احداث التفجيرات في نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر الماضي وما تلاها من تطورات وتفاعلات لاشك انها ستترك اثاراً فادحة على الاقتصاد اليمني لاسيما منه النشاط السياحي الذي ما برح يعاني من موجات اختطاف للسياح الاجانب انعكست سلبا على السياحة في البلاد، وعلى الاستثمارات في هذا القطاع ويرى المتابعون والمشتغلون في السياحة في اليمن ان الغاء وتعليق العديد من الافواج السياحية لرحلات كانت مقررة لليمن قبل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر الماضي من شأنها ان تضاعف الخسائر المتوقعة للنشاط السياحي بشكل يفوق الاحتمالات ويهدد بافلاس العديد من الشركات ويبرز ذلك من خلال تراجع عدد النزلاء في الفنادق اليمنية بما يزيد على 70 إلى 80% مقارنة بما كان عليه الحال قبل التفجيرات في أمريكا وتدني عدد السياح الواصلين عبر المنافذ والموانيء اليمنية بنسبة كبيرة تقدر بما بين 50 إلى 70% وهو ما يعني صعوبة خروج السياحة من النفق المظلم الذي تسبب به الاختطاف للاجانب منذ حوالي العام 1999م والذي وجه بشكل اساسي للسياح الاجانب الذين كانوا يقصدون اليمن كوجهة سياحية لهم وحسب وزير السياحة والبيئة ورئيس الهيئة العامة للسياحة التراجع في نشاط السياحة اليمنية سيصل إلى حوالي 50% عما كان عليه قبل الأحداث الأخيرة. وجاءت دعوة الرئيس اليمني الى اعتبار خطف السياح الاجانب في اليمن عملا ارهابياً تعكس في توقيتها عقب تفجيرات واشنطن ونيويورك اشارة واضحة إلى المحنة التي تعيشها اليمن عامة والقطاع السياحي خاصة نظراً لأن هذه الظاهرة منذ ان بدأت في مطلع التسعينيات الحقت اضراراً بالغة بالسياحة اليمنية منذ انتشارها واصابت هذا القطاع بالشلل التام بعد ان كان يعول عليه في انعاش النشاط الاقتصادي الذي يعاني في الاصل من صعوبات عديدة قد تزداد سوءاً مع الغاء العديد من السياح الاجانب لرحلاتهم المبرمجة إلى اليمن على اثار التطورات التي شهدتها امريكا وما اعقبها من توترات وتفاعلات قد تمتد اثارها لسنوات عديدة من شأنها ان تؤجل الاستحقاقات المنتظرة من السياحة اليمنية. والمعروف ان جمهورية اليمن تتمتع بالعديد من المزايا النسبية التي تجعل منها احد البلدان السياحية المهمة فهي إلى جانب يتوفر فيها عليه من ارث تأريخي وحضاري ومعالم اثرية تعود للحضارات القديمة أضف إلى ذلك تنوعاً مناخياً وتضاريسياً يتيح مجالات عدة للسياحة كالسياحة الجبلية والشاطئية والثقافية وسياحة الحمامات الطبيعية والكبريتية حيث يوجد ما يربو على 50 حماماً طبيعياً لكن على الرغم من هذه الامكانات المتاحة الا ان السياحة في اليمن ما زالت تعاني من العديد من المعوقات أبرزها تنامي ظاهرة الاختطاف التي تلازمت مع تزايد الرهانات المعقودة على هذا القطاع الحيوي والمهم ما انعكس سلباً على نشاطه. وتشير الاحصائيات المتوفرة إلى ان ظاهرة الاختطاف للأجانب في اليمن قد تنامت بشكل ملحوظ خلال السنوات العشر الأخيرة منذ أول حادثة اختطاف في 29 يناير عام 1991م عندما اقدم سبعة من رجال القبائل باختطاف اربعة فرنسيين احتجزوا لمدة ثلاثة عشر يوماً لتتوالى عقب ذلك حوادث الاختطاف على نحو متزايد حتى وصلت إلى 155 عملية استهدفت 316 مختطفاً ينتمون إلى جنسيات 21 دولة وحسب المعطيات المتوفرة احتلت فرنسا الصدارة باختطاف 89 من رعاياها منهم 78 سائحاً وخبيران واخرهم الدبلوماسي «رانير تيرنر» ومن الرعايا البريطانيين اختطف 37 منهم 26 سائحاً و8 خبراء وثلاثة دبلوماسيين وفي المرتبة الرابعة الولايات المتحدة بـ 22 مخطوفاً 4 سياح و17 خبيراً ودبلوماسي واحد و22 من الرعايا الهولنديين و18 ايطاليا و6 بلجيكيين و6 سويسريين و6 صينيين وثلاثة كوريين وخمسة بولنديين واربعة اطباء روس و3 كنديين وثلاثة سياح يابانيين وسائحان استراليان وسائحان اسبانيان وخبير اوكراني وبلغاري وهندي ونرويجي. تراجع العدد هذه الاختطافات المتتالية التي شهدتها اليمن منذ العام 1991م تركت اثاراَ واضحة على القطاع السياحي تجلت بمراوحة هذا القطاع بين الانتعاش الطاريء والركود الدائم الذي خيم على نشاطه فبعد ان بلغ عدد السياح الاجانب الذين زاروا اليمن عام 1992م حوالي 100 ألف سائح وهو اعلى رقم تحقق خلال فترة التسعينيات تراجع عدد السياح بشكل ملحوظ تبعاً لحوادث الاختطاف التي عادة ما يترتب عليها الغاء كثير من الافواج السياحية لرحلاتهم الى اليمن أو تعليق هذه الرحلات وخلال السنوات الاخيرة تراجع نشاط العديد من الشركات فعلى سبيل المثال عرفت شركة «العالمية» كبرى الشركات السياحية في اليمن تراجعاً ملحوظاً في نشاطها اذ تقلص عدد السياح القادمين عبر هذه الشركة بنسبة 80% خلال الاعوام 1999م ـ 2000م مقارنة بما كان عليه الحال عام 1992م وتراجعت نسبة الايواء في الفنادق التابعة لها في بعض الاشهر إلى 11% وتراجع نشاط تأجير السيارات للشركات التابعة لها واضطرت الشركة إلى تسريح العديد من موظفيها 93 موظفاً خلال العام 1998م وتسريح 115 موظفاً خلال العام 1999م واعطيت اجازات اجبارية للعديد من المستخدمين خلال العام 2000م و 2001م كما ان النشاط الاستثماري في القطاع السياحي عرف هو الاخر تدنيا ملحوظاً وبدأت تطفو على السطح ظاهرة عدم قدرة الشركات السياحية على الايفاء بديونها تجاه المصارف اليمنية نظراً لتراجع نشاطها وعلى الرغم من مبادرة الحكومة إلى معالجة هذا الاشكال الا ان الاجراءات المتخذة حتى الآن لم تبارح استشعار المشكلة والدخول في معالجة جادة لها وتقدر خسائر هذا القطاع بملايين الدولارات وتذهب بعض المصادر الى ان اليمن تتكبد سنويا ما بين 150 إلى 200 مليون دولار من عائدات السياحة زيادة على تأثر القطاعات الاخرى كتدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الأخيرة اذ لم تتجاوز الـ 100 مليون دولار فيما كانت الرهانات معقودة على استثمارات خارجية تقدر بـ 5 مليارات دولار وفقاً للخطة الخمسية 1996 ـ 2000م. نشاط اقتصادي ويرى الدكتور عبدالمجيد الخليدي الطبيب النفساني الشهير ان عملية الاختطاف تندرج ضمن ثقافة اجتماعية ممقوتة ساعد على انتشارها التساهل الذي تواجه به السلطات مرتكبي هذه الاعمال ما اغراهم على التمادي بعملهم هذا علاوة على ان هذه الظاهرة غدت نشاطاً اقتصادياً يدر دخلاً على منفذيه وعلى الوسطاء بين السلطة والخاطفين وبالتالي أصبحت العملية لها عائد ومردود اقتصادي يستفيد منه الخاطفون والوسطاء على حد سواء ولو بادرت السلطات إلى قمع الخاطفين لما استمر الحال على ما هو عليه واتخذ هذا البعد الخطير الذي انعكس سلباً على النشاط الاستثماري الذي اصاب السياحة بالشلل التام مشيراً إلى انه آن الأوان لكي تقوم السلطات بمسئولياتها تجاه هذه الاعمال التي اساءت لليمن. ويرى الكاتب سعيد بن سعيد الحميدي ان الاسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة هي اسباب متعددة منها ان اليمن بلد مترامي الاطراف يختلف جغرافياً من منطقة لأخرى وتنتشر فيه المجموعات القبلية التي ظلت بعيدة عن حركة التحديث وتطورات العصر ولجوء السلطات إلى المصالحة مع الخاطفين عندما اعلنت اواخر العام الماضي محاكمة الخاطفين وانزال العقوبات بمرتكبي هذه الجريمة تراجعت عملية الاختطاف بشكل ملحوظ لكن مع عودة المصالحة وتسوية الخلافات مع بعض الخاطفين عادت هذه الظاهرة من جديد ما يعني ان القضية مرتبطة بكيفية معالجتها من قبل السلطات وبمدى الحزم تجاه مرتكبي هذه الجريمة البشعة التي صارت محط استهجان الجميع. واذا ما اضيف إلى هذه الاشكالية ما سيترتب على تطورات الاحداث الاخيرة من ركود واضح وتراجع لاعداد تدفق السياح إلى البلاد يبرز بجلاء ان النشاط السياحي اليمني سيدخل مرحلة جديدة تقتضي معالجات سريعة وعاجلة أهمها اعادة احياء مشروع معالجة الديون المتعثرة على الشركات السياحية الذي كانت بادرت إلى طرحه بداية العام الجاري السلطات اليمنية والذي يقضي بتوزيع اعباء هذه الديون بين الاطراف الثلاثة المعنية وهي البنوك الدائنة والشركات السياحية المدينة والطرف الثالث الحكومة اليمنية وهو المشروع الذي ولد ميتاً ويتعين احياؤه خاصة في ظل الصعوبات التي تنتظر هذا القطاع الذي مني بخسائر موجعة بسبب ظاهرة الاختطاف من جهة وبسبب الاحداث الاخيرة من جهة ثانية على ان هذه المعالجات تبقى معالجات جزئية ما لم تتخذ الخطوات الرادعة ضد مرتكبي هذه الاعمال التي كبدت القطاع السياحي اليمني خسائر جسيمة وعطلت استثماراته المرشحة لمزيد من الصعوبات المتوقعة عقب الهجمات الإرهابية في واشنطن ونيويورك التي دفعت بمعاناة السياحة اليمنية إلى الواجهة كما عبر عنها الرئيس اليمني وتصنيفه لهذه الاعمال كأعمال إرهابية. فهل آن الأوان لتجاوز هذه المحنة؟ هذا ما ظل يردده ممثلو أرباب العمل في القطاع السياحي في سريتهم منذ أمد بعيد واصبحوا اليوم يجاهرون به بعدما ظهر لهم انهم على موعد مع معاناة جديدة ناتجة عن اثار التفجيرات الاخيرة في امريكا وما تلاها من تداعيات لا أحد يدرك مداها حتى اللحظة. وجاء تدارس وضعية القطاع السياحي مؤخراً من قبل المجلس اليمني للترويج السياحي ليعكس بجلاء واضح حجم المشكلة في اجتماع له عقد مؤخراً وضم أرباب الوكالات والشركات السياحية ومسئولين وذهب جميعهم إلى التأكيد ان السياحة تعيش محنة حقيقية الأمر الذي دفعهم لطرح الترويج السياحي إلى بلدان جنوب وشرق اسيا على اعتبار ان هناك العديد من المهاجرين اليمنيين يحنون إلى زيارة موطنهم الاصلي وانه اذا ما توجهت الجهود صوب هذه البلدان يمكن تجاوز ما خلفته أحداث الحادي عشر من سبتمبر على السياحة اليمنية فيما ذهب بعض المتدخلين إلى القول بضرورة التوجه إلى البلدان العربية والإسلامية لأن موجة الكراهية التي نجمت عن التفجيرات تجاه كل ما هو عربي وإسلامي سيدفع العديد منهم إلى تغيير وجهتهم السياحية واليمن من البلدان التي تتوفر فيها العديد من المزايا المشجعة على استقطابهم كما ذهب البعض إلى الرهان على السياحة الداخلية وامكانية تعويضها للآثار المحتملة على السياحة لاسيما اذا ما بادر أصحاب المنشآت السياحية إلى تقديم عروض مغرية وحوافز مشجعة على تنشيط السياحة الداخلية. عملية انقاذ ويرى المراقبون ان مثل هذه المقترحات لا يمكن ان تعوض الخسائر الناجمة عن تضرر القطاع السياحي مالم تكن هناك عملية انقاذ واسعة النطاق تطال مختلف الصعوبات التي تعيق نمو السياحة اليمنية وفي مقدمتها وضع حد لعمليات الاختطاف للأجانب التي كان لها النصيب الاكبر في تذبذب هذا القطاع وتفاقم مشاكله خاصة ان الآثار لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر هي تأثيرات عارضة ولا يمكن لها ان تستمر إلى ما لا نهاية فيما تبقى المحنة الأساسية في معضلة الاختطاف. صنعاء ـ عبدالكريم سلام: