هذا الكتاب الذي نقدمه للقارئ العربي بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر قبل ان تصدره الأخيرة في مجلد كبير لا يستمد قيمته من جيرتروود بيل وحدها، وانما من انه يقدم لنا صوراً حية لشخوص عامة واحداث في طور التكوين وأسرار عن الحياة السياسية العربية لم تر النور حتى الآن. وربما كان أفضل تعريف بهذا الكتاب هو الذي قاله «لورنس العرب» في حديثه عن أوراق جيرتروود بيل: «انها انعكاس دقيق لذاتها، وقد كانت في غاية السعادة عند موتها على ما أظن لأن عملها السياسي كان متقناً. ان دولة العراق هذه صرح رائع، حتى لو قدر له ان يبقى قائماً لبضع سنوات». في أوائل مايو من عام 1914، شهدت آخر رحلة من رحلات جيرتروود بيل الاستكشافية، وأكبرها أهمية نهايتها، وهي تلك التي تم لها فيها اجتياز الصحراء العربية بما في ذلك اعتقالها المثير في حائل. كانت آنذاك قد بلغت السادسة والأربعين من عمرها، وللمرة الأولى في حياتها شعرت بأنها مرهقة ومنهكة. ولا غرابة في الأمر إذا ما أدركنا أنها بالإضافة إلى ما واجهته رحلتها هذه من عقبات، وما حف بها من أخطار، فإنها كانت تعيش حالة من التوتر العاطفي بسبب اضطرارها إلى التخلي عن الرجل الذي أحبته، وما ترتب على ذلك من شعور بالحزن كاد يتحول إلى يأس قاتل لازمها في كل خطوة على طريق رحلتها الطويلة ليدفع بها إلى أعماق حالة من الإرهاق والسأم فاقت كل ما عرفته سابقا من صيغ المعاناة. وإثر قضاء بضعة أيام في السفارة البريطانية في القسطنطنية بضيافة السير لويس ماليت، أعلنت جيرتروود بيل، على حد تعبيرها، أنها «مستريحة جداً وفي غاية الانبساط». كان كلاماً لم يخل من مبالغة على ما بدا. فاستناداً إلى ما روته فلورا رسل التي كانت تقيم في القسطنطنية في تلك الفترة بالذات، كانت جيرتروود بيل منهكة ومرهقة إلى الحد الذي حال دون تمكنها من الاستمتاع بصحبة الأصدقاء، وإن ما عكسته رسائلها الموجهة إلى ذويها في تلك الفترة من حس بالمرح والبهجة إنما جاء من أجل العائلة وراحة بالها ليس إلا. وفي رحلتها الأخيرة هذه التي كانت أدت لها ونفذتها بمفردها ـ شأن رحلاتها السابقة ـ تمكنت جيرتروود بيل من التوغل في شبه جزيرة العرب وصولا إلى حائل، معقل قبيلة شمر الحصين الذي كاد يكون موقعاً منيعاً لا يمكن اختراقه أبداً. ولقد كان من شأن تلك العزلة العميقة، والمرعبة أحياناً، التي فرضتها الصحراء، والتي كان عليها مواجهتها يوماً بعد يوم، وليلة تلو الليلة، كما كان من شأن مشكلة شعورها بالوحدة والألم، دونما نعمة الراحة التي تأتي بفضل المعتقد الديني، أن يكسبا جيرتروود بيل درساً في الجلد الفلسفي. ومثلما تنبأت به هي بالذات فإن جيرتروود التي عادت من تلك الرحلة كانت جيرتروود أخرى. لم يكن هناك متسع من الوقت لتتمتع بفترة نقاهة. فعندما اندلعت نيران الحرب العالمية الاولى في الرابع من اغسطس من عام 1914، كانت جيرتروود بيل في رونتون جراينج مسكن العائلة في مقاطعة يوركشاير. ولولا وقوع هذا الاضطراب الكبير، أي نشوب الحرب، من كان يستطيع التكهن بما كان بإمكان جيرتروود بيل التوجه إليه من نشاط؟ كان من المحتمل جداً بطبيعة الحال أن تعمد إلى تدوين تفاصيل رحلتها إلى حائل ونشرها في كتاب، بيد أنه لم يكن من المحتمل بأي حال من الأحوال تصور إحجامها عن معاودة القيام برحلات أُخرى. ليس مجرد تقرير في الواقع كان هناك عدد من المجالات التي كان بإمكانها التوجه إليها فيما لو قدر أن تتوفر لها حرية الاختيار، إلا أن الخيارات في زمن الحرب كانت محدودة جداً وبذلك عمدت جيرتروود، التي لم يكن باستطاعتها الخلود إلى الراحة برغم ما كانت تعانيه من إرهاق، إلى الاندفاع بكل ما أوتيت من قوة وعزم باتجاه أية فرصة تسنح للعمل. في شهر سبتمبر، أرسلت مديرية العمليات العسكرية إلى وكيل وزارة الخارجية البريطانية السير ادوارد جراي مقتطفاً من رسالة كانت جيرتروود بيل قد وجهتها أصلاً إلى النقيب وندهام ديدز (العميد السير وندهام دييدز فيما بعد). وكان المقتطف آنف الذكر الذي تميز بما كان له من مدلول خاص وما أثاره من اهتمام كبير يتعلق بالوضع السياسي في شبه الجزيرة العربية وسوريا. فهو لم يكن مجرد تقرير موجز تناول الشخصيات والأوساط الاجتماعية والميول السياسية في الولايات العربية للإمبراطورية العثمانية فحسب، بل كان في الحين ذاته وثيقة تنطوي على تنبؤ متناهي الدقة حول ردود فعل هذه الشخصيات والأوساط في حال اشتراك تركيا في حرب ضد بريطانيا. كان في الواقع تقريراً لم يكن بمقدور أحد آخر غير الآنسة بيل إعداده. ومن جانب آخر، لم يبق على قيد الحياة إلا عدد قليل من بين الذين قدر لهم أن يشهدوا تحقق كل ما ورد فيه من تكهنات مستقبلية. وبهذا الصدد كتبت جيرتروود بيل قائلة: إن سوريا ـ لا سيما المناطق الجنوبية منها حيث يوجد وعي أكثر بما تحقق في مصر من أسباب الرفاهية ـ تؤيد الانجليز. ففي فصل الشتاء الماضي، أخبرني ألماني أريب يدعى لويتفيد، وهو صديق قديم لي يسكن حالياً في مدينة حيفا، بأن وجود الرغبة الصادقة في سوريا في الخضوع لولايتنا (أي الولاية البريطانية) لا يعتبر ضرباً من المبالغة بأي شكل من الأشكال. وهذا ما أؤمن به كلياً. وفي الخريف المنصرم تعززت هذه الرغبة بدفع مضاف تمثل بما ساد من شعور بالكراهية إزاء النفوذ الفرنسي المتنامي. أما ألمانيا فلا يحسب لها حساب أبداً في سوريا. إننا نتمتع في بغداد بثقل أكبر مما تتمتع به ألمانيا بسبب أهمية العلاقات الهندية التي هي في الأغلب روابط تجارية. كما أن وجود مجموعة كبيرة من المهندسين الألمان في بغداد لأغراض بناء خط للسكك الحديدية لن يعود على ألمانيا بفائدة كبيرة نتيجة إخفاقهم في كسب محبة الأهالي وتقديرهم. ويمكنني أن أقول بوجه عام أن العراق لن ينظر بعين الرضا إلى دخول تركيا في حرب ضدنا، وبذلك لن يكون له إسهام فاعل فيها. ومن المحتمل أن يعمد الأتراك إلى توجيه اهتمامهم نحو رؤساء القبائل العربية الذين يتمتعون بحمايتنا، إلا أن مثل هذا الإجراء لن يجد قبولا من لدن أنصار الوحدة العربية الذين يتطلعون إلى السيد طالب (النقيب) في البصرة، وشيخ الكويت، وابن سعود باعتبارهم أنصاراً للوحدة العربية ومدافعين أقوياء عنها. إن السيد طالب مراوغ وعابث، لم يحظ حتى الآن بأي دعم أو عون من قبلنا، إلا أن أبناء جلدتنا من التجار يقيمون معه علاقات متميزة. أما شيخ الكويت فإنه يعتمد كلياً على مساعدتنا ودعمنا. ويتوق ابن سعود إلى الحصول على اعتراف مؤكد من قبلنا وبذلك فإن من السهل جداً أن نضمن إمكانية وقوفه حليفاً لنا. وفي ضوء كل هذه المعطيات يصبح بإمكاننا تحويل الخليج إلى منطقة ساخنة يصعب على الأتراك التعامل معها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن وكيل شركة لنج في بغداد، آرثر تود المعروف بكفاءته وقدراته العالية يرتبط بأواصر صداقة متينة مع عبد القادر باشا الخضيري، الشخصية القيادية البغدادية، الذي اشتهر بما يكنه لنا من شعور بالمودة وما له من نوايا حسنة تجاهنا. لا يرغب أي من وجهاء العرب ورؤسائهم بالحكم التركي. إن عبد القادر باشا الخضيري في بغداد يفوق واليها نفوذاً وسطوة، وكذلك الحال بالنسبة للسيد طالب (النقيب) في البصرة. أما شيخ المحمرة فلا يمكن اعتباره شخصاً قليل الأهمية والشأن، ناهيك عن كونه واحداً من حلفائنا. وفي حال دخلت تركيا في حرب ضدنا، فمن المحتمل جداً أن يقوم أنصار الوحدة العربية باغتنام هذه الفرصة للتخلص من نير الحكم العثماني، وفي حال إخفاقهم في المبادرة إلى ذلك، فإن توجيههم نحو هذا الهدف لن يكون مهمة صعبة. وتتمحور عقدة المشكلة بقدر تعلق الأمر بسوريا حول واقع أن الفرنسيين قد وضعوا نصب عينهم حكمها بينما تميل قلوب أهلها باتجاهنا. ويضيف النقيب ديدز الذي عمد بالأساس إلى إرسال المقتطف إلى وزارة الخارجية قائلاً: «إن التقارير المرسلة من قبل مفتشينا الموجودين في الولايات العربية تؤيد كلياً صحة ما ورد أعلاه». إن لجوء وزارة الحرب إلى استخدام بعض المعلومات التي تم لجيرتروود بيل الحصول عليها من خلال رحلاتها يعتبر المؤشر الأول باتجاه عملها المستقبلي. لمحة من الشرق استهلت جيرتروود بيل إطلالة عام 1915 بإجازة أمدها نصف يوم قضتها في لاتوكي. وفي طريق عودتها حظيت بلمحة غير متوقعة من جو الشرق الذي عشقته وذلك من خلال زيارة مستشفى سيكوندراباد. وبهذا الصدد فإنها تقول:«استقبلنا بترحاب منقطع النظير من قبل الأطباء البريطانيين والهنود العاملين هناك برغم أن زيارة المستشفيات من غير أذون خاصة ومسبقة، ممنوعة منعاً باتاً. وأثناء تناولنا الشاي التقينا كل العاملين هناك الذين جاءوا للسلام علينا والتعبير عن فرحتهم بهذه الزيارة التي قلما يحظون بمثلها. بعد ذلك اصطحبونا في جولة تفقدية في أرجاء المستشفى حيث شاهدنا رجال من الكوركا، والسيخ، والجاتيين والأفارقة وهم يجلسون القرفصاء فوق أسرتهم ويمارسون مختلف ألعاب الورق (الشدة) بعضهم مع البعض الآخر بينما انهمك الطهاة في إعداد وجبات طعام خاص بالمسلمين والهندوس من الأفراد وطبخها فوق نيران متفرقة، وانتشرت في أرجاء المكان رائحة السمن الزكية مشوبة بروائح الشرق المعبأة بالعفونة. وتفتقر المستشفيات الهندية إلى الكوادر النسوية، كما يعاني الأطباء من عدم وجود ممرضين مدربين، فالعاملون في مجال التمريض هم من بين عديمي الجدوى من أبناء القوات المسلحة ممن يمكن الاستغناء عن خدماتهم القتالية وزجهم في أعمال الفراشة والخدمات. ويعاني هؤلاء الأطباء الهنود من الوحدة والإهمال إذ ليس لديهم معارف من بين نظرائهم في صنف الخدمات الطبية الملكية ممن يمكن تبادل الزيارات معهم. وقد عمد كل رجل منهم إلى تثبيت بطاقة المعايدة المرسلة من الملك فوق سريره ووضع صندوق الحلوى المرسل إليه من الأميرة ميري على المنضدة الصغيرة المجاورة له. وكانت رسالة جيرتروود المؤرخة في الثاني عشر من يناير معنونة إلى أبيها: «انتهى العمل من إعداد مكتب روان. وستعمل فلورا وديانا هناك، وكذلك عزيزي السيد داريل الذي سأفتقده، وسيحل محله رجل يدعى نوجينت. أما تايجر هوارد اي الآنسة هوارد فنتوقع وصولها يوم الخميس المقبل. وقد تقرر تخصيص آلة كاتبة أُخرى لي إذ أن الأولى تحتضر من شدة الإرهاق ! كما تقرر قيامي بالاضطلاع بمسئولية المراسلات مع باريس (فيما يتعلق بإعداد صيغ النشرات التي تتضمن مختلف أنواع الأخبار) إن الأمر يستهويني إذ أن الصيغة التي يتم من خلالها نقل الخبر تتسم بأهمية بالغة في إطار الطبيعة الخاصة بعملنا. وأنا أُدرك جيداً ما لدي من إمكانات بهذا الصدد لأنني أبذل قصارى جهدي من أجل أن تبدو المعلومة المطلوب إيصالها أقل مرارة مما هي عليه في الواقع». وفي التاريخ نفسه كتبت جيرتروود إلى «العزيز دمنول» قائلة:« استلمت الليلة رسالتك المؤرخة في الخامس من هذا الشهر. يتواصل عملي ويستحوذ على اهتمامي برغم كل ما ينطوي عليه من جوانب مأساوية أجدني لا أكاد أتحملها أحياناً. أشعر كأن ملف الحرب بكل ما يتضمنه من أسرار يمر عبر يدي. إن الروايات التي تصلني تفاصيلها لا تنسى، وشخصياتها البسيطة الرائعة تزدحم في أفكاري وترن في أذني ما ينقل عن أفواههم من عبارات. ياللهول ! كل هذا الدمار، وكل هذا الأسى ! تخفق مهارات بني البشر في اختراق دفاعات أي من الطرفين المتحاربين تماماً مثلما تقف كل ضروب الشجاعة والبسالة عاجزة إزاءها. وإذ نقبع جالسين في أماكننا هنا، فإن هناك أرواحاً تنفد تماماً كما ينفد الماء وهو وضع مأساوي نعجز كلياً عن وضع حد له. إن الوضع العام على جبهات القتال لا يصدق: فالرجال يقبعون في خنادق يصل الماء فيها حتى الركبتين. وفي أماكن أخرى يعيق الطين كل حركة نتيجة ارتفاعه إلى مستوى الركبتين، بل وحتى الفخذين أحياناً، الأمر الذي يجد الرجال فيه أنفسهم عاجزين تماماً عن إطلاق بنادقهم وهم في وضع الانبطاح ذلك لأن مرافق اليد تكون مدفونة فيه حتى الرسغ. إن نصف الحالات التي تعالج في المستشفيات هي حالات الإصابة بمرض التهاب المفاصل (الروماتزم) وقرصة الصقيع ! ويمضي الرجال في هذه الخنادق فترة واحد وعشرين يوماً، تصل أحياناً إلى ستة وثلاثين ! هل بإمكانك تصور مثل هذا الوضع؟ لم يصل موريس لحد الآن، فكل أسبوع يتأخر فيه عن الوصول هو كسب ليس إلا. إن الفرصة الوحيدة لعودة أي مقاتل من الخطوط الأمامية إلى الوطن تتأتى نتيجة إصابته بجرح يحول دون مواصلة بقائه فيها. هذا هو قدر أصحاب الحظ منهم. أما مصير الآخرين فلست بغافلة عنه، إنه يبعث القشعريرة في أوصالي. سيتم إعادة الجنود الكوركا إلى وطنهم على ما أظن، أو لربما سوف يصار إلى إرسالهم إلى مصر. إنهم محطمون نفسياً ولا يتوانون عن الفرار. لقد أفرط في إجهادهم على ما أظن. أتوق لسماع أخبار حملتنا على بلاد وادي الرافدين، إذ لا خبر لدي حول هذا الموضوع أبداً، فأرجو موافاتي بأخبارها». رسالة من لورد كرومر في الثالث والعشرين من يناير كتبت إلى زوجة أبيها تقول:« أمي الحبيبة - السيد مالكوم موجود هنا. إنه دبلوماسي متميز، وقد تم له تسوية قضايا تعتبر على جانب كبير من التعقيد، وبذلك أصبحنا نستقبل المراتب بالإضافة إلى الضباط، وهو ما يثلج صدري. وصل إلينا بيرسي لوبوك بقامته الطويلة الفارعة ونحوله، بدا شكلاً بشرياً غريباً بلباسه العسكري. إنه يعتبر وجوده معنا حتى نهاية الحرب أمراً مفروغاً منه. سوف نوكل إليه مهمة الفهرسة التي آمل أن تروق له. أرسلت ملاحظاتي حول قائمة المفقودين الخاصة بوزارة الحربية إلى اللورد روبرت سيسيل واقترحت قيامنا مستقبلاً بتدقيق الصحائف الخاصة بالطباعة (البروفات). لا أدري إن كان ذلك سيحظى بموافقة وزارة الحرب، بيد أني واثقة من جانب لا مجال للنقاش حوله وهو أننا أكثر معرفة منهم فيما يتعلق بالمفقودين». وتنتهي الرسالة الأخيرة بمناشدة من القلب لا تخلو من مسحة فكاهة:« أماه! أتساءل أحياناً ما إذا كنت أساساً قد خلقت للقيام بمثل هذا العمل، وما إذا سيتعين علي مواصلته إلى آخر يوم في حياتي!». اتضح في هذه الفترة أن قدرة جيرتروود على انتزاع إجازة قصيرة كان أمراً ممكناً. ففي الخامس عشر من يناير كتبت تقول: «سوف أصل يوم الأربعاء على ما أظن، ومن المحتمل أن أتوجه مباشرة إلى نيوكاسل للقاء موريس وقضاء يومين بصحبته أعود بعدها إلى لندن. إن إجازتي قصيرة جداً. لا داعي لنشر خبر عودتي بين الأصدقاء والمعارف لأني مرهقة ولا أريد لقاء الكثير من الناس». استدعاء الى لندن إن المقطع المدرج أدناه مقتطف من آخر رسالة بعثتها جيرتروود من بولوين. فقد تم استدعاؤها إلى لندن من قبل اللورد روبرت سيسيل باعتبارها أفضل من يمكنه تحقيق النجاح في مضمار إعادة النظام إلى جو عمل تسوده الفوضى. وفي الثاني والعشرين من شهر مارس كتبت تقول: «أمي العزيزة - لقد وافقت على المجيء إلى لندن. لن يكون عملنا مثمراً إلا إذا قدر لنا وضع الأمور في نصابها الصحيح في الدائرة المركزية، وخلاف ذلك يجدر بنا التوقف عن العمل. سوف أصل يوم الخميس أو الجمعة، إذ يتعين علي استكمال بعض المهام هنا قبل سفري. يرجى الإيعاز إلى ماري بالبقاء في لندن إن كانت لا تزال فيها، أو العودة إليها في حالة وجودها في رونتون. أرجو عدم إخبار أحد عن مجيئي إذ لا أجد لدي الوقت الكافي لذلك، ولا الرغبة في إشغال نفسي بأمور الناس».