اظهرت نتائج استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية الاخير أن 14.4% من المواطنين الاردنيين يرون ان حرية الصحافة مضمونة الى حد كبير، بينما رأى 42.9% أن هذه الحرية مضمونة الى درجة متوسطة، فيما اعتبر 17.4% انها مضمونة لدرجة قليلة، و14.5% رأوا انها غير مضمونة، واجاب 9.4% انهم لا يعرفون ان كانت مضمونة ام لا. إلا أن التوجه الرسمي فيما يتعلق بذات الموضوع يبدو انه على الجهة المقابلة من هذه النتائج فقد أكدت الحكومة الأردنية وعلى لسان الرئيس المهندس علي ابو الراغب أن الصحافة الأردنية تتمتع بحرية واسعة، إلى الحد الذي وصفها بأنها ليست حرة فقط وانما هي «فلتانة»، في حين انتقد أبو الراغب نتائج استطلاع الرأي الذي اجراه مركز الدراسات لا سيما النتيجة التي اظهرت ان نسبة كبيرة من المواطنين يرون ان حرية الصحافة في الاردن ليست مضمونة لدرجة كبيرة. ويبدو أن عددا كبيرا من المراقبين اشاروا باصابعهم إلى أن عدداً من الصحف الاسبوعية هي المعنية بما ذهب اليه الرئيس تلك التي تنتقد الاداء الحكومي في العديد من القضايا. ويخشى هؤلاء ان تؤثر الاوضاع العالمية الحالية على الانفتاح والديمقراطية الذين بدأهما الاردن قبل اكثر من عقد، متهمين الولايات المتحدة وفي سبيل ضمان وجود تحالف دولي قوي في المنطقة يقف الى جانبها بأنها تتغاضى عن المزيد من التضييق على حرية الصحافة في دول المنطقة وليس في الاردن فقط. وفي المقابل من هذا الرأي يذهب فريق من الصحفيين أن الرئيس اصاب في وصفه هذا إلا انهم اكدوا ان الحل لمشكلة «الفلتان» هو مزيد من الحرية وليس بتقليص الحريات الموجودة، لافتين إلى أن الحرية هي قيمة مجتمعية لا تقبل التبعيض والتجزئة. فيما رأي فريق ثالث بأن الحكومة تريد دائما اقصى درجات الانضباط من المواطن مقابل اقصى درجات التشدد منها، مشيرين إلى أن غياب الصحف المشاغبة اقل وجعا للرأس واشد راحة للحكومة. وتنص التعديلات على قانون العقوبات على إمكانية الإغلاق المؤقت او الدائم وفقا لما تقرره المحكمة للمطبوعة او الصحيفة التي تنشر خبرا من شأنه الاساءة الى الوحدة الوطنية، او التحريض على ارتكاب جرائم او الإساءة الى كرامة الافراد والى سمعتهم او تتضمن معلومات كاذبة او تحريضا على اضرابات او اعتصامات او على عقد الاجتماعات العامة بشكل مخالف للتشريعات. وكان مبدأ اغلاق الصحف الغي من القانون الاردني وفقا لتعديلات أقرتها الحكومة قبل ثلاث سنوات، إضافة إلى ذلك شددت الحكومة أيضا من العقوبات المنصوص عليها لحالات المس بالملك او الملكة او بولي العهد حيث أصبحت العقوبة تتراوح بالحبس من سنة الى ثلاث سنوات. «البيان» بدورها قامت بالعودة إلى عدد من المتخصصين والمعنيين هم فوزي السمهوري رئيس الجمعية الأردنية لحقوق المواطن ويحيى شقير الصحفي والكاتب والباحث في الشئون القانونية، إضافة إلى المحامي احمد النجداوي نائب امين عام حزب البعث، والدكتور ذياب مخادمة استاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية وحاورتهم حول هذا الملف من خلال ما اقرته الحكومة الأردنية اخيرا في قانون العقوبات وتعديلاته، واثر كل ذلك على الصحافة الأردنية... ـ لماذا كل هذا الرفض لقانون العقوبات برأيك؟ اين تكمن الخشية من تعديلات القانون من وجهة نظر الرافضين لهذه التعديلات؟ ـ النجداوي: ان سبب الرفض للتعديلات الاخيرة على قانون العقوبات ينبعث من الطبيعية المرحلية والخشية من أن تدفع هذه التعديلات إلى نتائج ومظاهر سلبية، تزيد من حالة الضغوط على المواطنين. خصوصا وانه كانت ولا تزال تجربة الجماهير مع ممارسات السلطة التنفيذية عبر اكثر من اربعة عقود مضت مفعمة بالتجاوزات. ومن ضمنها مرحلة الاحكام العرفية التي رزحت بلادنا تحتها على مدى ثلاثين عاما او اكثر، حيث عانينا خلالها الامرين من تلك التجاوزات على الحريات العامة حتى اعلن عن بدء انطلاقة المسيرة الديمقراطية التي رحبنا بها واعتبرناها استعادة لبعض من امتلاك زمام الامور المباشرة للخروج من ذلك النفق المظلم وجرى الوفاق يومها على الغاء الاحكام العرفية وما يسمى انظمة الدفاع ووضع ميثاق وطني يعيد الفاعلية للمؤسسات الدستورية ويفعل العلاقات فيما بينهما ويربي أسسا صحيحة لحريات المواطن كما جاءت في دستور البلاد. ولقد دأبت الحكومات المتعاقبة قبل وبعد 1989 على السعي لاجراء تعديلات نشعر انه تعمل على التراجع عن ذلك الوفاق، وعلى بعض القوانين والنصوص الدستورية لكي تعطي لنفسها نوعا من المشروعية لخدمة توجهاتها وتجاوزاتها على حياة وحريات المواطنين وذلك باصدار قوانين مؤقتة او انظمة تشريعية نافذة المفعول فورا مستندة في ذلك الى المادة «94» من الدستور التي تنص على انه: «عندما يكون مجلس الامة غير منعقد او منحل يحق لمجلس الوزراء بموافقة الملك ان يضع قوانين في الامور التي تستوجب اتخاذ تدابير ضرورية لا تحتمل التأخير على ان تعرض على المجلس في اول اجتماع يعقده.. الخ». ويتضح من هذا النص الدستوري ان سلطة مجلس الوزراء في وضع القوانين المؤقتة في سلطة تشريعية استثنائية مقيدة في الظروف والمسائل التي لا تحتمل التاخير: والمعلوم ان الاستثناء يجري على خلاف الأصل ويجب ان نفسر في اضيق الحدود ودون توسع لكن الحكومات من قبل كانت تنتهز ظروف الأحكام العرفية أو تعطل الحياة النيابية لوضع التشريعات او تعديلات تشريعية كانت سيئة السمعة كلما بدا لها ذلك الأمر الذي يتنافى مع الضرورات الطارئة. على ان الحكومة الحالية وبعد ان اقدمت على حل مجلس النواب اصدرت خلال فترة زمنية قصيرة سلسة كبيرة من القوانين والتعديلات القانونية المؤقتة التي لا علاقة لها ب«أمور تستوجب اتخاذ تدابير ضرورية لا تحتمل التأخير» كما يقتضي الدستور، كما انتهزت مناسبة الظروف الدولية المترتبة على احداث 11 سبتمبر في أمريكا والضجة الأمريكية الغربية حول موضوع الإرهاب وما يتصل به فأسرعت الى إصدار تلك التعديلات على قانون العقوبات لإرهاب المواطنين وتكريس مفاهيمها الذاتية للإرهاب والحرية الصحفية والوحدة الوطنية على غمر المفاهيم السلمية دون الرجوع الى أية مرجعية دستورية والحيلولة بينهم وبين حقوقهم الإنسانية وحرياتهم الدستورية وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير. وهنا تكمن دوافع الرفض الشعبي لتلك التعديلات وهي دوافع واقعية ومشروعة أحيانا تتجاوز مجرد التحسب والخشية خاصة إذا ما علمنا ان الحكومة وفي تعديل قانوني سابق كانت قد منحت لنفسها سلطة تقديرية باحالة أي قضية مهما كانت الى محكمة أمن الدولة وهي محكمة خاصة يفترض انها محدودة ومحددة الاختصاص ولا تخضع في عملها الى الاستقلالية القضائية التي يكرسها الدستور في باب فصل السلطات. حجة وليست اعتراضاً ـ شقير: كان الاعتراض على كثرة القوانين المؤقتة وعلى تعديل قانون العقوبات بقانون مؤقت بصفة خاصة من عدة جهات: حزبية ومنظمات مجتمع مدني وحقوق انسان، وبالاضافة الى نواب سابقين، ولكل كانت حجته في الموضوع. بصفتي صحفي سأقتصر على الموضوع الصحفي في نقطتين اولا القوانين المؤقتة وخطورتها والنقطة الثانية قانون العقوبات. من ناحية القوانين المؤقتة السلطة التنفيذية اصدرت منذ حل مجلس النواب ما بين 20 إلى 25 قانونا مؤقتا، أي ما يعادل حوالي ثلث القوانين التي اقرها مجلس النواب الثالث عشر طيلة الاربع سنوات عمر المجلس. والخطورة في اصدار القوانين مؤقتة فيما يعني الحريات العامة والصحافة هو ان الحكومة قامت باصدار قوانين مؤقتة سبق ان قام مجلس النواب بردها في دورته العادية الاخيرة ومنها قانون الاجتماعات العامة وقانون محكمة امن الدولة. وفي هذه القوانين المؤقتة يبدو واضحا انها تتقاطع مع مؤسستي السلطة التشريعية والسلطة القضائية وعلى سلطة الصحافة إضافة إلى ذلك. ومن جهة اخرى فإن خطورة هذه التعديلات انها برأيي تعتبر عائقا امام الاستثمار والنمو الاقتصادي. واذا كنا نؤمن بأن الحكومة لديها نوايا حسنة لتحقيق النمو الاقتصادي وجلب استثمارات خارجية، إلا اننا نعتقد أن تلك القوانين لا تصب في مصلحة التوجه الاقتصادي العام للحكومة. فالمستثمر الاجنبي عندما يضع دراسة جدوى لمشروعه الذي يريده في بلد ما، فانه يضع استقلال القضاء وحرية الصحافة على رأس اهتماماته في قراره بالقيام بالاستثمار ام لا. ولست بحاجة الى التفصيل في هذا الموضوع والمحاججة بما يدعم هذا الرأي من دراسات اجريت في العديد من دول العالم. اما فيما يتعلق بقانون العقوبات وتعديله بقانون مؤقت فخطورته تكمن في النقاط التالية: ـ اولا من حيث الشكل فانا شخصيا لم اكن اتمنى ان يتم ربط الصحافة بالارهاب في تعديل واحد في توقيت يبدو وكأنه يتناغم مع ما حدث في الولايات المتحدة في ضرورة التجديد على مكافحة الارهاب. ـ وما يهمني في هذا الموضوع المادة 150 التي تم تعديلها والتي اعادت المحظورات التي تم حذفها من قانون المطبوعات رقم 8 لسنة 98، كما اعادت مبدأ الاغلاق المؤقت والدائم للصحف لاسباب تتعلق بحرية الصحافة في التعبير والنشر. ـ اعادت التعديلات مبدأ الحبس ايضا لاسباب تعود لابداء الرأي وغلظة الغرامات بعد أن كانت تمتاز بالتدريج، فاي مخالفة لقانون المطبوعات سابقا كانت الغرامة هي الوسيلة في القانون للعقاب وليست بالحبس. ـ والنقطة الاخيرة والاخطر في رأيي ان هذه التعديلات اضافت المالك للصحيفة ليكون مسئولا جزئيا عن مخالفات يرتكبها غيره خلافا لمبدأ شخصية العقوبة، وحقوق الانسان ان مبدأ شخصية العقوبة هو مبدأ قانوني تنطبق عليه كافة التشريعات المعاصرة في ألا يسأل إلا مرتكب الفعل عن جريرته، بل ان الاسلام قبل 15 قرناً أقر بذلك في مجتمع قبلي، فلا يعاقب شخص على فعلة لم يرتكبها هو بنفسه. كما ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان اقر بمبدأ شخصية العقوبة، وان لا يسأل الا مرتكبها فقط. ـ مخادمة: تعتبر القوانين الاستثنائية أو المؤقتة أو التي تعرف بقوانين الطوارئ اداة من ادوات السلطة التنفيذية في يد الحكومة، إلا أن هذه الاداة وبحسب الدستور فانه يجب أن لا يتم استخدامها إلا في حال تعرض البلاد لظروف استثنائية تحتم على الحكومة فعل امر ما لا بد أن تفعله بالسرعة القصوى تجنبا لحدوث ما لا يحمد عقباه. وحسب ما عرف فقهاء القانون تلك الظروف الاستثنائية فهي التي تتعلق بالكوارث الطبيعية الخارجة عن ارادة البشر مثل الهزات الارضية، أو الظروف الاستثنائية التي تنشأ عن دخول البلد في حرب ما، حيث اجاز الدستور الأردني استخدام السلطة التنفيذية لاداة القوانين الاستثنائية أو الطوارئ الدستور إلا انه في المقابل حتم على هذه السلطة عرض ما استجد من قوانين خصوصا في حال غياب السلطة التشريعية على مجلس النواب في اول جلسة له. إلا أن العديد من ممثلي مؤسسات المجتمع المدني اعربوا عن خشيتهم أن من صدور كل هذه التشريعات في ظل عدم وجود أي ظرف استثنائي يستدعي اصدار اكثر من عشرين قانون مؤقتا كان اخره التعديلات التي اجريت على قانون العقوبات. وتساءل من يخشى من الهدف من اصدار تلك القوانين عن سبب اتخاذ الحكومة لكل هذه القوانين خصوصا بعد حل المجلس وقالوا ألم يكن بالامكان طرح القوانين ومناقشتها ابان الدورة العادية، فلا يوجد ما يستدعي كل هذا الاستعجال. اضف إلى ذلك أن جميع تلك القوانين قوانين لا تأخذ صفة الضرورة الملحة. في الحقيقة وددت لو أن الامر في هذا الموضوع لو لم يتم بهذه الصورة فانا مع الحالة الديمقراطية بكافة ملامحها وان يتم اتخاذ القوانين في حاضنتها اذ يحدث طارئ ما وهو لم يحدث في الوضع الأردني. أما فيما يقال عن الخشية من الارهاب فلا يمكن الارتياح إلى هذا القول خصوصا وان الجميع يعلم أن الساحة الأردنية تخلو من اية حركة متطرفة تعمل تحت الارض وتستهدف الاردن كدولة وتستحق أن يتم اتخاذ كل هذه الاجراءات بحقها علما بان لدينا من القوانين إضافة إلى كفاءة الاجهزة ما يضبط الوضع بصورة مريحة. ـ السمهوري: في البداية لا بد من التأكيد أن أي قانون وضع من قبل أي حكومة كان يتم وضعه لهدف ما سواء كان هذا الهدف معلنا ام لا، بالاضافة إلى ذلك فان علينا القول ايضا أن القوانين التي توضع لم تقر من اجل تطبيقها على شريحة معينة من الناس وانما تقر من اجل شمولية تطبيقها على كافة شرائح المجتمع دون تمييز، وهذا ينفي القول بان قانون العقوبات جاء للحد من التجاوزات الاخلاقية التي تنتشر في بعض الصحف الاسبوعية. أما من حيث الاجابة عن سؤالك فاننا نرى أن مجموعة القوانين التي تم اقرارها مؤخرا واخير التعديلات التي اجريت على قانون العقوبات سلاح تم استخدامه من قبل السلطة التنفيذية، للاهداف المعلنة التي تم الافصاح عنها إلا أن الفرق أو جوهر الخلاف هو أن الرافضين لتلك التعديلات يختلفون مع الحكومة من حيث التفسير واستشرافية التطبيق. فعلى سبيل المثال فان ما يشاع عن أن ما جرى تعديله جاء وفق رؤية رسمية للمحافظة على اخلاقية المهنية وعدم تغوّل بعض الصحف الاسبوعية التي جرى وصفها بالصحف الصفراء أو صحف الاثارة قول يجانب الكثير من الصحة، فالقانون حين نريد تطبيقه من المنتظر أن يطبق على الجميع، وهذا جانب، اما الجانب الاخر فهو أن ما جاء في التعديلات من بنود عامة غير واضحة يدفع العديد من المعنيين وخصوصا الصحفيين للخشية من أي معلومة يقدمونها لعدم وضوح القانون بالاضافة إلى عموميته. ومن هنا نطرح سؤالا يتعلق بالجدوى من وضع قانون ضم بنوداً عامة في مقابل قانون سابق غاية في الدقة. ـ ولكن رئيس الحكومة اكد في اكثر من لقاء على أن الصحف اليومية بالاضافة إلى الصحف الاسبوعية الجادة ليست هي المستهدفة من القانون بل انه ذكر صحيفتي «السبيل» و«المجد» بالاسم؟ ـ النجداوي: ان تأكيدات رئيس الوزراء او وزير الاعلام ان الصحف اليومية او بعض الصحف الاسبوعية ليست هي المستهدفة من التعديل لقانون العقوبات وان المستهدف «صحف الاثارة» هو اعتراف واضح من السلطة التنفيذية بنواياها تجاه وسائل التعبير وابقاء سيف العقوبات القاسية مشهرا في وجه كافة الصحف واجهزة الاعلام دون استثناء تهوى به على من شاءت وكيفما ترى ذلك، ضمن سلطة تقديرية متروكة لها وهذا يتنافى مع المبادئ المتفق عليها في الفقه الجزائي من حيث موضوعية التحريم والعقاب الذي يجب ان يكون واضحا ومحددا بصورة معلومة، فكيف يصح ان توضع نصوص التحريم والعقاب بصورة عامة ثم تجري حسب الهوى تطبيقها على البعض من الصحف اسبوعية او يومية ولا يتم ذلك على البعض الاخر.؟ انها في النهاية وبحسب السلطة التنفيذية تبقى سياسة انتقائية ضد كل من لا يسير وفق رغبة الجهات المعنية، كما انه الغاء للتعددية والرأي الاخر في زمن يفترض اننا بذلنا الكثير من التضحيات لاجل احترام حقوق الانسان كما جاءت بالمواثيق والنصوص الدولية والدستورية ومن بينها دستور عام 1952 والميثاق الوطني الاردني. شقير: يجمع فقهاء ومتخصصو القوانين في العالم ان من أسس التشريع ان القاعدة القانونية توضع كقاعدة مجردة، ولا تصمم ضد شخص بعينه، ومن هنا لا يمكن اطلاقا الموافقة على ذلك أليس من مسلمات القواعد القانونية أن «كل من يقتل يحاكم بالاعدام». في التشريع الإسلامي على سبيل المثال يمكن القول انه اذا ما قتل مسلم مسلما أعدمناه أما إذا ما قتل المسلم صاحب ديانة اخرى لم نقم عليه الحد ذاته.. هذا منطق رفضه الإسلام منذ بدايته، والاسلام منذ قرون طويلة انزل أن القتل قتل يؤخذ على تجريده. ومن هنا يمكن لنا استنباط العديد من القضايا. ثم عندما توضع قاعدة قانونية تطبق على الجميع، هذا امر ايضا من المسلمات. ويجب الالتفات إلى مسألة قانونية في غاية الدقة وهي أن القانون الأردني أوجد عبارة في نهاية كل فقرة من كافة القوانين تنص على أن رئيس الوزراء والوزراء مسئولون عن تنفيذ القانون. أي أن السلطة التنفيذية هي الجهة المسئولة بصورة مباشرة عن تطبيق العدالة في المجتمع الأردني وفق النظرة التي يراها القانون والدستور. وهي الجهة المطالبة بوضع القانون موضع التطبيق بصورة شاملة وعامة، لا ليتم تطبيقه بشكل انتقائي، فالتسامح ايضا مسألة مرفوضة فمن اخطأ عليه أن يعاقب. والحريات تصان بصياغات قانونية واضحة للعامة، دون أن يتم استخدام كلمات مطاطية تطبق على البعض وتترك الاخر بحيث تتسع كلما اريد لها الاتساع وتضيق كلما اريد لها أن تضيق. حقول ألغام ـ هل من الممكن اعطاء بعض الشواهد على ما تتحدث عنه؟ ـ شقير: كلمة وردت في القانون تقول «المس بهيبة الدولة أو مكانتها» أنا شخصيا لا اعتقد ان هناك اثنين يمكن ان يتفقا على تعريف جامع مانع لهذه العبارة، فالقوانين لا تصاغ بهذه الطريقة لتكون حقل الغام امام الصحفي ليقع بها. ـ مخادمة: الأزمة التي تتشكل في العادة لدى الحديث عن مسألة الصحافة الصفراء ليست جديدة إلى الساحة الأردنية، حيث سبق أن اثيرت الأزمة في الاسبق، إلى الحد الذي وصل معه الامر في السابق إلى إحالة عدد كبير من الصحفيين إلى القضاء، إضافة إلى انها اغلقت بعض الصحف، ومن ثم تم اعادة النظر في القوانين السابقة. وكل ذلك افرز حالة يمكن القول بأنها مريحة للغاية بحيث اصبح لدينا من القوانين القادرة على تنظيم الصحافة ما يكفي. وأحب الاشارة إلى انني لست مع مصطلح الصحافة الصفراء في الاردن. صحيح أن هناك صحفا تخرج عن القانون بحيث تسيء للاخلاق العامة وربما تمس بامن الدولة، إلا أن التعميم غير وارد فالصحافة بصورة عامة في الاردن صحافة مرتبطة مع التوجه الرسمي بصورة أو بأخرى، ومن هنا يمسي التعميم بالقول عن الصحف الصفراء غير دقيق ويحتاج إلى كثير من الشرح والاستثناء. ثم أن الحديث عن ضرورة تنمية الحياة الديمقراطية في الاردن من جهة، ورفض الصحف الصفراء من جهة اخرى حديث متناقض، فالسلطة التنفيذية في الدولة الديمقراطية ليست المسئولة بصورة مباشرة عن ضبط ايقاع الصحف وانما هناك مؤسسات في الدولة هي المسئولة عن ذلك. وهذا هو الحال مع الغاء وزارة الاعلام من جهة وضبط أو حتى تقييد العمل الصحفي من جهة اخرى، وفي هذا ايضا تناقضا شديدا فكيف يتم الحديث عن الغاء وزارة الاعلام كجسم في السلطة التنفيذية من جهة وتقييد العمل الصحفي بجملة من القوانين من جهة اخرى. اما فيما يتعلق بحديث البعض عن ضرورة العمل على الحد من خروج بعض الصحف عن الآداب العامة فاعتقد أن القارئ هو المسئول عن هذا الامر وليس الحكومة وكما يقولون على المتضرر مراجعة القضاء. ـ ولكن كأكاديمي كيف تنظر إلى تلك الصحف التي توصف بالصفراء أو صحف الاثارة؟ ـ مخادمة: أنا حقيقة لست من روادها وبالتالي لا استطيع التحدث أو الحكم عليها، ولكني من جهة اخرى لم المس ان هناك انطباعا عاما في الشارع الأردني يرفض المواد المقدمة في هذه الصحف. خصوصا وان لدينا قيمنا واخلاقنا التي لا تسمح للصحيفة بتجاوزها وان هي اقتربت منها. ـ السمهوري: أنا اتفق مع ما ذهب اليه الاستاذ شقير، إلا انني أحب أن آتي على نقطة أخرى أدعم فيها هذا الرأي وهي أن القاعدة التي بني عليها هذا القول غير صحيحة حيث أن صاحب الحق بالتمييز والتفريق بين صحف الاثارة والصحف الجادة هو المواطن نفسه. وانا كقارئ عندما ارى ان هناك بعض الصحف لا تعطيني ما اريد من معلومات أو انها لا تستحق أن ادخلها بيتي بحيث يقرأها اولادي وبناتي فانا افعل ذلك من خلال رؤيتي الشخصية لا من خلال قانون عام يجب السير عليه. صحيح أن بعض الصحف الاسبوعية تنشر الكثير من الفضائح وفيها اثارة وغمز ضد عدد من افراد المجتمع بحق أو دون وجه حق إلا أنه من المعروف أن مصير هذه الصحف إلى زوال. ومع مرور الوقت يدرك ممولو الصحف تلك انهم سيخسرون كثيرا اذا ما اسهموا في انشاء مثل هذا النوع من الصحافة، وبذلك تختفي من المجتمع باسره. خصوصا وان شأن الصحافة شأن أي سلعة اخرى معنية بقاعدة العرض والطلب. اعترف أن لدي العديد من التحفظات على بعض الفلتات التي تصدر من الصحف ولكن الحل ليس بهذه الطريقة، واذا كان هناك من إدانة لبعض الصحف فإن الحكومة تتحمل جزءاً من المسئولية عن ذلك فالصحافة في الاردن موجهة من قبل الحكومة ومؤسساتها، التي تحظى بالنصيب الاكبر داخل الوسط الصحفي وعلى مختلف المستويات. ـ ولكن الدولة مسئولة أيضا عن المواطنين وعليها المحافظة على المجتمع من اللعب بقيمه، من خلال ضبط الحرية ذاتها فاين هي البدائل التي يمكن العمل عليها؟ ـ النجداوي: يجب الاعتراف ابتداء من السلطة التنفيذية بأن اصدار سلسة القوانين المؤقتة الاخيرة ليست مبررة دستوريا ومن ذلك التعديلات الاخيرة على قانون العقوبات التي هي موضوع الاحتجاج والرفض فاذا ما تم مثل ذلك الاعتراف يمكن من خلال النصوص القائمة معالجة البعض من تلك المخالفات والاثارات في بعض الصحف وهي قليلة نسبيا ولا يجوز تحسين تعميمها او « اخذ الطابع يذنب العاصي » ولقد كان جديرا بالحكومة ان تشجع او تدفع باتجاه تحسين اداء والتزام تلك الصحف المشكو منها عبر ميثاق شرف صحفي تتوافق عليه مختلف الجهات ذات الاختصاص وهذا لا يعارضه او ينكر ضرورية احد كما لا يجوز التذرع بتلك المخالفات لالغاء الحريات الدستورية وتفصيلها على هوى واغراض السلطة. ـ شقير: لا اريد ان اخترع بدائل فالبديل بسيط وموجود، وهو السلطة القضائية فهذه السلطة هي التي تقرر إن كان الصحفي في عمله قد ارتكب فعلا ام لم يرتكب. وان كان في كتابته قد توخى المصلحة العامة ام انه لم يفعل. ـ ولكن ألا تريد السلطة القضائية قانونا ترتكز عليه؟ ـ شقير: ومن قال ان القانون غير موجود، في القانون السابق الذي استطاع أن يحصل الحق أينما وجد وعمل على مراعاة كل المستويات. من المؤكد إن من يحدد هذه الأمور ليست السلطة التنفيذية وانما القضائية من خلال القانون السابق الذي وضح الامور تماما حتى عندما كانت تدق بين الشعرة والشعيرة. واوضح متى يكون الفعل مباحا ومتى يكون مجرما. والقاضي من خلاله يستطيع ان يعرف القصد الجرمي عند الصحفي بطريقة في منتهى النزاهة والعدالة، وهذه الامور مجربة تاريخيا. ـ هل تعتقد بامكانية الغاء القانون بصورة ما أو تعديله بحيث يتم التوافق عليه؟ ـ شقير: امكانية الغاء قانون العقوبات المؤقت واردة من خلال ثلاثة احتمالات: ـ اولا: بموجب الدستور الأردني حيث أن أي قانون مؤقت يجب عرضه على مجلس النواب في اول جلسة يعقدها النواب الاعضاء، بحيث أن الاحتمال ما زال قائما في هذا الاطار أن يعمل مجلس النواب القادم على تعديل القانون أو حتى رده بجملته. ـ ثانياً: أما البديل الاخر فإنه من المعروف أن لكل متضرر في الاردن سواء الصحف او مواطن الطعن بعدم دستورية القوانين المؤقتة، ومن هنا يمكن أن تقوم جهة ما بذلك وفي الحقيقة التوجه الان بالنسبة لنقابة الصحفيين للتعامل مع هذا الموضوع. ـ الاحتمال الأخير في قيام مؤسسات المجتمع المدني بالضغط تجاه الغاء هذه القوانين، قبل وصول الامر إلى القضاء أو المحاكم وهذا الاحتمال ما زال ممكنا ايضا بحسب ما تفرزه الظروف والمعطيات المستقبلية. حدود معيقة ـ بصراحة هل اثرت التعديلات على عملك كصحفي؟ ـ شقير: نعم اقلها تأثيرا انها اوجدت رقيبا في رأس كل صحفي «رقابة ذاتية» واذا تصدف الحدود هذه الرقابة تصبح معيقة حقيقيا للصحفي. ـ مخادمة: من المعروف أن الحكومة ـ أي حكومة ـ لدى اتخاذها لخطوات تتعلق بالشأن العام بصورة مباشرة ثم يلاحظ عدم ارتياح الشارع العام منها ثم تظهر بعض الاصوات المنادية بضرورة الغاء هذه الخطوة، يصبح بحكم التجربة من الصعب على أي حكومة التراجع عن قرارها خصوصا اثناء الأزمة أو عملية الرفض من قبل الاحزاب أو النقابات أو ما شابه. وتعتقد هذه الحكومات أن انصياعها لما تراه مؤسسات المجتمع المدني أمر يفقدها هيبتها، ومن هنا فأنا أجزم بعدم إمكانية تراجع الحكومة عن موقفها من كل هذه القوانين التي تم اقرارها خصوصا وانها كثيرة العدد إضافة إلى الرفض الشديد لها من قبل النقابات والاحزاب. ـ ولكن في البلاد الديمقراطية يسير الأمر على عكس هذا المشهد؟ ـ مخادمة: نحن دولة، مازلنا مبتدئين في الشأن الديمقراطي فالديمقراطية عادة واستحقاق يترسخ من الزمن وليس قرار من صاحب القرار يتم التوقيع عليه ثم يبدأ الامر بالتطبيق بهذه السهولة. على أن مجموعة الضغوطات والتحركات الشعبية أو الحزبية أو النقابية أو حتى الصحافية من المنتظر أن تعطي ثمارها بعد انقضاء موجة الرفض. ولكن ما هو متوقع أن يتم في هذه الفترة أن تعمل الحكومة على التخفيف من تطبيق القوانين في الظروف الخاصة ثم حتى يتم تناسي المسألة إلى أن يأتي المجلس أو أن تعيد الحكومة النظر بعيدا عن الضغوط. ـ السمهوري: لماذا يتم ضبط العمل الصحفي، ما علينا سوى رفع مستوى الصحفيين المهني بكافة السبل للرقي بمستوى الصحافة بحيث يتم الابتعاد عن كل ما هو غير حقيقي. واما الحقائق والمعلومات فهي ملك للمواطن، وله الحق في الاطلاع عليها لذلك البديل هو مزيد من الحريات والغاء قانون المطبوعات والنشر وكافة القوانين التي تحد من حرية التعبير والنشر، خاصة واننا في عصر الانترنت والفضائيات. هل نوافق على أن نسمع اخبار بلادنا من المحطات الخارجية لماذا يتم ذلك، ولما لا تكون هناك مصارحة وشفافية بحيث تصبح سمة للحكومات المتعاقبة، فتزداد بذلك ثقة المواطن بنفسه وبمجتمع ويزداد اعتزازا بنفسه. ومرة اخرى اؤكد أن رفع سقف الحريات هو الحل. ورغم كل ذلك اريد أن اشير إلى نقطة مهمة في هذا الصدد وهي أن المقصود من ذلك ليس الصحف الاسبوعية التي نستطيع من خلال القانون القديم التعامل معها ولكن المقصود الصحف الجادة وفي الحقيقة هما صحيفتان حازتا على ثقة القارئ كما سمعنا من خلال حديث خاص لاحد المسئولين في جلسة خاصة. ومن المعروف أن أي مواطن يتعرض لاي اعتداء على حياته الشخصية أو ضرر يلحق به عندئذ يستطيع التقدم إلى القضاء كونه صاحب حق يريد استرجاعه وقد تعامل القضاء الأردني بصورة نفخر بها في مثل هذه الملفات، واستطاع اصحاب الحقوق استرداد حقوقهم. ثم أن لدى القانونيين فإن النص القانوني يجب أن يطبق على الجميع وليس المفروض أن يعلن انه وضع لجهة دون اخرى، إضافة إلى انه حتى يتم الاطمئنان لاي نص فان عليه أن يحمل أوجه عديدة من الدقة والتحديد دون ترك أي نقطة من النقاط. فعندما يأتي مواد القانون الذي يعاقب عليها بعقوبات مهما كان وصفها لمجرد سلطة تقديرية عند شخص أو مؤسسة ما، فان الامر يصبح بحاجة إلى تدقيق اكثر. اضف إلى ذلك اننا لا نعرف بالضبط من هي هذه السلطة التي ستعمل على تقدير الفعل المعني. فعندما نقول «سمعة وهيبة البلد» فماذا نعني بالهيبة انه مفهوم فضفاض وغير واضح ولا يتفق عليه اثنين، وكذلك الأمر عندما نقول «الاخلاق» من الذي يحدد هذه الاخلاق هل هي من خلال المفهوم الاسلامي لها أن انها من حيث مفاهيم منظمات حقوق الانسان ام غير ذلك. ومتى نقول عن فعل ما بأنه اخلاقي وعن اخر انه لا اخلاقي. وهذا ما ينسحب على القول بالوحدة الوطنية فما هو مؤشر الوحدة الوطنية؟ وهل هذا سينطبق على قوى قد يتم اعتبارها معارضة ام سيتم تطبيقها على الجميع؟ كل هذه الاسئلة تركها القانون مفتوحة يجب الاجابة عليها. من وجهة نظري فان الهدف من تصعيد العقوبات محاولة للسيطرة على الرأي والرأي الاخر، خاصة اذا ما علمنا انها تأتي بعد عدد من القوانين المؤقتة كقانون الاجتماعات مثلا. ونحن نشعر أن الامر بات وكأن الرأي الاخر بات يشكل خطرا يجب العمل على اسكاته. في الوقت الذي نؤكد كعاملين في حقوق الانسان وكمواطنين أن لنا حقوقاً دستورية في حرية التعبير والنشر، خصوصا وان هذه الالية تعمل بلا شك على تعزيز منعة الوطن وتعزيز جبهته الداخلية. وكما قال جلالة الملك عبد الله الثاني وفق رؤيته للحريات والصحافة بصورة خاصة ان الصحافة سقفها السماء وليس دون ذلك، فالمفروض من المعنيين بتطبيق هذه الرؤية المحافظة على أن لا تكون هناك محظورات أو سقف. وكل خطوة تصب في الحد من حرية التعبير تكون قد تناقضت مع المادة (15) من الدستور الأردني الذي كفل حرية التعبير بكافة الوسائل طالما انها سلمية، بالاضافة إلى تناقضها مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الدولية التي وقع عليها الاردن. لا يوجد في مقدار أي حكومة من حكومات العالم أن تحتكر الحقيقة لذاتها، خصوصا بعد التطورات التكنولوجية الهائلة في مجال الاتصالات وهذا ما يجب أن يعمل على تشجيع السلطات التنفيذية في العالم باسره على مراعاة الحريات العامة والمحافظة عليها طالما هي تريد أن تحافظ على نفسها وعلى البلد. من المعروف أن الوصاية على الشعوب قد ولت إلى الابد وان الوصاية الوحيدة التي يمكن أن تكون هي وصاية الشعوب على نفسها خصوصا وان معظم الشعوب ومنها الشعب الأردني قد بلغ درجة عالية من الوعي التي يستطيع من خلالها أن يحدد مصالحه وآليات الوصول إليها. ومن هنا فإن على الحكومة أن تلتزم بمصالح الشعب، وهذا لن يتأتى إلا اذا كانت الحكومة منتخبة بحيث يتم أن يعهد لرئيس بتشكيل الحكومة المنتخبة ـ ألا تعتقد أن مثل هذه الدعوات تحتاج إلى تطور ديمقراطي ممنهج يتم رعايته بحيث يؤتى اكله بصورة سليمة، وان المجتمع الأردني حتى الان غير مؤهل لهذا الامر؟ ـ السمهوري: هذا صحيح بالتأكيد فالخطوات العملية الممنهجة كما وصفتها يجب أن يتم التعامل معها ولكن السؤال في هذا الصدد هل بدأنا الخطوات الاولية لها. ـ هذا قرار كبير يحتاج إلى دراسة معمقة والى تغييرات شاملة، ثم ان تلك الدعوات لم تنضج بعد وهي تخرج من قبل عدة اشخاص فقط؟ ـ السمهوري: نحن نسعى إلى مستوى متقدم من الديمقراطية، خصوصا وان الجميع يشهد بنضوج المجتمع الأردني بكافة طوائفه، والحكومة المنتخبة هي المستوى الديمقراطي الذي نسعى اليه. ـ هل تعتقد أن هجمات 11 سبتمبر ساهمت إلى حد ما في قانون العقوبات خصوصا بعد الاعلان عن محاولات من قبل بعض المتشددين لضرب الاردن وبذلك سمعت اصوات تنادي باحقية الحكومة الخشية على أمن الوطن؟ ـ النجداوي: ان احداث 11 سبتمبر الأخيرة في الولايات المتحدة الامريكية قد اعطت الذريعة للحكومة لفرض التعديلات على قانون العقوبات مع ان بلادنا والحمد لله لم تعاني ولم يمسها مباشرة شيء من مثل تلك الاحداث وشعبنا بمجموعه بتمتع بقدر عالي من الوعي والثقافة يؤهله لاستمرار الانضباط والالتزام بالمصالح الوطنية والقومية والثقة بقدراته على التعامل مع كل التحديات، واذا كان قد بدرت حسب المسئولين نزعات نفور ممن يسمون تجاوزا بالمتشددين فان ذلك يجب ان لا ينسحب على جميع قطاعات وفعاليات شعبنا او يكون سببا في فرض انواع جديدة من المعاناة عليه. ـ شقير: من أصعب القول بهذا الامر خاصة وان مؤشرات شهية الحكومة للقوانين المؤقتة كانت سابقة لتلك الضربات. إلا انه في المقابل لا يمكن تناسي أن ما تعلق بمعالجة القانون لموضوع الارهاب جاء ردا على ما حدث سواء كان هذا الرد مبالغا فيه ام لا. وفي الحقيقة ربما كان من الممكن ان تتم الموافقة على تلك التعديلات لو انها جاءت على شكل قانون مطبوعات، اما وقد جاءت داخل اطار قانون العقوبات، فقد تم الوقوف عند الأمر. عموما، ليس عندي معلومات مؤكدة عن هذا الموضوع وإن كانت التغييرات لها علاقة بذلك ولكني كنت افضل أن لا يتم تعديل أي شيء متعلق بالاعلام والصحافة في ذات القانون المؤقت عن الارهاب. ـ مخادمة: حتى لو لم تؤثر هذه الاحداث على قانون العقوبات بصورة مباشرة، وحتى لو لم يكن له اية علاقة بالامر إلا انه عندما جاء وفي هذا التوقيت بالذات، يصبح من الصعب على المراقب عدم الاشارة اليه بصورة من الصور. خصوصا وان المجتمع الأردني كان قد عانى من الارهاب وإن بدرجات اقل بالطبع، ومن هنا تأتي الخشية من أن يتصاعد الامر ليصبح ارهابا حقيقيا يهدد امن الدولة. ولكل ما يمكن أن يحدث فعلت الحكومة ما فعلت من اقرار لقانون العقوبات. ـ انت اذن مع التعديلات الواردة في القانون؟ ـ مخادمة: أنا أتفهم الخشية الرسمية من الارهاب إلا انني ورغم ذلك اؤكد أن الحكومة كانت وما زالت تستطيع مواجهة أي خلل دون الحاجة إلى اللجوء لاصدار مثل هذه القوانين. وما قلته سابقا مجرد توصيف للحالة أو الشعور الذي انتاب الحكومة لدى اصدارها مثل هذه القوانين. فالإجراءات كانت تعبر عن حرص حكومي واصرار على ضمان الإبقاء على مناخ الاستقرار في البلاد في ظل هذه الظروف الدولية المتوترة، خصوصا وان الدولة الأردنية لها تجربة مع التنظيم المتهم بأنه هو الذي قام باعتداءات نيويورك وواشنطن. وعمدت الحكومة على ترجمة هذه المخاوف وتحذير من أي محاولة لاستهداف أمن البلد خصوصا بعد الضربات الأمريكية ضد أفغانستان من خلال إدخال تعديلات على قانون العقوبات الذي ظهر اكثر تشددا فيما لو لم تحدث تلك الضربات على أمريكا. حيث ما جرى أن الحكومة بالغت في الامر حتى طالت شظايا القانون الصحافة ومجال عملها. ولم يقتصر الأمر على الصحف بل طالت التعديلات العمليات المصرفية التي من الممكن أن ترتبط بالأنشطة الإرهابية وعمليات التسلل عبر الحدود والاعتداءات التي تستهدف مؤسسات صناعية، بالاضافة إلى تعديلات تتعلق بوسائل الاتصالات. وهذا كله يؤيد فكرة من قال بالتأثير. تقييد الحريات.. ارهاب ـ السمهوري: أنا لست مرتاحا إلى القول بان السبب في هذا الامر يعود إلى اعتداءات 11 سبتمبر الماضي، خصوصا واننا اذا ما عدنا إلى الوراء نجد أن القوانين المؤقتة كانت قبل الهجمات. واذا كان الهدف هو الارهاب فنحن جميعا ضد الارهاب ومع امن المواطن وامن الوطن، وهذا الأمر لا يختلف عليه اثنان. ولكن في المقابل هل من المنطق في المقابل مساواة جرائم النشر وحرية التعبير بالارهاب، وهل باتت حرية الرأي والرأي الاخر متساوية مع الارهاب والارهابي. ليس من حق الحكومة أن تضبط ايقاع الشارع الأردني خصوصا في ظل اوضاع عالمية متوترة، بل ان من واجبها ذلك ولكن ما هي الاسس والطرق والآليات التي ستعتمدها حيال ذلك، وهل هي واضحة وعادلة وقانونية؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يجب الاجابة عليه. ولكن في المقابل فان الحكومة جاءت لتوفير الأمن للمواطن لا للضغط عليه، ومن هنا نقول ان القول باحقية الحكومة صحيح إن كان هناك ممارسات يخشى على الوطن منها، ولكن لا يجب أن تكون المحاسبة على النية إلا اذا كانت الحكومة تدرك أن غالبية الشعب ضد سياستها فعندئذ عليها أن تتوجس وهذا يعني انها تفقد شرعيتها فهي عقد بين الحاكم والمحكوم. ـ اجاب البعض على قولك بالاشارة إلى أن الولايات المتحدة انتظرت حتى فعل بها كل ما فعل ثم اجبرت نفسها بقناعة مواطنها أن عليها أن تقيد بعض الحريات حتى في مجال الصحافة؟ ـ السمهوري: انا شخصيا ارفض المقارنة فهناك فرق كبير بين الساحتين، فأمريكا ونتيجة تعرض المواطن لعمليات القتل والارهاب ارتأت أن تقيد بعض الحريات من اجل مصلحة المواطن نفسه فقد شن على البلد ما وصفه ساستهم بالحرب وهذا امر مختلف. وحتى لو قامت الإدارة السياسية الأمريكية بتقييد الحريات فهي ليست مرجعيتنا في رؤيتنا للحريات العامة. فنحن ضد أي خطوة تصادر حريات أي انسان، وهذا ما اجتمعت عليه منظمات حقوق الانسان في شتى بقاع الارض، لكن هناك مقارنة يجب عرضها في هذا الصدد وهي أن هذه القرارات التي اتخذتها امريكا لاقت تأييد المواطن لانه يشعر انها في مصلحته اما نحن فان هذه القرارات لاقت المعارضة الواسعة من معظم القوى السياسة والحزبية ومؤسسات المجتمع المدني لأنها وجدت فيها تقييدا غير مقبول لحريته وانها تمس حقوقه الاساسية. ـ استاذ نجداوي بصفتك محامياً يرى البعض أن من حق الحكومة اتخاذ اجراءات تمنع حتى مجرد الاحتمال لوقوع أي ارهاب بحق المواطنين. ـ نجداوي: من حق الحكومة ان تمارس دون والتعسف او شطط سلطاتها كواحدة من المؤسسات الدستورية وفي نطاق الدستور لضبط ايقاع الشارع الاردني وفي حدود احترام التعددية والرأي الاخر، وان مفهوم ضبط ايقاع الشارع يجب ان لا ينصرف الى القهر والعسف وانما الى تنمية المجتمع وتعميق وترسيخ المفاهيم الديمقراطية فيه يمنح قدراً أكبر واشمل من الحريات ، ذلك ان الشارع الاردني قد اثبت تحت كل الظروف انه متميز في ثقافته ووعيه الوطني والقومي وانه يرفض الوصاية والظلم وقد تحمل في الماضي وما زال يتحمل المسئولية باريحية وشجاعة، وعلى الذين يسيئون الظن به ان يعودوا لقراءة تاريخ نضاله ويراجعوا حساباتهم. ـ مخادمة: يجب ألا ننسى أن أمريكا في الساحة الدولية تمثل القوى الاكبر والقطب الرئيس، وبالتالي تمثل القوى الاعلامية الاولى، وهذا ما يعنيه أصلا عصر العولمة، واذا كانت اعتداءات 11 سبتمبر الماضي قد اثرت سلبا على الحريات العامة في نفس الولايات المتحدة فانه من المؤكد أن يحدث بعض التغيير في البلدان الاخرى خاصة في منطقتنا العربية التي تعد من اكثر مناطق العالم سخونة. وكما يقال اذا كانت الأسلحة الأمريكية في هذه المرحلة موجهة نحو افغانستان فأنا متأكد أن عين أمريكا في ذات اللحظة موجهة نحو منطقة الشرق الاوسط. ومن هذه التأثيرات انعكاس كل ذلك على الحريات العامة وعلى الصحافة بصورة مباشرة وما سمعناه ايضا من أن الولايات المتحدة تجمع تحالفا دوليا ضد الارهاب فإن هذا التحالف يعني الكثير من النقاط والملفات منها التحالف العسكري ولكن ليس هو الوحيد فهناك تحالف امني واقتصادي ومخابراتي واعلامي أي أن تأثيره سيمتد إلى اوساط وجوانب مختلفة. الاشد حساسية في هذا التأثير لسخونتها الدائمة بالاضافة إلى الاعتقاد بأنها اصلا إحدى الدوافع الكبرى لمقترفي الاعتداءات. ـ عودة إلى الجانب الاعلامي من تعديلات القانون اليس الغاء وزارة الاعلام خطوة في الاتجاه الصحيح للحكومة الأردنية مما يعني انها لا تريد خنق الحريات كما يقول البعض؟ ـ النجداوي: ان الغاء وزارة او استحداث وزارة او الاستعاضة عن ذلك باطر او مؤسسات اخرى سواء كانت وزارة الاعلام او غيرها لا يعني الكثير في نظر الانسان الاردني من حيث إدراكهاأن الأمر مجرد تعديل تسميات فالعديد منا يرى انه بحاجة ماسة إلى مزيد من الانفتاح في الحريات العامة وليس العكس، ذلك ان المسالة الاهم هي ان تكون السلطة على قدر معقول من الثقة بالنفس مؤمنة فعلا بالشعب وحقوقه، تطلعاته قابلة بالمحاسبة الديمقراطية امام ممثليه المنتخبين بكل حرية، وعندئذ فقط تكون خطوات الحكومة تسير في الاتجاه الصحيح، اما غير ذلك فانه ليس سوى الدوران في حلقة مفرغة من التجارب غير الناجحة او محاولات استهلاك الوقت والجهد على حساب تقدم ومستقبل الوطن والشعب. ـ شقير: الغاء الوزارة خطوة جيدة، إن لم نقل انها خطوة كانت قد تأخرت كثيرا فعدد وزارات الاعلام في العالم لا يزيد على عشرة فقط للاسف اغلبها موجود في دول عربية واسلامية. اما فيما يتعلق بالمجلس الاعلى للاعلام فنحن لم نطلع على التصور الذي سيكون عليه هذا المجلس، وعلى غرار أي الدول سيكون، فعلى سبيل المثال فان المجلس الاعلى للصحافة هو الذي يقرر كمية الورق الذي توزع على الصحف، وهناك مجلس الصحافة في بريطانيا الذي له سلطة معنوية يحترمها الجميع وهناك مجالس الصحافة في العديد من ولايات أمريكا كما أن هناك ما يعرف َمٍلقٍُ وهو اشبه ما يكون بقاضي المظالم في الشريعة الاسلامية واثبت هذا النظام نجاعته في العديد من الدول الاوروبية، نرجو ألا يكون المجلس الأعلى للاعلام يهدف إلى ايجاد صورة عن الحريات اكثر من الافعال. ـ مخادمة: الغاء وزارة الاعلام فكرة ليست جديدة اردنياً، فهي مطروحة منذ زمن طويل لحكومات متعددة حتى أن هناك من كان يتوقع الالغاء قبل هذه الفترة بزمن. إلا انني احب أن الفت النظر في هذا الجانب إلى أن توقيت الالغاء في ظل توجه حكومي يحتاج إلى تكثيف اعلام الدولة على ما هو واضح في هذه الفترة، يجعل الكثيرين يخشون من النتائج المرجوة. فأنا لا استطيع أن اخفي خشيتي من أن يتم تشكيل مجلس اعلامي يقوم بمهمة الرقابة الحكومية على وسائل الاعلام بدلا عن الوزارة أي بمعنى بدل أن يكون اسمه وزارة الاعلام يصبح اسمه المجلس الاعلى للاعلام. بل انني اقول ان هناك امكانية لان يقوم هذا المجلس بما لم تقم به الوزارة باعتبار أن الوزارة مؤسسة كبيرة وهذا المجلس حديث ستكون الاضواء عليه اقل. على اننا نأمل أن يكون الالغاء قد اتى في سياقه الطبيعي، وهو السياق الديمقراطي، والزمن كفيل بمعرفة النتائج. ومن المعروف انه لا ضرورة لوجود خطاب إعلامي مركزي فهذا التوجه يتناقض مع الثورة الاعلامية التي رافقت الثورة المعلوماتية. والعقبة الكبرى حتى في ظل وجود وزارة الاعلام اننا نفتقد إلى استراتيجية إعلامية رسمية تعمل وفق اجتهادات إعلامية واضحة ومنهجية والملاحظ أن الاعلام ببساطة هو اعلام ادارة الازمات يرتبط بصورة خاصة بسياسة الحكومة. في الوقت الراهن تتجه انظار الاعلاميين الرسميين إلى خصخصة الاعلام الأردني أو التفكير به بصورة من الصور ولا استطيع معرفة بالضبط ما يمكن أن تؤول اليه الامور إلا أن مثل هذا التوجه يشي بالخير. وأنا في هذا السياق اطالب باستحداث منصب الناطق الرسمي بدلا من وزارة الإعلام والعمل على تشكيل مجالس إدارية مستقلة للتلفزيون والإذاعة ووكالة الأنباء الأردنية. ـ السمهوري: بالنسبة للإلغاء اذا كان الهدف منه استبدال صلاحيات الوزير بصلاحيات المجلس الاعلى للاعلام فلا فرق، اما اذا كان الهدف رفع هيمنة السلطة التنفيذية على وسائل الاعلام المسموعة فهذا يتطلب الغاء القوانين المؤقتة التي اتخذت اخيرا والغاء قانون المطبوعات بمجمله. ومن المعروف انه دون ذلك ستكون الخطوة منقوصة وبحاجة إلى مراقبة حثيثة لكيفية الاداء. واتساءل: هل بالامكان أن يلزم المجلس بقرار فتح قنوات التلفزيون لجميع الآراء مهما كان توجهها سواء المعارضة أو الموافقة. إن كان ذلك هو الذي سيحصل فبالتأكيد سيكون الامر تطورا كبيرا في الاتجاه الصحيح، اما أن نعيد الصلاحيات بتسميات مختلفة فنحن بذلك لن نكون قد فعلنا أي شيء، وما نريده حرية تعبير حقيقية وحرية نشر مطلقة بعيدة عن رأي الحكومات والخوف منها علما بان قانون محكمة الدولة اتاح لرئيس الوزراء تحويل أي قضية يرتئيها إلى محكمة امن الدولة. فهل نستطيع بعد ذلك أن نقول اننا نملك حرية تعبير، والتي تعني ايضا الحق في الاجتماع والمسيرات والاعتصام وان كل ذلك امور مصانة ولا يؤاخذ عليها المواطن. عمان ـ لقمان اسكندر: