرقابة الرئاسية على الولاة، هذه متفق عليها، وأنه لابد من ادراجها في الدستور لأنها أغفلت في السابق ونتج عنها بعض الممارسات الخاطئة في بعض الولايات، وأيضاً هناك أشياء متفق عليها مثل اعادة صياغة المواد الخاصة بالموارد المالية للولايات وتجنب التفصيل فيها منعاً للاشكاليات واتاحة فرصة أوسع للمشرعين وفق ما تقتضيه الحالة، وهناك مواد قد تكون من هموم المعارضة خارج السودان والتي تريد العودة للبلاد وتشترك في السلطة وهم يتحدثون عن المزيد من الحريات رغم اننا نرى ان الحريات التي يشملها الدستور الآن مقارنة بالنظم العالمية الدستورية تعتبر كافية إلا انه حتى نفتح المجال يمكن اجراء التعديلات التي تتراضى عليها الأطراف، وجاء ارجاء النقاش على التعديلات لفتح الفرصة لمزيد من النقاش حولها حتى تكون مرضية لكل الأطراف. مراجعة الدستور ـ التعديلات إذا تم الاتفاق عليها سياسياً لابد من عرضها أيضاً على البرلمان، هل تتوقع ان يحدث هذا قريباً؟ ـ عرض التعديلات على البرلمان يتوقف على أمرين، الأمر الأول يتلخص في مدى استعداد القوى المعارضة للحضور للسودان والتعجيل في ذلك واتخاذ الخطوات اللازمة لتقنين وضعها في السودان، وإن حدث هذا بشكل متسارع، نتوقع ان يتم ارجاء المسألة حتى يكتمل وجودهم وحتى يشاركوا في مراجعة الدستور، ولكن إذا شعرنا ان هذه المسألة ستأخذ وقتاً طويلاً فستكون أمامنا خطوات عملية لابد من اتخاذها لمزيد من الاستقرار في الحكم، ولذلك سنلجأ إلى تعديل محدود في الدستور. ـ ارتبطت المواقف من التعديلات الدستورية في مؤتمر الحزب الحاكم بتكتلات جهوية واضحة؟ ـ لا أحسب ان هناك تكتلات ولكن هنالك آراء وقطعاً رأى الشخص لا يأتي من موطنه الذي أتى منه وإنما ينبع من فكره الذي استقر عليه وقناعاته الشخصية ولذلك لم اتبين ان هناك تكتلات تقوم على الجهة في هذه المسألة لأنها حتى الآن خاضعة للنقاش، وفيها قناعات مختلفة. ـ هل يعني هذا امكانية حسم أمر التعديلات داخل اجهزة الحزب قبل ترحيلها للبرلمان؟ ـ هذا هو المتوقع ونرى ضرورة أن تتبلور في الصورة التي يراها المؤتمر كحزب حاكم قبل عرضها في البرلمان مروراً برئاسة الجمهورية. ـ هل تتوقع ان يشرع البرلمان في اجراء تعديلات في الدستور في المرحلة المقبلة؟ ـ المتوقع ان يحدث ذلك إذا تمت الاجراءات التي ذكرتها والمتعلقة بتقدم عملية الوفاق والسلام وما يتطلب ذلك من تعديلات. ـ هناك حديث بأن قانون الانتخابات سيجري حوله تعديل؟ ـ التعديل في قانون الانتخابات سيكون محدوداً وهو ما يختص بموظفي الدولة الذين يتقدمون للترشيح في الانتخابات ووضعهم في حالة فوزهم كنواب في البرلمان لأن الدستور الآن ينص على ان تنقطع صلة الموظف بوظيفته تماماً ويتفرغ للمجلس الوطني وذلك باستقالته عن العمل قبل ان تبدأ الانتخابات، ولكن الصورة العملية التي يراها بعض الناس ان هناك خبرات ضرورية في المجلس الوطني لا ينبغي ان يفقدها النائب لمجرد اختياره لعضوية البرلمان كما لا ينبغي للدولة ان تفقدها في مواقعها المختلفة. وستكون هناك محاولة للتوفيق حتى نتجنب أي أضرار. المناصب الدستورية ـ قانون شاغلي المناصب الدستورية يدور الحديث في أروقة البرلمان باقتراب موعد اجازته فيما تعليقك على هذا؟ ـ القانون المشار إليه يتعلق بالمخصصات فقط والتعديل فيه محدود جداً نتج عن اجازة القانون السابق. ـ البرلمان حتى الآن تجاوز العام منذ ان تم افتتاح دورته ولم يبادر أو يتقدم بوساطة لاحلال الوفاق لماذا؟ ـ موضوع الوفاق هناك جهات ماضية فيه آخذة في الحسبان بعض الاعتبارات الخارجية، والآن الوفاق تبلور داخل السودان بعد كل الجهود التي بذلت ولكنها لم تفلح في اجتذاب المعارضة الخارجية وجاءت المبادرة المشتركة من الاخوة المصريين والأخوة الليبيين، وحتى هذه لم تجد الاستجابة الفورية نسبة للحالة التي تعيشها أحزاب المعارضة بالخارج وتنوعها وتشتتها، واختلاف أفكارها وطموحاتها وعلاقاتها الخاصة. كل ذلك أثرحقيقة على عملية الوفاق ولا أحسب ان المجلس الوطني «البرلمان» سيضيف شيئاً جديداً إذا شكل لجنة أخرى للوفاق والمؤتمر الوطني يقوم الآن بهذا الدور من واقع انه حزب حاكم بيده مقاليد السلطة، والدولة أيضاً تقود الوفاق تحت اشراف رئاسة الجمهورية ومستشاريها وتجري اتصالاتها المختلفة مع أحزاب المعارضة، والبرلمان يؤيد كل ذلك من واقع انه في النهاية إذا تم اتفاق على الطريقة التي يحكم بها السودان ونتج عنها اتفاق مع المعارضة فإن على المجلس ان يقوم بدوره باجازة ما يتم الاتفاق عليه فيما يقع تحت اختصاصاته أما المجلس الوطني كأفراد فهم أعضاء في المؤتمر الوطني وأعضاء في مواقع أخرى في السلطة إن كانوا وزراء أو غير ذلك، كل واحد منهم يخدم قضية الوفاق من موقعه. ـ نلاحظ ان موقف المجلس الوطني كان ضعيفاً مقارنة بالموقف الواجب اتخاذه في أحداث مثل حرب أفغانستان، ما تفسيركم لذلك؟ هل هو انسجام مع موقف الحكومة؟ ـ بالعكس البرلمان طالب صراحة بوقف هذه الحرب المدمرة وذلك في وقت لم تتحرك فيه البرلمانات النظيرة في العالم لاتخاذ مثل هذا الموقف، ولذلك نحسب ان برلماننا قد بادر في المناداة بوقف الحرب التي يتعرض لها الآن الشعب الأفغاني وتقع على رؤوس الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال وتهدم فيها المنازل وتدمر المرافق القليلة الموجودة. والصورة الآن محزنة، والكل يتفرج عليها، بينما أكبر دولة في العالم لديها كل الامكانيات تحارب أضعف دولة في العالم، ويتفرج الناس. نظرة لأمريكا ـ كيف تنظرون إلى أمريكا الآن وقد أصبحت شبه صديق للسودان؟ ـ أمريكا لا تقف موقفاً ايجابياً أو صديقاً وأعتقد ان الحوار بين الولايات المتحدة والسودان توقف في الحادي عشر من سبتمبر، وقبلها كان هناك نوع من الحوار بين الطرفين ولكن اصابه الفتور، ونحن نلتمس للولايات المتحدة العذر لأن ما أصابها في أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد أذهلها وشغلها تماماً عن قضايا العالم الأخرى، وأصبحت الآن لا تفكر إلا في مطاردة الارهاب، وهذا من حقها، وأعتقد انه حتى الذي تم بعد ذلك من رفع العقوبات عن السودان هو اجراء طبيعي وكان محتماً له ان يمضي في طريقه، وكان أمام الولايات المتحدة موقف واحد هو استعمال حق النقض «الفيتو» لاسقاط قرار الغاء الحظر والموقف الوحيد الايجابي بأن الولايات المتحدة بدأت تعيد علاقتها مع السودان هو الامتناع عن التصويت في ذلك الموقف ومر قرار رفع الحظر. الدور النيجيري ـ ماذا عن الدور النيجيري لاحلال السلام في السودان؟ ـ أحسب ان الرئيس النيجيري أوباسانجو كان له اهتمام سابق بمشاكل السودان، وبعد ان عاد رئيساً يحاول حالياً استغلال منصبه الدستوري لهذا الأمر، ونحن نحمد له حسن نيته وذلك رغم العقبات التي يواجهها من عنت تضعه حركة التمرد لافشال أي مسعى جاد لايقاف الحرب، ونتمنى للرئيس اوباسانجو ان ينجح فيما فشل فيه الآخرون لاقناع قرنق بوضع السلاح. ـ ما حقيقة مؤتمر «أبوجا» والذي من المفترض ان يضم تجمعاً للجنوبيين بنيجيريا؟ ـ مؤتمر أبوجا القصد منه ايجاد توفيق بين قرنق ومعارضيه، وأيضاً محاولة جمع القيادات الجنوبية في الداخل والخارج للتفاكر حول توحيد رؤيتهم لاحلال السلام في جنوب السودان، وقد يكون لهذا المؤتمر بعض النوايا الايجابية إذا كان القصد منه توفير الرؤى حول قضية السلام والاعتراف بالقيادات الجنوبية الموجودة في الداخل كقيادات فاعلة ولها تأثيرها على العمل السياسي، أما إذا كان القصد منه مجرد ايجاد الدعم لجون قرنق واجراء مصالحة بينه وبين معارضيه في الخارج، فهذا أمر يخص قرنق ومعارضيه ولا يخص السودان، ولذلك فإن المشاورات الجارية الآن كلها لتحويل المؤتمر إلى مؤتمر ايجابي يهدف إلى حل مشكلة وانهاء الحرب بدلاً من الترضيات والمصالحات الجزئية. ـ هل تتوقع مشاركة الحكومة في لقاء أبوجا؟ ـ الحكومة ستشارك إذا تأكدت ان المؤتمر يسير في خط ايجابي وإلا فلا. ـ هل يمكن القول انه بامكان أبوجا ان يكون بديلاً لايجاد في المرحلة الحالية؟ ـ لن يكون بديلاً ولكنه يمكن ان تكون منافساً. ـ في تقديرك لماذا فشلت مبادرة ايجاد حتى الآن في ايجاد حل لمشكلة الجنوب وايقاف الحرب؟ ـ يعود هذا لاعتبارات كثيرة من بينها ان الصيغة أو الصياغة لاعلان المبادئ نفسها تمت بسوء نية، وكان القصد منها تطويع الحكومة واجبارها على التنازل عن بعض سياساتها ومنها الشريعة الإسلامية، وكل ما دار من حوار خلال السنوات السبع منذ إعلان مبادئ ايجاد في 1994 كان اجباراً للحكومة على عدم تطبيق الشريعة ولم يكن جهداً لايجاد وسائل لانهاء الحرب بالطرق السلمية وبدائل مقبولة لحكم الجنوب بواسطة الجنوبيين أنفسهم وهو ما تسعى إليه الحكومة. ـ لماذا قبلت الحكومة الاستمرار في التفاوض ما دامت تشكك في إعلان مبادئ ايجاد؟ ـ كان تقديرنا ان نقبل اعلان المبادئ كأساس للنقاش وكنا على يقين بأننا عبر المنطق والنقاش وتقديم الحجة لن نهزم، وكل ما قبلناه ان نناقش ونقدم أفكارنا ومقترحاتنا العملية لحل المشكلة وهذا ما فعلناه ومحاضر المفاوضات أكدت ان معظم المقترحات العملية والايجابية كانت من جانب الحكومة، ودائماً العقبات من جانب قرنق والحقيقة ان دول الايجاد ما كانت تتجرأ على القيام بدورها لاجبار حركة قرنق على التفاوض بالشكل الصحيح. موقف من «ايجاد» ـ هل يمكن القول ان «ايجاد» ما عادت الآلية المناسبة للحوار مع حركة التمرد؟ ـ الفرصة أمامها ضعيفة لكي تنجح وإذا انتهجت ذات النهج الذي سارت عليه خلال السنوات الماضية قطعاً لن يكتب لها النجاح في ارساء قواعد السلام. ـ ذكر مستشار السلام الدكتور غازي صلاح الدين ان الجولة المقبلة من المفاوضات ستكون آخر فرصة للحوار عبر ايجاد، هل يعني ذلك ان الحكومة قررت الانسحاب من هذه المبادرة؟ ـ الحكومة تبدي حرصها دائماً على الحلول العملية وحتى ما استبانت ان الايجاد أو غيرها تنتهج هذه الحلول فسوف تبقى في الايجاد طال الزمن أو قصر، ولكن متى ما استبان لها ان عملية المبادرة إنما هي لكسب الوقت وإطالة الأمد واستنزاف الموارد فإنها لن تستمر في ذلك الحوار. ـ ايجاد تشارك فيها عدة دول من أين يأتي أو ينبع اهتمامها لاحلال السلام في السودان، هل تتضرر هي الأخرى من استمرار الحرب؟ ـ بعض هذه الدول تتعامل مع موضوع السلام في السودان انطلاقاً من قناعة خاصة بها وبعضها ينطلق من مكايدات، وأعتقد ان على كل دول الجوار ان تدرك ان مصلحتها في استقرار الأوضاع في السودان، واستقرار الجنوب جزء من استقرارها وإذا انفصل الجنوب فهذا سيحرك مجموعات اثنية أخرى داخل هذه الدول للمطالبة بالانفصال، ولذلك فالقضية ليست قضية السودان وحده. ـ المبادرة المصرية ـ الليبية المشتركة ما زالت في المربع الأول لم تتجاوزه منذ اعلانها بينما الأطراف المعنية في الحكومة والمعارضة تتحدث عن قبولها؟ ـ السودانيون أكثر من غيرهم علماً بمشاكلهم، وسلوكيات بعضهم والجهد الذي يقرب وجهات النظر مقبول للحكومة خاصة عندما يأتي من دول لها مصالح مشتركة وصلات ليست عارضة مثل مصر والجماهيرية الليبية، ونحن نقدر للدولتين جهودهما رغم علمنا أنهما لا تملكان كل الأوراق لأن بعض المعارضين لهم أجندة أخرى خفية، والمطلوب من الوسطاء الضغط على هؤلاء المعارضين للتخلي عن تلك الأجندة والعودة إلى السودان والحصول على الضمانات لممارسة نشاطهم السياسي من داخل السودان. أجرى الحوار: التجاني السيد