قد يكون من المفيد الإشارة إلى ما ذكره توني بلير أثناء زيارته لمصر حيث أكد رئيس الوزراء البريطاني عزم بلاده على إغلاق ملف الجماعات الإرهابية في لندن، وقدم بلير ضمانات شخصية للجانب المصري بأن معالجة هذا الملف لن تستغرق سوى ستة أشهر على أكثر تقدير مؤكداً بأن هناك نية لتغيير الوضع برمته في بريطانيا وأن هناك اتجاهاً لتسليم وترحيل جماعات العنف والإرهاب، وقد أشارت بعض المصادر إلى أنه وفقا للضمانات التي قدمها بلير في القاهرة فإن مشروع القانون البريطاني الجديد يستند على عدة أسس ومباديء أهمها حظر وجود وعمل أي جماعة إرهابية محظورة ومحرمة قانونياً في بلدانها، وجعل التحريض الذي يقوم به قيادات هذه الجماعات في لندن جريمة، وحظر جمع تبرعات في بريطانيا لجماعات إرهابية، مع التمسك بجعل التآمر لشن هجمات إرهابية في الخارج جريمة أساسية. في إطار الموقف البريطاني العام من الحملة الأمريكية ضد الإرهاب قامت الدبلوماسية البريطانية وعلى رأسها توني بلير نفسه بجهود دبلوماسية يمكن اعتبارها مكملة للجهود الدبلوماسية الأمريكية، وكان الهدف العام من تلك الجولات هو حشد التأييد الدولي للحملة ضد الإرهاب ولتشكيل حكومة أفغانية جديدة في أفغانستان، فضلاً عن تذليل أي عقبات قد تقف في طريق هذه الحملة، وهذا الهدف الأخير تجلى في الاهتمام بقضية السلام في الشرق الأوسط. فمنذ وقوع الهجمات على واشنطن ونيويورك قطع بلير 80 ألف كيلو متر جواً لحشد التأييد وإبداء التضامن فزار برلين وواشنطن وبروكسل وموسكو وإسلام أباد ونيودلهي وجنيف ومسقط والقاهرة ثم عاد مرة أخرى وقام بجولة شملت دمشق والرياض وعمان وتل أبيب وقطاع غزة منهياً هذه الجولات بزيارة الولايات المتحدة مرة ثانية من أجل أن يتباحث «سفير التحالف المتجول» ـ على حد تعبير بعض الكتاب البريطانيين ـ مع قادة البيت الأبيض حول نتائج جولاته. في هذا السياق يمكن التركيز على بعض الجولات التي قام بها بلير مثل جولته في كل من روسيا وباكستان والهند، ثم جولته في المنطقة العربية التي شملت مسقط والقاهرة، ودمشق والرياض، وعمان، وتل أبيب، وقطاع غزة. 1 ـ جولة بلير في روسيا وباكستان والهند: هدفت هذه الجولة إلى حشد وتدعيم دولي للحملة الغربية ضد الإرهاب وكذلك حشد التأييد لتشكيل حكومة أفغانية قوية في مرحلة ما بعد طالبان، وفي هذا السياق تحاول بريطانيا أن تلعب دوراً رئيسياً في رسم سياسة ما بعد طالبان من خلال الاتصالات الدولية الإقليمية والأفغانية ومحاولة خلق إجماع وطني تنتج عنه حكومة شاملة تنهي حالة الفوضى الحالية والتي ساهمت في أن تكون أفغانستان قاعدة للهجمات الأصولية المتطرفة. ويبدو أن هذا الطرح صحيحاً في ضوء ما كشفت عنه مجلة الإيكونوميست البريطانية من اهتمام بريطانيا وبالطبع الولايات المتحدة بأن تكون الحكومة الأفغانية المقبلة قوية وذات تمثيل حقيقي، وذلك طبقا لما أشار إليه جاك سترو، الذي قال «إن الخطر في القرن الحادي والعشرين لا يأتي من الدول القوية، كما هو الحال في القرن الماضي، بل من الدول الضعيفة التي تصلح كمأوى للإرهابيين والمجرمين وتجار المخدرات وأمراء الحروب»، إلى جانب ذلك قالت الصحيفة إن الاتفاق على حكومة قوية في أفغانستان ليس أمراً حتمياً في هذه الحرب بل حاجة ملحة لكي لا يظل ذلك البلد مصدرا لخطر محدق بالعالم. في هذا الإطار أكد بلير أثناء زيارته لباكستان (5/10) ضرورة وجود حكومة موسعة تضم جميع الجماعات العرقية الأفغانية الرئيسية بما في ذلك الباشتون الذي ينتمي زعماء طالبان إليها، وفي زيارة موسكو (4/10) طالب بلير بأن تدعم روسيا الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، وذكرت مصادر أن بلير طلب ـ في ذلك الوقت تحديداً وقبل تحول الموقف البريطاني في هذا الخصوص ـ من الرئيس بوتين عدم التدخل للدفاع عن العراق، أو السعي لإبقائه بعيداً عن دائرة المناطق التي يتوقع أن تشملها حملة مكافحة الإرهاب، كما أشارت مصادر أخرى أن زيارة بلير لموسكو استهدفت إقناع بوتين بأن روسيا ستدخل فعلاً في نظام عالمي جماعي جديد يتم تشكيله بعد الحملة العسكرية في أفغانستان. ولاشك أن الهدف النهائي لبلير كان تذليل أي عقبات من جانب روسيا تجاه التحالف الغربي خاصة في أيام الأزمة الأولى. واستكمالاً لتلك الجهود قام بلير بزيارة نيودلهي (6/10) رغم أن تلك الزيارة لم تكن مقررة سلفاً، ولكن بدا أن تغييراً قد حدث عندما وصل بلير إلى إسلام أباد (5/10) وأدرك أنه لابد من زيارة الهند لأنها كانت تعيش في تلك الأيام أجواء انزعاج وغضب من التقارب الغربي ـ الباكستاني، رغم أن نيودلهي كانت قد سعت بقوة للتقرب من واشنطن والغرب. في هذا السياق حاول توني بلير طمأنة الهند حيث ذكر المراقبون أن العرض المقدم لنيودلهي كان على غرار المقدم لإسلام أباد، وتمثل في تقديم مساعدات اقتصادية والحصول على قروض من صندوق النقد الدولي، إضافة إلى رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة عليها، فضلاً عن التأكيد بأنه لن يكون هناك تمييز في مكافحة الإرهاب، وهو ما طالبت به الهند التي ترى أنها تعاني من الإرهاب الذي يصدر إليها من باكستان في كشمير. 2 ـ جولتا بلير في المنطقة العربية: شملت جولة بلير الأولى في المنطقة العربية كلاً من عمان والقاهرة، في حين شملت الجولة الثانية كلاً من دمشق والرياض وعمان وغزة، بالإضافة إلى تل أبيب، وأشارت المصادر إلى أن هاتين الجولتين كانتا عبارة عن تحرك سياسي منسق مع الإدارة الأمريكية لاسيما الجولة الثانية، وأكدت هذه المصادر أن واشنطن مهتمة باكتشاف طبيعة الأوضاع في المنطقة قبل إطلاق مسيرة مفاوضات سلمية تتيح تدعيم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الإرهاب، وفي هذا السياق اهتمت واشنطن بالحصول على دعم المسئولين البريطانيين لتأمين الجهد الدبلوماسي اللازم لتسوية نقاط الخلاف العربية الإسرائيلية في وقت تنشغل فيه الإدارة الأمريكية بالحرب ضد الإرهاب. ورأى المراقبون أن الجولة الثانية خصوصا كانت على قدر كبير من الأهمية لاسيما أنها كانت تستبق في إطارها الزمني لقاءً مقررًا بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني (7/11)، كما أن الجولة تسبق أيضا خطابا من المقرر أن يلقيه وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في الأمم المتحدة حول الرؤية الأمريكية الراهنة للتسوية في الشرق الأوسط. أهداف الجولتين أشارت بعض المصادر إلى أن أهداف جولتي بلير في المنطقة العربية كانت؛ أولاً: تأمين دعم تلك المنطقة للتحالف الأنجلو أمريكي، وثانياً: استكشاف سبل دفع عملية السلام للأمام من خلال استطلاع وجهات النظر الإقليمية قبل التقدم بأي مقترحات لاحقة وإمكانية التفاهم حول تطبيق تقرير ميتشيل ووقف أعمال العنف كخطوة لابد منها لبدء مسيرة المفاوضات لاحقاً، وثالثاً: وسائل ردم ما أسماه بلير بـ «هوة عدم الفهم» بين العالم الإسلامي والغرب، ورابعاً: إظهار مدى اهتمام الغرب بحل القضية الفلسطينية على أساس تفهم شعور العالم العربي والإسلامي بالغبن من التركيز على أفغانستان دون فلسطين. بالإضافة إلى هذه الأهداف العامة ذكرت التايمز البريطانية (31/10) أن مهمة بلير في سوريا انصبت على هدفين أولهما مطالبة دمشق بلجم «المنظمات الإرهابية»، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية، والثاني الحصول على مساعدة سوريا في تحقيق فترة من الهدوء على الجبهة الفلسطينية والإسرائيلية تمهيداً لبدء جولة جديدة من المفاوضات الجادة لا سيما وأنه ثمة جهد دولي منسق لإحياء المفاوضات على أساس إعلان الدولة. في ضوء تلك الأهداف العامة جاءت تحركات توني بلير في العواصم العربية ففي دمشق جدد رئيس الوزراء البريطاني دعوة بلاده إلى إقامة دولة فلسطينية بجوار إسرائيل مؤكدًا أن هذا هو الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط. كما أكد بلير أن تقرير ميتشيل وخطة تينيت مجرد إطار أمني لنهاية العنف، وهما خطوة أولى، كما أعلن موافقته على أن المرجعية هي قرارات الأمم المتحدة، وفي الرياض أعلن بلير في خطابه أمام مجلس الشورى السعودي أنه يجب متابعة التطلع إلى إقامة دولة فلسطينية تملك مقومات البقاء وتطبيق قرارات الأمم المتحدة والاتفاقيات الموقعة وتسوية عادلة تضمن السلام والأمن للفلسطينيين والإسرائيليين. كما أوضح بلير أنه سيؤكد في إسرائيل «ضرورة العودة إلى الحوار من أجل دفع عملية السلام. على أن يكون ذلك على أساس مبدأين الأول: أن إسرائيل يجب أن توجد كدولة متمتعة بالثقة بشأن أمنها، والثاني: أن يكون بمقدور الشعب الفلسطيني أن يعيش في دولته تنفيذا لمباديء العدالة. وقد كرر بلير تصريحاته في غزة، غير أن بعض المراقبين أشاروا إلى أن بلير ربما يكون قد حمل معه مبادرة لتسوية القضية تتضمن الأمور التالية: ـ تطبيق تقرير تينيت. ـ تطبيق خطة ميتشيل. ـ استئناف المفاوضات على أساس القرارين 242 و338. ـ إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وقبل الانتقال إلى نتائج الجولة يثور تساؤل مهم بخصوص سماح الولايات المتحدة لبريطانيا للقيام بهذا الدور رغم أن واشنطن كانت دائماً تمنع الأوروبيين عموماً من الاقتراب من قضية الشرق الأوسط، وتؤكد على أن أوروبا يجب أن يقتصر دورها فقط على الدعم الاقتصادي. ويرى البعض أن الإجابة على هذا التساؤل تكمن في عدة عناصر أهمها ما يلي: أن هناك إجماعاً بين الدبلوماسيين المحنكين في العالم العربي على القول أن الدبلوماسية البريطانية أقدر على فهم وإدراك المنطقة العربية والدول الإسلامية نظراً إلى معرفتها الضاربة في الجذور التاريخية بالخلفية الجيوسياسية والثقافية والدينية للنسيج السياسي والاجتماعي لدول سبق أن مارست سلطة الانتداب على بعضها، وذلك قياساً إلى حداثة الدبلوماسية الأمريكية في العلاقة مع هذه الدول. غير أن آخرين يؤكدون أن الأسباب الحقيقية تكمن فيما يلي: ـ أن الرئيس بوش اختار في البداية الابتعاد عن المعالجة السياسية للصراع العربي ـ الإسرائيلي مكتفياً بالضغط على شارون كي لا يتجاوز الخطوط الحمراء التي تهدد باندلاع حرب إقليمية لا تريدها واشنطن. ـ أن الرئيس بوش اضطر إلى إحداث تغيير في موقفه السابق بهدف اجتذاب دول عربية وإسلامية إلى تحالف دولي ضد الإرهاب، وتمثل هذا التغيير في موقفين، الأول: إعلانه أن «الدولة الفلسطينية كانت دائماً جزءاً من التصور الأمريكي للحل»، أما الموقف الثاني فهو: الإشارة من خلال بعض الصحف إلى أن الولايات المتحدة كانت بصدد الإعلان عن مبادرة بشأن الحل في الشرق الأوسط ولكن أحداث 11سبتمبر قد تسببت في تأجيلها. ـ أن الولايات المتحدة تعرضت ولا تزال تتعرض لضغوط عربية أبرزها ضغوط سعودية ومصرية وسورية تصر على أن الاستمرار في تماسك الحلف الدولي لمقاومة الإرهاب يحتاج إلى موقف أمريكي واضح من الإرهاب الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وذهب هذا الموقف إلى أن التغاضي عن الإرهاب الإسرائيلي يشكل منبعاً أساسياً من منابع الإرهاب العالمي، ولما كانت الولايات المتحدة ليست مستعدة للتعاطي مع قضية الحلف الدولي انطلاقاً من هذا الفهم، فقد فضلت مرة أخرى الابتعاد عن الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني باستثناء هامش صغير يكتفي باتصالات ضغط تليفونية تطالب شارون بالانسحاب مثلاً من مناطق السلطة، وهنا كان لابد من ملء الفجوة بعمل سياسي ما، فكان تفكير واشنطن في دور أوروبي بديل، وكانت بريطانيا أفضل من يقوم بهذا الدور. نتائج الجولتين يرى المراقبون أن توني بلير ربما يكون قد استطاع أن يحقق بعض الأهداف التي جاء من أجلها ـ كما أشار مساعدوه ـ غير أنه لم يستطع أن يحقق أهدافاً أخرى، فبخصوص قضية الشرق الأوسط، فلندن مازالت تسير بخطواتها على إيقاع الموقف الأمريكي المتمثل في محاربة الإرهاب وتأجيل الحلول السياسية لجذوره وأسبابه إلى ما بعد، ولعل هذا يعكس أن التغير هو في الشكل، والدليل على أن التغير شكلي لا جوهري هو أن بلير يطرح مجدداً وقف العنف وضبط المنظمات الفلسطينية التي يعتبرها إرهابية تمهيداً لتجدد المفاوضات وفقاً لتقرير ميتشيل. وبالتالي فهو لم يطرح جديداً. في هذا السياق يتساءل البعض عما إذا كان مجرد الإعلان البريطاني بتأييد الدولة الفلسطينية والمطالبة بوقف العنف يكفي لتبديد الشكوك خاصة وأن بلير قد أبدى حرصاً على عدم التعهد أو التقدم بأي التزام جدي، وعلى سبيل المثال لم يعلن رئيس الوزراء البريطاني استعداد بلاده لضمان وقف إطلاق النار، أو الموافقة على قوة دولية تُنشر في الأراضي المحتلة، وتسهر على عدم انتهاك وقف النار وتحديد من يقوم بانتهاكات، وهو ما جعل دعوته فاقدة لأي مصداقية أو جدية. إلى جانب تلك الانتقادات من جانب بعض المراقبين، فقد أجمعت وسائل الإعلام البريطانية أن بلير لم يجد اتفاقا صريحاً في العواصم العربية التي زارها، ففي دمشق رغم إدانة الرئيس الأسد للأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة إلا أنه أكد أن معالجة الإرهاب لا تكون بعمل عسكري ولا أمني ـ مما يعني عدم موافقة سوريا على الحملة العسكرية ضد أفغانستان ـ فالإرهاب ليس فردا ولكنه شبكات والتعامل معه يجب أن يكون تعاملاً ثقافياً وسياسياً وأمنياً وبحث جذوره وأسبابه، إلى جانب ذلك أكد الأسد أن سوريا تفرق بين الإرهاب والمقاومة مؤكداً أن المقاومة عمل مشروع تقره الأعراف والمواثيق الدولية، ولعل هذا الأمر مثل نقطة خلاف أخرى وفي هذا السياق أصرت سوريا على اعتبار حزب الله والمنظمات الفلسطينية الرافضة لعملية السلام مع إسرائيل منظمات مقاومة وليس منظمات إرهابية كما ترى واشنطن ولندن. بدون تأييد من جهة أخرى أشارت الصحف البريطانية إلى أن بلير لم يحصل على تأييد كامل بشأن قصف أفغانستان فقد أعلن بشار الأسد أنه «لا يستطيع أن يقبل استمرار قصف أفغانستان وتكرار ظهور صور مئات الضحايا المدنيين كل يوم على شاشات التليفزيون»، وقد قالت تلك الصحف أن «بلير واجه في كل من الرياض وعمان الرفض نفسه لمسعاه الذي لقيه في سوريا، ولكن بطريقة هادئة نسبياً»، وفي هذا السياق أشار كتاب بريطانيون أن الملك فهد أشار أنه يرفض تأييد الحملة العسكرية ضد أفغانستان، إلا أن الملك أبدى استعداده للتعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا في تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة خلفا لحكومة طالبان. ولم يختلف الحال على الصعيد الفلسطيني حيث كان الرئيس عرفات يأمل أن يذهب بلير أثناء زيارته لغزة أبعد مما أعلنه خلال لقائهما في لندن في أكتوبر الماضي، عندما أكد تأييده قيام «دولة فلسطينية قابلة للحياة»، وذلك بإصداره «إعلانا تاريخياً يضع الفلسطينيين والإسرائيليين على قدم المساواة»، حيث أن وعداً من هذا القبيل قد يصحح الخطأ التاريخي الذي ارتكبته الإمبراطورية البريطانية. فضلاً عن ذلك فقد طلب الفلسطينيون بشأن المبادرة التي سبق الإشارة إليها والتي أشارت معلومات إلى أن بلير قد حملها معه، عدة أمور منها ما يلي: ـ أن تكون المبادرة مكتوبة وليست شفهية. ـ أن يقدم بلير شرحه العملي لما يعنيه موقفه الإيجابي القائل «دولة فلسطينية قابلة للحياة». ـ أن تتضمن المبادرة تحديداً واضحاً لمرجعية التفاوض، وحين يقال أن هذه المرجعية هي القراران 242 و 338 فإنه من الضروري توضيح معنى القرارين وآفاق تنفيذهما وليس مجرد اعتمادهما كأساس للمفاوضات أو كمرجعية قابلة للتفسير من كل طرف. ـ أن يجرى تقديم المبادرة بعد وضع تفاصيلها وكتابتها كنص على أنها مبادرة للتطبيق، وذلك تجاوزاً للمنهج السابق الذي يترك الأمور لاتفاق المتفاوضين، وهي صيغة تعني عملياً ترك الحرية لإسرائيل لتفرض ما تريده على الفلسطينيين. ـ في نهاية هذا العرض قد يكون من المفيد الإشارة إلى زيارة توني بلير لواشنطن 7/11/2001 والتي من المفترض فيها أنه عرض نتائج جولته العربية الأخيرة على القيادة الأمريكية، فقد أشارت صحيفة «الجارديان» البريطانية أن بلير مارس ضغوطاً على الرئيس بوش «كيما يضغط على إسرائيل لتعود إلى المحادثات السلمية»، كما أشارت صحيفة «الأندبندنت» أن بلير حذر البيت الأبيض من أن البلدان العربية والإسلامية لن تدعم الحرب على الإرهاب دعماً تاماً إلا إذا اقتنعت بأن الولايات المتحدة وحلفاءها جادون في تأمين حل دائم في الشرق الأوسط وأفغانستان إلى جانب ذلك ذكرت الصحيفة أن بلير يريد من الولايات المتحدة إعلان التزام بقيام دولة فلسطينية. مسعى غير موفق غير أن بلير لم يوفق في مسعاه حيث تبين له أن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول لن يلقي في الأمم المتحدة الخطاب المتوقع في تأييد قيام دولة فلسطينية، والأكثر من ذلك أن الرئيس بوش رفض الربط بين ملف مكافحة الإرهاب وقضية تحقيق السلام في الشرق الأوسط حيث قال «سنجلب تنظيم القاعدة إلى العدالة سواء بسلام في الشرق الأوسط أو من دون سلام». ولم يكن الخلاف حول قضية الشرق الأوسط هو الوحيد بين بوش وبلير، حيث رأت صحيفة «الجارديان» أن هناك عناصر أخرى سببت انزعاجاً لدى الحكومة البريطانية مثل قلة التشاور الأمريكي مع الحلفاء، واتجاه الإدارة الأمريكية إلى توسيع الحرب بعد أفغانستان وهو ما بدا مؤخراً من قول بوش (الأربعاء 7/ 11/2001) أن قصف أفغانستان ليس سوى بداية الحرب على الإرهاب، فضلاً عن ذلك فإن هناك شعوراً بالغضب يعم دوائر الدفاع والجيش البريطانيين حيث تدرك هذه الدوائر أن واشنطن هي التي تتحكم بالمسألة. غير أن الصحيفة البريطانية عادت مرة أخرى وأكدت أن أي خلاف بين الولايات المتحدة وبريطانيا هو خلاف ممل لا يعول عليه كثيراً، بمعنى آخر أن هذه الخلافات ستجد طريقها بصورة أو بأخرى للحل، وقالت الصحيفة إن زيارة بلير الأخيرة لواشنطن وطدت موقع لندن كـ «حليف رقم1» للولايات المتحدة الأمريكية.