في بحثه المطول عن الجامعات العربية والحرية تعرض د. محمد قمبر رئيس قسم التربية في كلية التربية بجامعة قطر إلى ما وصفه بسوء «اخلاقية مهنية». حيث قال في ذلك الجزء من البحث ان الفساد ينتشر بكل ألوانه في وجود ادارة متسلطة لها استهواء تحكمي او متسيبة لا تلتزم بمبدأ أو بقانون مشيراً إلى انه في بعض الحالات تم التعيين للتدريس في بعض الجامعات دون الالتزام بالمعايير الاكاديمية بل اخذاً بالمحاباة والوساطة السياسية والنفعية الضيقة. وفيما يلي بعض اجزاء من كلام د. قمبر حول هذا الموضوع: لم يكن نادراً ان يستولي رؤساء بعض الجامعات وعمداء بعض الكليات في دولة عربية على بعض ما في عهدتهم من اشياء ثمينة وتحويلها إلى ملكية خاصة. وجرت تحقيقات مع عدد من عمداء كليات التربية النوعية «سابقا» في مصر، بتهمة استيلائهم على اموال طلابية مدفوعة، وفصل بعضهم، واستتر اكثرهم مع فوزهم بالغنائم. اما عن اعضاء هيئة التدريس في الجامعات العربية بشكل عام فالانحرافات السلوكية اكثر من ان تحصى، منها المتاجرة في العلم: بيع كتب بالاكراه وبالتهديد للطلاب وبأثمان مرتفعة، اعطاء دروس خصوصية وبيع الامتحانات وهدايا ورشاوى. وفي معظم الجامعات يجمع الاساتذة بين التدريس والعمل الخاص في المحاماة أو في الطب او في المحاسبة أو في الهندسة او في الزراعة أو في التجارة، وغالباً ما يكون العمل الخارجي على حساب الاعمال الاكاديمية في الجامعة، فالتفرغ المهني لم يعد له وجود أو احترام.... وتتفشى ظاهرة التغيب عن العمل بين الاساتذة. ولا شك في ان الفساد بنوعيه الرفيع Honest CorruPtion، والوضيع ishonest Corruption ظاهرة عامة تعرفها كل المجتمعات وتعتاده الاوساط المؤسسية العامة والخاصة كسلوك طبيعي وليس شاذاً أو غير عادي، والجامعات واساتذتها جزء من المجتمع وناسه. واذا خسروا انفسهم كنماذج فكيف يستحقون حرية اكاديمية يصعد لها فوق المعارج؟ بحوث شكلية من واقع خبرته المهنية كرئيس لمركز البحوث التربوية والتطوير بوزارة التربية والتعليم في دولة البحرين على مدى تسع سنوات نشر د. نخلة وهبة دراسة قيمة بعنوان: «كي لا يتحول البحث التربوي إلى مهزلة»، عرض فيها بنظرة تحليلية نقدية متعمقة آفات البحث التربوي والتي حولته بالفعل إلى مهزلة لكنها مبكية لا مضحكة. والواقع ان البحث العلمي في 184 جامعة و500 مركز بحثي على امتداد الارض العربية، كله موصوف بهذه العلة التي تفقده وضعيته ووظيفيته على المستوى الدولي، كما اكد ذلك الدكتور طه النعيمي الامين العام لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية. فهذا البحث لم يؤسس فكر له اصالته وقيمته، برغم 180 سنة مرت علينا وعندنا تعليم جامعي بدأ في مصر ثم انتشر في غيرها... لم نخترع نظرية علمية، ولم نكشف عن حقيقة معرفية، ولم نقدم للعالم منهجية بحثية، وانما عشنا منذ اول بعثة لمصر في أوروبا عالة على الغرب في كل شيء نظري أو عملي، واكتفينا ان نكون تلامذة لأساتذته، ونقلة لافكاره وشراحاً لعلومه... وليست ابحاثنا على كثرتها النسبية الا «تمارين بحثية» ـ بتعبير بعضهم ـ تجري في فلك الدراسات السابقة وكلها تحصيل حاصل، وليس بها اي اضافة علمية او تقنية سواء في مجال الابحاث الاساسية او العملية. وتتعاظم في الواقع جريمة السرقة العلمية مما يضيف الى نقص الكفاءة في البحث نقص الامانة وسوء الخلق، حيث يستبيح من يسمى بالباحث النقل دون تنصيص وتوثيق، وربما نقل صفحات متتابعة بكل مادتها ومراجعها وكأنها له... ولو عطلنا البحث في جامعاتنا ومراكزنا البحثية لعشر سنوات مثلاً، فان الحياة كما اتصور لن تتوقف، ولن يتأثر فيها شيء، فكل ما عندنا وفي بلادنا من عمل او انتاج لا يعتمد على بحث ولا يتطلب بحثاً.. والساسة واصحاب المشروعات الكبيرة يعتمدون على الخبرات الاجنبية او يستوردونها جاهزة تامة الصنع والتشغيل. ولا شك في وجود ثغرات كثيرة واسباب متعددة تؤدي إلى هذا الضعف في صناعة البحث العلمي... بعضها يرجع إلى التساهل في التكوين العلمي لاعضاء هيئات التدريس بحكم الاضطرار مع التوسع في التعليم الجامعي إلى قبول عناصر دون مستوى الكفاءة البحثية، والله يعلم كيف حصل بعضهم على درجات الدكتوراه... وبعضها يرجع إلى ضعف الامكانات في اثراء المكتبات بالدوريات الحديثة والكتب الاجنبية، وفي تجهيز المعامل والمختبرات... وبعضها يرجع إلى التقتير في الانفاق البحثي والذي لا تزيد مخصصاته في احسن الاحوال على 5 و0% من الناتج القومي مقابل 2.5 ـ 3% في الدول المتقدمة وبعضها يرجع إلى غياب سياسة بحثية لها أهدافها وخططها. وأد الفكر والاخطر من كل ذلك يتمثل في «وأد الفكر»، فالبحث فكر ـ وكما كان يردد استاذنا موريس دبيس في سيمينار جامعة السوربون: «تعلموا كيف تبحثون، فإنكم تتعلمون كيف تفكرون». وعندنا فإن البحث يتم في ظل الخوف، ويمشي مع المعروف والمألوف، وينجر مع المتساوق المؤتلف Converjent ، وهو بحث ضد الابداع والذي يتطلب الفكر الحر والجديد والمتفرد أو المختلف Diverjent، كما افاد بذلك العلماء المجربون من امثال جيلفورد وتورانس. ويتلازم مع البحث الشكلي تدريس تقليدي، وذلك وضع طبيعي، لأن التدريس الصحيح مرتبط في الجامعة بالمعرفة انتاجاً ونقداً وتطويراً... وكما ان البحث حرفية تمارس بالنقل والمحاكاة، فإن التدريس كذلك صنعة تمارس هي الاخرى بآلية تقليدية. ويشيع بكثرة طاغية اسلوب المحاضرة في صيغة انشائية خطابية، قد تكون عرضاً تلخيصياً أو شرحاً لمادة الكتاب الدراسي المقرر، ولذلك تفقد قيمتها في اثارة الفكر وحفز العقل وبناء حوار سقراطي استكشافي او استقصائي، وكثيراً ما يهمل الطلاب المحاضرة مادامت مادتها مسجلة في كتاب للحفظ والتحصيل، وما دام الاستاذ «كالكتاب الجامد: لا يدفع شبهة ولا يؤيد حجة». ومن الأساليب المألوفة في بعض الجامعات التعيينات الكتابية أو المقالات البحثية والتي تتلخص في استنساخ صفحات من كتاب او اكثر ويجمعها الاستاذ دون مراجعة أو تقييم او توجيه لطلابه. وقد تخصصت في الدوحة مكتبات تعد البحوث الطلابية مطبوعة ومغلفة وكلها منقولة من دراسات سابقة أو من كتب وتجارب المعمل في العلوم الطبيعية عروض شكلية، ونادراً ما يقوم بها الطلبة، مع نقص الخامات والأجهزة ومن ثم فهي تجارب لا تعمل في كشف الحقائق وفهم العلل أو المباديء أو القوانين التي تحكم النتائج. بالاضافة إلى ذلك فإن اكثر الاساتذة يكلفون بتدريس ما لم يتخصصوا فيه علمياً، حيث لا تفي الميزانيات من جهة والكفايات البشرية من جهة ثانية بتغطية هذا النقص. وتكليف الاستاذ بتدريس ما لم يتخصص فيه لا يتسبب فقط في هبوط مستوى مادته ولكن كذلك في خلق متاعب اضافية ترتبط بتحصيل المادة والاعداد الفني لتدريسها، مع كثرة مشاغله في الارشاد الاكاديمي والواجبات المهنية في قسمه وكليته وجامعته، بجانب مشاغله الخارجية. ومع هذه المتاعب واشغالات الوقت لا يجد الاستاذ فرصاً كافية لتكثيف علاقاته مع طلابه مما يحرمهم الافادة من رعايته التربوية. اما عن نوعية البرامج من حيث العمق والحداثة وما تستهدفه من تنمية قدرات وصقل مهارات، فإنها متخلفة أو متقادمة، ولا تجاري التطورات العالمية في ايقاعها المتسارع... ولذلك فإن الباحث المنصف لا يملك الا ان يندد بسقم هذه البرامج ورداءة تدريسها، وضعف عوائدها التعليمية. وهذا من عوامل الخطر الداخلي الذي يهدد الحرم الجامعي وحريته الاكاديمية. ولقد سبقتنا دول متقدمة في النهوض بفاعليات التدريس واسست مراكز متخصصة في تأهيل اعضاء هيئات التدريس، والزمتهم بدورات تدريبية وبرامج انعاشية... ولا يزال امامنا شوط كبير للوصول إلى مستوى يسمح لاساتذة الجامعة ان يطالبوا بالحرية للحفاظ على مكاسبهم العلمية والمهنية. ومع ذلك فالشكوى عامة كما اسلفنا بخصوص البيئات الجامعية التي ساءت نوعياتها إدارة وبحثاً وتدريساً واخلاقاً.. وليست جامعاتنا وان تدنت مستوياتها شاذة أو خارجة عن هذا الوضع المنقود. هيجان الطلاب وهذا عامل سلبي آخر يزيد من صراعات الجامعة بين إداريين واعضاء هيئة تدريس بفقد ائتلافها وبينهم وبين طلبة مسيسين يعملون داخل الجامعة لحساب هيئات خارج الجامعة وايديولوجيات تتسابق في جذب وتجنيد الشباب لاغراض حزبية أو دينية لا تتفق بالضرورة مع رسالة الجامعة وأهدافها. وبالطبع فإن هذه النوعية من الطلاب تمثل الاقلية، لكنها الاقلية النشطة التي تتحرك كالخمائر في كتل العجين الطلابية لتشريب عقائدها وجذبها إلى صفوفها، وتصنع نظاماً أو نظماً فرعية لها رموزها وطقوسها وحركاتها. في السودان «أدى تركيز الأحزاب السياسية على الجامعة لزيادة التسيس في كل شيء، مما أدى إلى فوضى جامعية» وكيف تسترد إدارة الجامعة هيبتها امام طلاب يصرون على ان تعلو اصوات مكبرات الصوت الدعائية على صوت الاستاذ وهو يحاضر داخل القاعة». وفي الاراضي الفلسطينية حولت العناصر الطلابية من حركتي حماس والجهاد الاسلامي الجامعات إلى مقار حزبية أو مراكز لتجمعات سياسية دينية تعلن منها سياستها المعارضة، كما تصدر منها عملياتها العسكرية وتحرج بنشاطها السلطة الوطنية الفلسطينية، مما اضطر قواتها إلى اقتحام حرم جامعة النجاح واصطدمت بعنف مع الطلبة الثائرين واعتقلت عدداً منهم... وفي تونس فإن انقسام المثقفين إلى زيتوني ومدرسي، أو يميني متطرف ويساري متطرف، انعكس داخل الجامعات وبالذات في عقدي السبعينيات والثمانينيات في شكل تكتلات ايديولوجية تتصارع فيما بينها وتقوم باضرابات واضطرابات، الأمر الذي يهدد الجامعة في نظامها وقيمها وتقاليدها العلمية والتربوية. وفي مصر فإن النشاط السياسي لطلاب الجامعة كان معروفاً ونشطاً في عهد ما قبل الثورة تجاوباً مع الشعور الوطني العام لبلد محتل، فاسد الحكم، تتصارع احزابه على السلطة. اما بعد الثورة فإن السلطة الحاكمة في الستينيات سيست الطلبة بايديولوجيتها التي تفردت في الساحة السياسية، وجندت اعداداً كبيرة في منظمات شبابية اشتراكية وفي السبعينيات مع السادات ودعمه للحركات الدينية ضد اليساريين، بدأت جماعات جديدة لها تكتيكات دعائية.... طلبة بلحى وجلاليب، وطالبات محجبات أو منقبات، واجتماعات علنية، أو صلوات جامعة، واذان بالميكروفون، وجلسات اذكار واوراد ومدارسات دينية/ سياسية تصرف عن المحاضرات، وفرض نظام بقوة الجنازير والسكاكين، ومنع الاختلاط والحفلات الموسيقية والغنائية والدرامية والأنشطة الرياضية والفنية والترويحية. وامتد نشاط بعض هذه الجماعات المتطرفة للقيام بأعمال تخريبية أو اغتيالية خارج الجامعة مما تسبب في كوارث وفتن وزعزعة الامن واختلال النظام في الجامعة... وتحركت الحكومة في اعتقال العناصر القيادية، أو المتورطة، ومراقبة الاعضاء النشطين، ووضعت الجامعة كلها تحت رقابة أجهزة امنية داخلية وخارجية. ومنعت بذلك أي اشتغال بالسياسة داخل الجامعة. ومثل ذلك حادث في جامعات الأردن، وتطبق الحكومة قوانين صارمة ضد المخالفين... هذا الهيجان الطلابي وما يتطلبه من قمع سلطوي، قلل من فرص الاستحقاق الجامعي لحرية اكاديمية توفر الأمن والنظام والسلام لكل من في الجامعة. ان ما نستخلصه من هذه الدراسة ان الحرية الاكاديمية التي اختصت السلطات المسئولة بها الجامعات كانت ـ في احسن احوالها قديماً وحديثاً ـ امتيازاً مرهوناً يعلق أو ينفذ تبعاً للأحوال المزاجية لهذه السلطات... ولم تكن أبداً حقاً مكتسباً تقتضيه طبيعة العمل في الجامعات وما يتطلبه تحقيق أهدافها بفعالية وأمن وانتظام. وقد آن الأوان لكي تقلع الحكومات والهيئات المتنفذة في المجتمع عن اللعب بورقة هذه الحرية كقضية للمناورة، أو كوسيلة ابتزاز، وكمنحة للتكريم... انها باعتراف معظم الحكومات والمنظمات المعنية ضرورة وظيفية، وحق مصون للجامعة، تماماً كحق القضاء في أي دولة ان يكون نزيها وآمنا وحراً. وقد قيل مرة لشارل ديجول: «ان فرنسا بعد الحرب تعاني من الفساد والتدهور الاقتصادي، فسأل: هل القضاء والجامعات بخير؟، وكان الجواب: نعم.. فقال ديجول: مادام القضاء والجامعات بخير فلا خوف على فرنسا». الدوحة ـ «البيان»: