يعد الموقف البريطاني من أحداث الولايات المتحدة وتداعياتها من أبرز وأوضح المواقف الدولية التي ظهرت على الساحة.. حيث برز الدور البريطاني وبوضوح منذ اليوم الأول للأزمة من خلال التصريحات العلنية المستمرة والالتزام بتأييد الولايات المتحدة في جميع إجراءاتها ضد الإرهاب، هذا فضلاً عن التحرك الدبلوماسي الواسع الذي قاده توني بلير شخصيًا بالإضافة إلى وزير خارجيته جاك سترو من أجل حشد التأييد والدعم الدوليين للحملة الأمريكية ضد الإرهاب وتذليل أي عقبات قد تقف في طريقها. وعلى الرغم من أن بعض المحللين يرون أن السبب الذي كان وراء اندفاع بريطانيا لاتخاذ هذا الموقف يعود إلى تلك العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وبريطانيا التي تعد أحد أقرب الدول الأوروبية والحلفاء لواشنطن، إلا أن آخرين يؤكدون أن تلك العلاقة لم تكن على ما يرام في الفترة الأخيرة، بل أنها بدت مترهلة خاصة في بداية هذا العام حين رصدت لندن بالكثير من القلق تجاهل الرئيس بوش لها في رحلته الأوروبية الأولى وهو ما دفع بعض المحللين السياسيين إلى القول بأن التقارب الأيديولوجي والشخصي الذي كان قائمًا بين الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير لن يتكرر مع الرئيس الجمهوري وحكومته اليمينية، وفي ضوء تلك المعلومات يصبح السبب الحقيقي وراء الموقف البريطاني هو محاولة لندن التأكيد على أهمية التحالف الأنجلو ساكسوني مع واشنطن حيث إن صحة هذا التحالف ومحوريته تمثلان أهمية قصوى للسياسة الخارجية البريطانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويبدو أن بريطانيا استطاعت تحقيق هذا الهدف حيث تغيرت الصورة جذريًا بعد الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة واستطاعت لندن من خلال مساندتها القوية للجهود الأمريكية تكريس صورة بريطانيا الحليف الطبيعي والأيديولوجى الذي تستطيع واشنطن أن تعتمد عليه. في ضوء تلك المعلومات يرى البعض أن بريطانيا التي حاولت تأكيد تحالفها مع الولايات المتحدة لم تتخذ موقفًا عاديًا بل إن موقفها جاء شاملاً عدة أبعاد تتعلق بالإضافة إلى تأييد الولايات المتحدة معنويًا وعسكريًا ببعض الجوانب الداخلية مثل إعادة النظر في إيواء بريطانيا لبعض المطلوبين والمشتبه فيهم، والتأكيد على أن الحرب ليست ضد الإسلام ومواجهة عمليات التعدي على بعض المسلمين داخلها، إلى جانب ذلك تعلقت أبعاد الموقف البريطاني بجانب خارجي تمثل في القيام ببعض الجهود الدبلوماسية نيابة عن الولايات المتحدة المشغولة بحربها ضد الإرهاب، وفيما يلي عرضًا لهذه الأبعاد. تأييد ودعم أـ تأييد ودعم الولايات المتحدة معنويًا وعسكريًا في حربها ضد الإرهاب: منذ لحظة وقوع الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر الماضي أعلنت بريطانيا تأييدها الكامل للولايات المتحدة، وفي هذا السياق أعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير أمام المؤتمر السنوي لحزب العمال الحاكم وقوف بلاده جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة في حملة مكافحة الإرهاب. وفي ضوء ذلك الموقف نشط التعاون الأمريكي البريطاني في كل المجالات لاسيما في مجال الاستخبارات، وحاول توني بلير أن يؤكد صحة الاتهامات التي وجهتها الولايات المتحدة لأسامة بن لادن والتي اعتبرته المشتبه فيه الرئيسي وراء أعمال التفجيرات، وفي هذا السياق استشهد رئيس الوزراء البريطاني، أثناء جلسة طارئة أمام البرلمان البريطاني في الرابع من أكتوبر الماضي، بتصريحات أطلقها زعيم تنظيم القاعدة منها اعتبار أن «ترهيب الأمريكيين يعتبر فرض ديني ومنطقي»، كما أشار بلير إلى أن ابن لادن «وقع في فبراير عام 1998 فتوى نصت على أن قتل الأمريكيين المدنيين والعسكريين هو واجب ديني»، كما عدد بلير العمليات الإرهابية التي أثبتت التحقيقات الأمنية أن ابن لادن خطط لها وأشرف على تنفيذها ضد أهداف أمريكية على جميع أنحاء العالم. إلى جانب ذلك كشف بلير بعض الأدلة على تورط ابن لادن بعمليات 11سبتمبر، وهي كما يلي: ـ اعتراف أحد القادة الميدانيين الرئيسيين في تنظيم القاعدة أنه خطط لاعتداءات 11سبتمبر بالولايات المتحدة، وأشارت مصادر أمريكية نقلاً عن المخابرات المركزية الأمريكية أن هذا القائد هو محمد عاطف المعروف ب«أبو حفص المصري»، أحد أقرب المساعدين إلى ابن لادن والذي قتل خلال الغارات الأمريكية الأخيرة على كابول. ـ إن ثلاثة من الخاطفين ال19 للطائرات الأربع هم أعوان أسامة بن لادن، ولهم سجلات في التدريب في معسكراته. من بين هؤلاء الثلاثة يوجد شخص لعب دورًا مهمًا في تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، وأيضًا في المدمرة كول. ـ إن ابن لادن قد تحدث مع معاونيه عن «عملية كبيرة» قبل أيام من الهجمات. ـ إن ابن لادن كان قد طلب من عدد كبير من معاونيه العودة إلى أفغانستان قبل تاريخ 11 سبتمبر ـ على جانب آخر أكد بلير أيضًا صلة ابن لادن بنظام طالبان وذلك في محاولة لتأكيد مسئولية طالبان عن الإرهاب ما يعني ضرورة تعرضها لعقاب جراء تلك المسئولية، وفي هذا السياق أشار رئيس الوزراء البريطاني أن أسامة بن لادن كان يزود طالبان ب«المقاتلين والسلاح والمال لمحاربة تحالف الشمال المعارض»، كما أكد بلير أيضًا أن زعيم تنظيم القاعدة «له علاقة وثيقة بتدريب طالبان وتخطيطهم وعملياتهم العسكرية، وله ممثلون في القيادة العسكرية، كما حاربت قوات تابعة له إلى جانب طالبان في الحرب الأهلية في أفغانستان»، وفي مقابل ذلك وفر نظام طالبان من جانبه لابن لادن «ملاذًا آمنًا للعمل من خلاله وسمح له بإقامة قواعد إرهابية تدريبية». وقد تطور الموقف البريطاني مع تصاعد الإجراءات الأمريكية، حيث شاركت بريطانيا بقوات لها في الحرب ضد أفغانستان، بل تم إرسال قوات خاصة بريطانية للمشاركة أيضًا، فضلاً عن ذلك فقد تم تكوين حكومة حرب بريطانية، كما تم توجيه القوات البريطانية التي كانت تشارك في مناورات عسكرية في عمان للانضمام إلى القوات الأمريكية في الحملة على أفغانستان لحسم الحرب، حيث إن هذه القوات «اكتسبت ما يؤهلها لتكون ضمن قوات مشتركة مع القوات الأمريكية واعتادت على أجواء الحرب في مناطق طبيعتها متقاربة مع الواقع الأفغاني. ورغم هذا التجاوب البريطاني الواضح مع الولايات المتحدة إلا أن البعض أشار إلى أن نظرة أكثر دقة للدور البريطاني تبين أنه في جانب كبير منه قد خفف من حدة الغضب الأمريكي، ومن الرغبة العارمة في الانتقام، كما أن الحكومة العمالية قد ساهمت في إضفاء بُعد سياسي واقعي على التحالف ضد الإرهاب وفره لها قربها من الولايات المتحدة وبُعدها النسبي عن العاطفة المشحونة التي تُسير السياسة الخارجية الأمريكية في الظروف الراهنة، ولعل هذا التأثير قد بدا واضحًا فيما يتعلق بعملية توسيع الحرب فالحكومة البريطانية على ما يبدو مؤمنة بضرورة ألا تشمل الحملة العسكرية ضد الإرهاب دولاً أخرى مثل العراق، وفي هذا المجال لعبت لندن دور المساند للحمائم ضمن القيادة الأمريكية ضد رغبة صقور واشنطن الذين يسعون إلى توسيع رقعة المواجهة الحالية. غير أنه يجب الإشارة إلى أن توني بلير بدا في البداية مؤيدًا لتوسيع نطاق الحرب إذ أعلن أنه لا يستبعد احتمال القيام بعمل عسكري ضد دول أخرى غير أفغانستان في إطار الحرب على الإرهاب، وفي هذا السياق أعلن بلير «أن المرحلة الأولى من حربنا على الإرهاب موجهة ضد أفغانستان، لكن احتمال القيام بأعمال عسكرية أخرى أمر يتعين أخذه في الاعتبار»، كما أعلن في مجلس العموم أنه «حتى عندما يتم التعامل مع تنظيم القاعدة فإن العمل سيكون غير منته.. إن شبكة الإرهاب الدولية لا تقتصر عليها». غير أن هذا الموقف البريطاني قد تغير، ولعبت بريطانيا دورًا مهمًا ـ هي وفرنساـ مع الرئيس الأمريكي في ترجيح خيار حصر العمليات العسكرية في طالبان وتنظيم القاعدة، وعدم توسيعها لتشمل دولاً عربية، في وقت كان السجال لا يزال دائرًا في الإدارة الأمريكية خلال الأيام الأولى التي أعقبت الهجمات الدموية على واشنطن ونيويورك، حول خيار توسيع الضربات العسكرية لتشمل العراق وسوريا وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي. وفي هذا السياق أكدت بريطانيا أنها تعمل لمنع انتشار الحرب واتساعها وهو ما أكده بلير للقيادة السعودية أثناء زيارته الأخيرة للرياض، بل ان بلير وخلال اجتماعه الأخير مع الرئيس بوش في واشنطن 7/11/2001 دعا الرئيس بوش إلى عدم توسيع نطاق الحملة العسكرية لتشمل العراق. غير أن هذا الموقف البريطاني يواجهه عائقًا كبيرًا يتمثل في موقف الرأي العام والشارع البريطاني، وقد استطاع بلير بالفعل كسب الرأي العام إلى جانبه في الأيام الأولى للأزمة وخاصة قبل شن الولايات المتحدة وبريطانيا الحرب على أفغانستان، وفي هذا السياق فإنه أكد أن أي عمل عسكري سيكون متناسبًا و«ذا أهداف محددة» مع تجنب قتل المدنيين الأفغان. لكن مع بداية الحرب واستمرارها لفترة أطول مما كان يتوقع بعض البريطانيين، فضلاً عن سقوط بعض المدنيين القتلى، كل ذلك أدى إلى بداية ظهور المعارضة داخل الشارع البريطاني فقد تكونت منظمة أطلقت على نفسها «التحالف من أجل وقف الحرب ضد أفغانستان» وذلك من أجل الضغط على حكومة بلير للعمل على إيقاف الحرب أو على الأقل انسحاب القوات البريطانية منها. ولم يقتصر ظهور المعارضة ضد الموقف البريطاني على رجل الشارع العادي بل أنه امتد إلى وسائل الإعلام البريطانية أيضًا، وكانت أولى الإشارات على ذلك ما ذكرته صحيفة «الجارديان» (28/10/2001) عن التآكل الذي بدا يعتري الرأي العام إزاء الحرب وقد عبر عن ذلك عنوان الصحيفة الرئيسي الذي يقول «بلير يستجمع بريطانيا، والأعصاب متوترة»، وذكرت الصحيفة أن بلير وجه التماسًا غير مسبوق للبريطانيين كي يحافظوا على تماسكهم وقوة أعصابهم وألا تضعف عزيمتهم عن تحقيق الأهداف النبيلة. إلى جانب ذلك نشرت صحيفة «الديلي تلجراف» (31/10/2001) تصريحات لأحد زعماء حزب المحافظين التي قال فيها، إن جهود رئيس الوزراء البريطاني نجحت في إجهاض الحملة المناهضة للحرب، ولكن ليس لأكثر من أسبوع، وهو بحاجة إلى حملة أخرى لضمان استمرار التأييد، بينما أشارت الأندبندنت (31/10/2001) إلى أن بلير الذي يبذل جهودًا مضنية لمواجهة المعارضة القوية للحرب، ربما قد نجح في استرضاء شعبه أكثر مما نجح في إقناعهم بجدوى الحرب، في هذا السياق عبرت التايمز (31/10/2001) في افتتاحيتها بعنوان «تعزيز النداءات»، إذ أشارت إلى أن مشكلة بلير أنه يحمل «رسالة هشة» لشعب بعيد عن أن يكون ساذجًا، وفي مواجهة هذه الرسالة خرجت العديد من المقالات التي تعبر عن عدم رضا المثقفين البريطانيين عن الدور الجديد لبلادهم، بل إن هؤلاء اتهموا حكومة بلير صراحة بأنها تعمل على تقويض الصورة المشرقة لبريطانيا. غير أن هذه المعارضة قد امتدت مؤخرًا إلى البرلمان البريطاني نفسه حيث حذر البرلمان من أن معارضة الحرب ضد أفغانستان تتصاعد، وفي هذا السياق تعرض وزير الدفاع جيفري هوني لجملة انتقادات من جانب بعض أعضاء حزب العمل الحاكم ـ وصفوا بأنهم متمردين ـ بشأن استعمال القنابل العنقودية، وزيادة عدد الضحايا المدنيين، وعدم الموافقة على وقف العمليات العسكرية لتسهيل وصول الإغاثة خلال شهر رمضان، وقد شنت النائبة العمالية اليسارية ديان أبوت هجومًا حذرت فيه من أن «الرأي العام البريطاني يتحول تدريجيًا ضد القصف، كما أن هذا الرأي لا يفهم لماذا يجري إرسال القوات المسلحة البريطانية إلى أفغانستان، دون أن يكون هناك تصويت على ذلك في مجلس العموم». ليست ضد الاسلام ب ـ التأكيد على أن الحرب ليست ضد الإسلام: دأبت السياسة البريطانية التأكيد على أن الحرب ليست موجهة ضد الإسلام، وإنما هي موجهة ضد الإرهاب، وقد كثف رئيس الوزراء البريطاني من تصريحاته المتعلقة بهذا الشأن سواء داخل بريطانيا أو داخل الدول التي زارها وأكد بلير أن الإسلام دين حنيف لا يعرف ترويع المدنيين الآمنين، وفي هذا السياق تحركت شخصيات بريطانية مثل الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا الذي عمل على تهدئة الأوضاع داخل بريطانيا التي تصاعدت إلى حد الاعتداءات المستمرة من جانب المتعصبين البيض على المسلمين المتواجدين في بريطانيا. وقد حاولت الحكومة البريطانية ترجمة تلك التوجهات إلى سياسة عملية كفيلة بالقضاء على ظاهرة الإسلام فوبيا ـ أي الخوف من الإسلام ـ المنتشرة في الأراضي البريطانية، وكذلك القضاء على المشاكل التي يتعرض لها المسلمون، وفي هذا السياق أعلن وزير الداخلية ديفيد بلنكيت أن الحكومة تخطط لإصدار تشريع يعتبر «التحريض على الكره الديني» جريمة، ويهدف ذلك التشريع إلى وضع ممارسات العنصريين البيض ضد الإسلام والمسلمين تحت طائلة القانون. ج ـ إعادة النظر في السياسة البريطانية الخاصة بإيواء المشتبه فيهم والمطلوب تسليمهم: من المعروف أن مناخ الحريات الذي تتمتع به بريطانيا قد جذب إليها هجرات كثيرة وكبيرة من جنسيات مختلفة، كان للجنسيات العربية سهم غالب فيها، وفي السنوات الأخيرة انتشرت الجاليات العربية في المجتمع البريطاني بصورة ملحوظة للغاية، وبغض النظر عن الأساليب والنوافذ التي استخدمها أهل هذه الجنسيات للاستقرار في بريطانيا، فإنهم تمكنوا من ممارسة نشاطاتهم سواء كانت سياسية أو عقائدية من دون أن يتعرضوا لضغوط أو لإحراجات من السلطات المختصة في بريطانيا. غير أن الخطورة في الأمر تمثلت حينما بدأ بعض المشتبه فيهم والمطلوب تسليمهم من دولهم الأصلية في الدخول إلى بريطانيا والحصول على حق اللجوء السياسي ، وكانت سياسة بريطانيا في هذه الفترة تقوم على رفض تسليم أو ترحيل الأشخاص لبلد فيه حكم الإعدام، أو يخشى فيه أن لا يحصل الشخص على محاكمة عادلة. ما وراء الحجج ويرى البعض أن تلك الحجج البريطانية التي تتعلق عمومًا بحقوق الإنسان تخفي وراءها أهدافًا أخرى، الهدف الأول تمثل في حماية الأراضي البريطانية من أي عمليات تقوم بها تلك العناصر وذلك في مقابل استضافتهم، ويرى هذا الفريق أن واشنطن قد نجحت في تحقيق هذا الهدف إلى حد كبير وحتى الآن، غير أن تقارير سرية بدأت تتحدث عن إمكان أن تتعرض الساحة البريطانية لعمليات إرهابية، ووصل الأمر إلى حد التحذير من عمليات كيماوية، بل أن الأمر الذي شكل مفاجأة كبيرة أن أجهزة المخابرات البريطانية التي كانت تعتقد أن المتطرفين لا يمارسون على أراضيها أي أنشطة اكتشفت أن هناك أكثر من 300 عنصر ينتمون إلى خلايا ابن لادن المسلحة. أما الهدف الثاني الذي تعلنه بريطانيا وتدافع عنه هو أن تقديمها اللجوء السياسي إلى المتطرفين سمح لأجهزتها بمراقبتهم عن كثب ورصد تحركاتهم واتصالاتهم، وبالتالي فإن تجمعهم في لندن، وضواحيها يجعل من الحرب ضد التطرف أكثر فعالية مما كانوا يتوزعون سرًا على دول يصعب الوصول إليها، غير أن البعض يرى أن هذا الهدف لم يتحقق أيضًا، فكل أدوات الرصد والمراقبة المكثفة البريطانية لم تمنع على ما يبدو ولم تكشف أيضًا أي شيء من عمليات نيويورك وواشنطن التي كشفت التحقيقات أن لندن كانت حلقة الوصل الرئيسية فيها سواء في التجنيد أو التدريب والدعم المالي واللوجستي، أو حتى التخطيط، فقد أكدت التحقيقات أن بين 11 و14 من أصل 19 انتحاريًا نفذوا عمليات الولايات المتحدة، مروا بلندن وأن معظم مراحل التخطيط للعمليات حصلت في العاصمة البريطانية منذ أكثر من سنة. وهناك هدف ثالث تحدث عنه بعض الكتاب الأمريكيين والبريطانيين وهو أن بريطانيا استفادت كثيرًا من استضافة المنشقين والمعارضين المطلوب تسليمهم، إذ وفر هؤلاء مصدرًا قيمًا للمعلومات الاستخباراتية التي يمكن استخدامها بشكل أو بآخر كأدوات للضغط السياسي. وأيًا كانت مدى صحة بعض هذه الأهداف سواء الهدف الأول أو الثالث، فإن المؤكد أن مناخ الحريات الذي تعيشه بريطانيا والذي لا يتهاون فيما يتعلق بقضية حقوق الإنسان كان له أكبر الأثر في دخول تلك العناصر إلى بريطانيا وممارسة نشاطاتها في ظل حرية التعبير المتاحة في الأراضي البريطانية، كما أن تلك المبادئ البريطانية كان لها أيضًا دور فعال في عدم تسليم هذه العناصر أو ترحيلها إلى بلادها أو البلاد التي تطلبها، لاسيما أن عمليات الترحيل أو التسليم كان لابد لها أن تمر عبر الإجراءات التي تنصب أساسًا على حماية وتأمين حقوق الإنسان. غير أن تلك السياسة البريطانية بخصوص بعض العناصر قد بدأت في التغيير بعد أحداث 11سبتمبر، وقبل الإشارة إلى السياسة الجديدة يجب الإشارة إلى أن بريطانيا كانت بالفعل قد وضعت قانونًا جديدًا لمكافحة الإرهاب أصبح ساريًا هذا العام، وقد صنف هذا القانون 21 جماعة موجودة في بريطانيا على أنها جماعات متطرفة محظورة بينها منظمة القاعدة، وأصبح تجنيد العناصر أو جمع التبرعات لتلك الجماعات جرمًا يعاقب عليه القانون. مطاردة الأصوليين وفي ضوء التوجهات البريطانية الجديدة بدأت أجهزة الأمن في مطاردة الحركات الأصولية الموجودة على أراضيها خاصة مع اعتراف مصادر شرطة اسكوتلانديارد أن لندن تعد معقل الحركات الأصولية في أوروبا وأن بعض قادة هذه الحركات يرتبطون بصورة أو بأخرى بأنشطة ومنظمات إرهابية حول العالم، وقد استمرت تلك المطاردة خاصة بعد الكشف عن وجود خلية لجماعة «التكفير والهجرة» على الأراضي البريطانية، وكذلك وجود «خلية لندن» التي يرى بعض المسئولين أنها قدمت الدعم المالي والهويات والجوازات للمشتبه فيهم ال19 في تفجيرات واشنطن ونيويورك، ولعل أبرز الأمثلة على التوجهات البريطانية هي القبض على ياسر السري الذي تطلب مصر ترحيله إليها بتهمة المشاركة في بعض العمليات الإرهابية، ونظر القضاء البريطاني في تسليم خالد الفواز للولايات المتحدة. وفي إطار المواجهة البريطانية للحركات الأصولية أرسى مجلس اللوردات البريطاني ـ وهو أعلى سلطة قضائية في البلاد ـ مبدأ قانونيًا مهمًا، للمرة الأولى، عندما وافق على إبعاد رجل دين باكستاني متطرف، على أساس أن النشاط الذي يقوم ضد دولة أجنبية يعرض أمن بريطانيا للخطر، كما أقر المجلس مبدأ آخر، للمرة الأولى أيضًا، يقضي بأن بريطانيا ليست مضطرة لإيواء إرهابي يرفع دعوى قضائية ضد بلده، ولعل هذه المبادئ الجديدة ستخول السلطات حرية أكبر في ملاحقة الإرهابيين. فضلاً عن ذلك ينظر البرلمان البريطاني في دورته الجديدة في مشروعات قوانين تتعلق بالأمن أعدتها وزارة الداخلية وتهدف إلى توفير الدعم الكامل والضمانات لأجهزة الأمن في ضوء ما شهده العالم والولايات المتحدة على وجه الخصوص في الآونة الأخيرة من عمليات إرهابية، حيث باتت الحاجة ملحة لسن تشريعات وقوانين صارمة تعالج وضع مجموعات من الناس منحوا حق اللجوء السياسي، ووضع جهات ومنظمات أجنبية باتت تشكل خطرًا على أمن بريطانيا مصدره ما تقوم به أحيانًا من أعمال عنف وما تتخذه من مواقف متطرفة واستغلال لمناخ الحرية السياسية وحرية الاعتقاد في المملكة المتحدة. وفي هذا السياق أعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير أنه سيتم إقرار تشريعات بريطانية جديدة حول تسليم المجرمين وحق اللجوء «لكي لا يصبح حق اللجوء ذريعة لدخول إرهابيين»، وقد عبر عن نفس المعنى وزير الداخلية البريطاني حين أكد أن بلاده تتجه إلى «تفعيل» قوانين تسليم المطلوبين، وجعل قوانين الهجرة أكثر صرامة بحيث لا يتمكن المتطرفون من التسلل إلى البلاد، وفي ذلك فإن هناك احتمال إصدار تصاريح عمل على شاكلة «البطاقة الخضراء» الأمريكية، كما أشار الوزير أيضًا إلى أن القوانين الجديدة ستضم إجراءات كفيلة بمحاربة عمليات غسيل الأموال وقطع الموارد المالية عن الإرهاب، فضلاً عن ذلك فقد ظهرت قناعة لدى المسئولين البريطانيين بضرورة منح سلطات الشرطة والأمن صلاحيات إضافية تمكنها من مراقبة حسابات مصرفية وأرصدة عائدة لأشخاص مشبوهين، والإطلاع على التفاصيل البنكية لهؤلاء الأموال أول بأول. لهيب عبدالخالق