النتيجة الأولى التى توصلت إليها الولايات المتحدة الأمريكية أن قوتها العظمى وآلاتها العسكرية الجبارة لا يمكن أن تتحرك بمفردها على سطح الأرض.. وأن واشنطن بدون أصدقاء لا تساوى أكثر من دولة قوية يمكن أن تتلقى هزائم قاسية فى كل شبر تخطو إليه قواتها.. هذه النتيجة فهمها البيت الأبيض جيدا فى حرب تحرير الكويت حين أدركت أمريكا أن الحرب لايمكن أن تؤتى ثمار الانتصار دون مشاركة القوة الإقليمية فى الشرق الأوسط وبصفة خاصة مصر وسوريا والمملكة العربية السعودية، وفى الحرب على الطالبان فى أفغانستان لم تكن الولايات المتحدة تملك حرية الحركة لولا التسهيلات التى قدمتها باكستان والقوة الإقليمية المجاورة للعدو الجديد للإدارة الأمريكية. هذا الإدراك الأمريكي لقن البيت الأبيض درسا مهما حيث لا يجوز الاختلاف الاستراتيجي مع الأصدقاء أو السماح بظهور أجواء معادية فى واشنطن للقوة الإقليمية المساندة للولايات المتحدة، ورغم أن جورج بوش وإدارته الحالية كانوا قد أداروا ظهورهم لأصدقائهم فيما وراء المحيط الأطلسي إلا أن الأزمة الكبرى التى سقطت فيها واشنطن منذ الحادي عشر من سبتمبر أكدت لبوش الابن وحكماء الإدارة والبنتاجون والاستخبارات المركزية أن القوة العظمى لا يمكن أن تعيش بدون أصدقائها الأقوياء فى الأقاليم المهمة حول العالم. ووفق هذا الفهم بدأت الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها فى علاقاتها مع بعض القوى الإقليمية وعلى رأسها مصر، وشرع عدد من خبراء وزارة الخارجية يطالبون بإعادة المياه إلى مجاريها فى العلاقات المصرية الأمريكية، وتجاوز الخلافات التقليدية التى كانت تطرأ أحيانا على مسيرة العلاقات بين البلدين ومحاولة تقريب وجهات النظر فى القضايا الأكثر سخونة مثل التسوية الفلسطينية الإسرائيلية أو إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل. هذه المرحلة الجديدة التى تطوى فيها واشنطن خلافاتها مع القاهرة يرصدها بدقة ويفسر أسبابها ونتائجها نخبة من الخبراء وأساتذة العلوم السياسية والسفراء السابقين فى مصر المطلعين على مطبخ العلاقات المصرية الأمريكية.. فى البداية يرصد السفير المصرى السابق وخبير العلاقات المصرية الأمريكية تحسين بشير جملة القضايا الخلافية فى العلاقات المصرية الأمريكية فى السابق مشيرا إلى أن كلا من القاهرة وواشنطن اختار أن يرتبط بالآخر فى علاقة استراتيجية منذ منتصف السبعينيات وبعد التغيرات من الحرب إلى السلام فى الصراع العربى الإسرائيلى والتى بادر بها الرئيس الراحل أنور السادات.. وأدرك البلدان أنهما فى حاجة إلى الآخر.. فالقاهرة كانت تحتاج إلى قوة عظمى أكثر تأثيرا فى العالم وفى الشرق الأوسط على وجه الخصوص خاصة بعد أن تراجع الدور المؤثر للاتحاد السوفييتي، كما كانت مصر فى حاجة إلى أسلحة متطورة تستطيع أن تدافع بها عن أراضيها وفى حاجة إلى أن تبدأ عصرا تنمويا كبيرا، وفى المقابل كانت واشنطن على استعداد لتقديم كل ذلك مقابل استقامة الأمور وعودة أجواء السلام فى الشرق الأوسط حتى تضمن مصالحها سواء تلك المصالح الاقتصادية الكبرى من ثروات نفطية إلى آخر تلك القائمة أو مصالحها فى أن تنعم دولة إسرائيل بالأمن.. ملفات خلافية وخلال هذه السنوات منذ منتصف السبعينيات طرأت بعض الملفات الخلافية أبرزها كان الملف الليبى حيث ساندت مصر الجماهيرية الليبية لسنوات طويلة خلال أزمة لوكيربى كما عارضت استمرار الحصار على العراق إلى ما لانهاية وبدون جدول زمنى كما وقفت كثيرا إلى جانب السودان وتمسكت بالحفاظ على وحدته الجغرافية والسياسية كما تقاطعت سياستها مع الولايات المتحدة فى الدعوة الدائمة لاخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل. وكانت الولايات المتحدة تشهر فى وجه القاهرة عادة فى كل مرحلة خلافية ورقة حقوق الإنسان، كما تلعب بعض الأطراف الأخرى بأوراق اقباط المهجر الأمر الذى جعل العلاقات تبدو فى حالة من التردد بين منحنى مرتبك صعودا وهبوطا دون استقرار.. غير أن كل طرف كان يحاول كثيرا أن يتجاوز الخلافات الثانوية ويعبر إلى محيط التعاون الاستراتيجى بين الجانبين.. ويشير بشير إلى أن عهد ما بعد 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب فى أفغانستان ربما تفتح الباب لمزيد من التفاهم خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت أن القوة وحدها لا تصنع أمنا وأنها يجب أن تضع يديها فى أيدى شركائها حول العالم للوصول إلى حالة من السلام العالمى وحتى تضمن أمن المواطن الأمريكي على أرضه فيما وراء المحيطين الهاديء والأطلسي.أ ما عبدالرؤوف الريدى سفير مصر السابق فى الولايات المتحدة الأمريكية فيرى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي دفعت الادارة الامريكية الى اعادة صياغة سياستها الخارجية واعترفت ضمنيا أن ميزان القوى الجديد لا يمكن أن يكتمل فى ظل غياب الآخرين عن دائرة الضوء.. الامر الذى اصبحت قناعته بادية على المنهج الجديد الذى اتخذته الولايات الامريكية فى تعاملها مع العديد من الملفات العالقة والتى برزت مع بداية الضربات العسكرية لكابول وعلى الطريقة الدبلوماسية (أن الخلاف للرأى لا يفسد للود قضية ) فلم يكن هناك مانع من التعاون السياسي والعسكري مع باكستان رغم العقوبات التى مازالت تفرضها الولايات المتحدة على باكستان ورغم الخلاف القديم الا أن الولايات المتحدة كانت فى حاجة الى الدعم الباكستانى فى حربها ضد الارهاب فى افغانستان كما كانت فى حاجه الى مصر عندما قادت حرب الخليج الثانية وانتصرت. و يضيف الريدى.. رغم أن بوش صوت بالفعل على استمرار العقوبات الاقتصادية والحصار على السودان الا أن هذا لم يمنعه من ارسال أحد مبعوثيه لمناقشة الاوضاع داخل السودان و محاولة احداث نوع من التقارب الملموس والذى من شأنه أن يصب فى التواصل الأمريكي والتحالف الدولي الذى سعت اليه الولايات المتحدة الامريكية منذ بداية التفجيرات الارهابية على نيويورك وواشنطن.. ولاول مرة نرى تجاوباً دبلوماسياً واسعاً بين ليبيا وامريكا فى قضية الارهاب بل ان الامر قد وصل الى تعاون استخباراتي بين البلدين رغم أن أمريكا مازالت تعلن تصميمها على استمرار الحصار الاقتصادى على ليبيا فيما يعني أن امريكا بمنطقها الذى يستبعد الاخرين من حسبانها والذى كانت من نتائجه هذه العمليات الإرهابية جعلها ترى الامور اكثر واقعية وايجابية.. فالقوة بمفردها لم تشفع الى الولايات المتحدة الامريكية لكى تمنع عن قارتها الاعتداءات الارهابية ولم تحصنها وشعبها الى الوقوع فى براثن الارهاب.. ذلك الارهاب والذى قد يفسره بعض المحللين الى الاسلوب الخاطئ الذى تدير به الادارة الأمريكية الخيوط الدولية والسياسة الخارجية. صداقة استراتيجية وعلى الصعيد المصري فقد بدأ التجاوب والتعاون بين مصر وامريكا منذ انتهاء حرب اكتوبر فى فترة السبعينيات ورغم أن العلاقات بين البلدين تحمل شعار (الصداقة الاستراتيجية) منذ نهاية عقد السبعينيات وعقب الزيارة التاريخية التى قام بها الرئيس الراحل انور السادات إلى القدس وبدء مباحثات كامب ديفيد مع الإسرائيليين تحت رعاية أمريكية.. إلا أن القنوات الخاصة بين العاصمتين لم تسلم من قضايا خلافية معقدة ظلت تحكم الأجواء السياسية بينهما (توترا أو انسجاما ) فالعلاقات لم تصل إلى مستوى من التوتر يوحى بأن هناك أزمة بين البلدين. كما أن الانسجام لم تدب فيه الروح بعد خاصة أن الرئيس الجديد فى البيت الأبيض لم يكشف عن توجهاته الحقيقية تجاه المنطقة ويبدو وكأنه أدار وجهه لكل ما كان يشغل اهتمام سلفه فى المكتب البيضاوى بيل كلينتون. ولان الموقف المصرى كان الموقف الاكثر تميزا لرفضه الحرب حتى يتسنى لامريكا التأكد وتقديم الأدلة والبراهين ضد مرتكبى الحادث الارهابي، شريطه ان تتم هذه الحرب تحت مظلة الامم المتحدة كراعية للشرعية الدولية.. ومنذ ان ضربت الولايات المتحدة (كابول ) والقضايا الخلافية قد طفت على السطح رغم التأييد المصرى للموقف الأمريكي والذى يبدو للجميع أنه لايوجد أى خلافات تذكر.. الا أن مصر ودورها الرائد فى المنطقة قد اضفى عليها الاهتمام الذى ينبغى أن تحرص عليه أقوى دولة في العالم فسوف تظل مصر هى قلب الشرق الاوسط وستبقى منطقة الشرق الاوسط هى قلب الاحداث ومجال احتكاك مباشر للمصالح الامريكية وبمنطق الاستراتيجية الأمريكية. الخبير السياسي الدكتور مصطفى علوي وكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية يرصد العديد من التطورات فى العلاقات بين البلدين منذ الحادي عشر من سبتمبر.. فقد بدأت الولايات المتحدة الدعوة إلى إعادة احياء المجلس الرئاسى المصرى الأمريكي الذى كان سائدا أيام بيل كلينتون فى العلاقة بين البلدين، وتم بالفعل الاتفاق مؤخرا على احياء المجلس والذى كان له دور رائد فى تطوير العلاقات بين الجانبين، كما بدأت واشنطن في دعوة إلى تفاهم مصرى أمريكى فيما يتعلق بالأزمة السودانية ولم يشأ البيت الأبيض أن يرسل مبعوثه الجديد إلى السودان قبل التنسيق مع القاهرة، بل أن المبعوث الأمريكي نفسه جون دانفورث سوف يمر بالقاهرة خلال رحلته إلى الخرطوم وهو ما يعد تأكيدا قاطعا بأن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تطوي صفحة خلافات كبرى فى الماضي وتفتح صفحة جديدة من العلاقات ذات التفاهم المشترك مع القاهرة.. والقضية الخلافية الكبرى التى ربما تراها القاهرة سببا فى الارق العربي وطريقة سير العلاقات العربية العربية هى قضية العراق والتى تبدو حتى الان محل خلاف شديد بين القاهرة وواشنطن فمصر بدورها القيادى فى رفع المعاناة عن الشعب العراقى ومحاولتها لكسر الحصار العراقى الذى دام أكثر من عشرة اعوام ربما دفع الى جمود وتوتر ليس بقليل بين مصر وامريكا الا أن الحرب التى تقودها أمريكا ضد الارهاب تدفعها الى التمهل في طريقة تدفق ردود الافعال عن محاولات مصر وعدد من الدول العربية الى تلطيف الاجواء واعادة المياه الى مجاريها بين العراق والكويت ومحاولة لم الشمل العربى وفى نفس الوقت ستنتهز القاهرة الفرصة لاستمالة واشنطن تجاه مزيد من الرفق وربما يؤدى الامر الى التفكير العملى فى تخفيف الحصار على العراق أو حتى التوصل الى انهائه بشكل كامل،كل هذه التوقعات ترؤها الدبلوماسيه المصرية بوعى وتدركها الادارة الامريكية بحذر وان كانت هذه التوقعات قد تتأخر بعض الشيء الا أن الظروف الحاليه ستكون بداية مقبولة لمزيد من الهدوء بين القاهرة وواشنطن.. وسيصب هذا بالتأكيد فى كسر حدة الهوة بين العراق والعرب من ناحية وبين العراق وواشنطن من ناحية أخرى.. وان كنا لا ننتظر انفراجاً كاملاً للمشاكل العالقة الا أننا نتمنى أن يتم استغلال أجواء الحرب والضربة التى اثرت تأثيرا غير مسبوق على العظمى الوحيدة فى العالم لجعلها تنظر الى الامور الحيوية فى حياتنا نظرة أكثر ايجابية وشموليه وأن تعتبر ان حرص مصر الدائم على تخفيف المعاناة العراقية يأتى كأحد أهم واجباتها تجاه أمتها العربية والتى تعتبر نفسها مسئوله عن تلك الامة فالريادة لا تأتي من فراغ.. تطرف ديني أما الدكتور احمد ثابت ـ استاذ السياسة جامعة القاهرة ـ فيرى أن الوقت قد حان للعالم لكى يدفع بخطر الانقسامات الدينية المتطرفة والتى عانت منها مصر،خاصة وأن الحمله الأمريكية على الارهاب قد وصفها بوش فى بداية الامر بتوصيفات دينية وان كان قد تراجع بعدها الا ان تأثيرها مازال قائما فى النفوس مثلما خلفت قضية اقباط المهجر لمصر مأساة كبرى،وانتهزت واشنطن هذه القضية لتفرض على مصر نوعا من التدخل فى الشئون الداخلية لمراقبة العلاقات بين المسلمين والأقباط الى حد حشر أنفها في أدق تفاصيل هذه العلاقة حيث ارسلت واشنطن مبعوثيها من حقوق الانسان حتى يراقبوا نشاط مصر واتهام واشنطن الدائم للقاهرة بانتهاك حقوق الانسان مما خلف لدى الدبلوماسية المصرية الحذر الواجب واعتبرته قيد على شأن داخلى. الامر لا يتجاوز بعض الاضطرابات التى قد تحدث بين نفس الملل الواحدة.، والكارثة التى تعرضت لها امريكا ربما قد يجعلها تتروى فى التعامل مع ملف حقوق الانسان المصرى بشيء من الحكمة على اعتبار أن هذه الامور يجب ان تناقش وتعالج بشكل جذرى وأن تعتبر الدول التى تعانى من مشاكل بين أقلياتها وعلى رأسها أمريكا التنسيق بين هذه الاقليات لخدمة الوطن الام حتى ولو تعددت هذه الاقليات الدينية.. وهذه الحرب تعطى الفرصة ـ رغم الدمار الذى يبدو فى كل شبر ـ لمزيد من التغير الجذرى فى السياسة الامريكية الذي من شأنه احداث تحولات في صالح القضايا العالقة بين مصر وواشنطن من ناحية وبين امريكا وعدد من الدول العربية منها ليبيا والعراق والسودان.. ينبغي أن تعترف الدول الغربية أن قضايا الاقليات لا تعالج من منظور دينى بحت انما يجب النظر اليها كجزء لا يتجزأ من تركيبه الشعب الذى تنتمى اليه هذه الاقليات مما يجعلها تتوصل الى تضييق الخلاف والهوة بين هذه الاقليات بمنطق الحفاظ على جميع الحقوق وعدم المساس بخصوصية اى طرف من الاطراف وعدم تحميل الاقليات المسلمة بذنب فرد قد يكون ارتكب هذه التفجيرات أو لا.. وضرورة اتخاذ الدول اجراءات صارمة لتحول بين أى ممارسات اضطهاد قد يؤدي الى مآس انسانية غير مرغوب فيها. ولكن هل تكون هذه الحرب بداية لعودة التنسيق الدولي بين مصر وواشنطن وأن يمثل التحول الذى أحدثه الحادي عشر من سبتمبر نقطة انطلاق جديدة للسياسة الامريكية مع جميع الملفات الخلافية العالقة بينها وبين مصر وبينها وبين العرب من ناحية أخرى ام ستكون هذه الحرب هى الوبال بعينه ستبدأ بعدها امريكا مرحلة أخرى من التسلط وأستخدام اسلوب اكثر تمردا لفرض القوة.. الايام التالية ستحمل لنا الاجابة. القاهرة ـ مكتب «البيان»: