خلال اسبوع واحد منح الزعيم الافريقي نلسون مانديلا درجتي دكتوراه فخريتين، من جامعتين عالميتين شهيرتين احداهما: جامعة ميرلاند الامريكية والثانية جامعة ريرسون الكندية، وذلك شأن لم يتهيأ لزعيم او مفكر آخر قط، فقد نال الكثيرون اكثر من درجة دكتوراه فخرية واحدة في اكثر من تخصص ولكن لم ينل اي منهم درجتين فخريتين في ظرف اسبوع واحد. وكان مانديلا ينال كل ذلك التكريم، ولا تطرف له عين ولا يخطر في خيلاء العجب، لانه لم يسع لنيل ذلك المجد الفخري، وانما سعى لغايات اكبر، صمد في نضاله في سبيلها حتى نالها وما زال يناضل في سبيل غايات اسمى، ويقول كلمة الحق ولا يبالي، وقد نطق بكلمات الحق الصراح، حتى في خطابه الذي القاه بمدرج جامعة ميرلاند التي اعطته استحقاق الدكتوراه الفخرية فهاجم وسائل الاعلام الامريكية هجوما عنيفا، واتهمها بممارسة التضليل وتشويه الحقائق، ودافع عن العرب والمسلمين دفاعا قويا، مع ان احدا لم يكلفه بذلك، ولكنه بنبل نفسه تطوع وخاطر وهاجم الميديا الامريكية في عقر دارها، ولذلك حجبت خطابه، وعتمت عليه مثلما عتمت من قبل على خطاب الاديب والفيلسوف الروسي الكسندر سولجنستن في هارفارد، عندما منحته اجازة الدكتوراه الفخرية، فقام في خطاب قبوله للاجازة بالهجوم الكاسح على ما أسماه بلاإنسانية النظام الرأسمالي الاستهلاكي والنظام الاجتماعي الاباحي الغربي. تحدث مانديلا في ميرلاند عن سخرية الاعلام الامريكي من انظمة الحكم في بعض البلاد العربية ووصفها الظالم لتلك النظم بعدم الديمقراطية فقال: كيف يوصف نظام الحكم في المملكة العربية السعودية او دولة الامارات العربية المتحدة بعدم الديمقراطية مع ان مواطني هاتين الدولتين يستطيعون مقابلة حكامهم متى شاءوا ويعرضون مطالبهم ومظالمهم، ويفوزون منهم بالنظر العاجل في تلك المطالبات، وهو نظر ينتهي دائما بالانصاف والبر العاجل، ان ذلك حق لا يتاح لمواطني الدول الغربية العريقة في الديمقراطية حيث ان قصارى ما ينالوه هو ان يقابلوا صغار الموظفين الذين يديرون شئون المعاملات اليومية العادية ولا يملكون النظر في خارج حدود اختصاصاتهم الصغيرة، ولا يستطيعون انصاف من ظلم خارج حدود تلك الاختصاصات. جوهر الديمقراطية ان الديمقراطية ليست هي شكليات الانتخابات والبرلمانات والاحزاب، وانما هي جوهر الموقف من نظام الحكم، فان كانت غالبية الشعب ترتضي نظام الحكم، ولا تحتج عليه، ولا تثور ضده، ولا تقبل بتغييره، فتلك هي الديمقراطية في جوهرها، بعيدا عن شكلياتها، ثم ان شكليات الديمقراطية كثيرا ما ترهق الشعوب النامية بما تؤدي اليه من اضطرابات وتحزبات ونشأة حكومات واهية تقضي وقتها كله فى الخصام والشجار مع المعارضة حيث يعمل كل طرف على تقويض الآخر، وليدفع الشعب في النهاية ثمن تلك التصرفات الخرقاء. ان هناك ناحية اخرى تفوقت فيها كل من دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، كما قال مانديلا في ميريلاند، على نهج الحكومات الديمقراطية الغربية، وذلك بتقديم الخدمات التعليمية والصحية والاسكانية، اما مجانا او بسعر مدعوم، وقد صفق طلاب الجامعة طويلا لمانديلا عندما قال ان طلاب الجامعات في هذين القطرين اسعد منكم حالا بكثير، اذ انهم معافون تماما من دفع الرسوم الجامعية المرهقة، واكثرمن ذلك فان كلا منهم ينال مرتبا شهريا من الدولة لقاء انتظامه في التعليم وبالطبع فلم يخطر ببال الطلاب الامريكيين ان شيئا مثل ذلك يحدث في هذا العالم، وخصوصا في مثل تلك الاقطار التي يحاول الاعلام الامريكي ان يشوه سمعتها . هكذا جاءت لطمة مانديلا للاعلام الامريكي في الصميم ولذا عملت كافة وسائل الاعلام على تجاهلها وعدم تغطيتها وقتلها بالصمت، ولكن مانديلا لم يتوقف عند ذلك، انما تحدث في القضايا المباشرة، فانتقد بعنف رفض الرئيس الامريكي بوش مقابلة ياسر عرفات في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة قائلا ان مقابلة الرئيس الامريكي لرئيس الوزراء الاسرائيلي هناك مع رفضه لمقابلة الزعيم الفلسطيني تعطي انطباعا عميقا بعدم حيادية الحكومة الامريكية تجاه الاشكال الاسرائيلي الفلسطيني ووقوفها في الصف الاسرائيلي ضد الصف العربي وهو امر يقدح بشدة في كفاءتها لاداء دور الوسيط. بمثل هذه الجرأة تحدث مانديلا، فتلك هي رسالته في الحياة ان يقول الحق وان يناضل في سبيله ولا يبالي انه لا يصمت على الحق صمت الشيطان الاخرس، ولا يتنازل عن الحق، كما يتنازل عشاق السلطة، ومن قبل فقد طلبوا منه في زيارة سابقة لامريكا، ان يعتذر عن ممارسة حزبه للعنف اثناء النضال ضد حكومة الاستعمار الاستيطاني الابيض فقال لهم اسحبوا هذا السؤال فورا، فانا لم آت لكي اعتذر عن هذا ولا عن اي شيء آخر، وليس في سجلي ثمة عار استحي منه او اعتذر عنه وان كان ثمة مجال للاعتذار، فليعتذر الآخرون عما فعلوه بالافارقة طوال عدة قرون. حمل مانديلا معه الهم الافريقي وهو يتحدث في حفل الدكتوراه الثانية بجامعة ريرسون بكندا، وقد اهدى تلك الدكتوراه فور استلامه لها لاطفال بورندي، في محاولة بارعة منه للفت انتباه العالم لما يجري في بورندي، حيث تدور رحى الحرب الاهلية المهلكة منذ 1993، عندما قام التوتسي بقتل الرئيس الذي انتخب من قبل الشعب، وكان من الهوتو، وكان اول رئيس وزراء ينتخب ديمقراطيا منذ استقلال القطر في 1962 وقد شكر مانديلا لتلك الجامعة العريقة اهتمامها بأمر طلاب بورندي حيث دأبت على اعطائهم فرصا تعليمية عديدة وشكرته مديرة الجامعة على اهتمامه بأمر اطفال افريقيا ونضاله من اجل تأمين كامل حقوقهم، وقامت ادارة التعليم في مدينة تورنتو باطلاق اسم مانديلا على مدرسة تضم طلابا من قوميات عديدة مهاجرة الى كندا، وحضر مانديلا مع زوجته جارسيا الحفل الذي اقيم بتلك المناسبة، ودخل القاعة بزي قبلي افريقي وهو يرقص ، وكان اطفال المدرسة في غاية التأثر والتجاوب مع الزعيم الافريقي المحب للاطفال، وقد خاطبهم قائلا انني احب كل واحد منكم فانتم قادة المستقبل وامله الزاهر ولي كل الشرف باللقاء معكم هنا، واجهشت الفتاة التي تولت تقديم جارسيا بالبكاء حتى اخرجت جارسيا منديلها ومسحت به دموع الطفلة البريئة. وجارسيا مناضلة موزمبيقية عتيقة وهي الزوجة السابقة للرئيس الموزمبيقي سامورا ميتشيل، والزوجة الحالية لمانديلا وقد ظلت تكافح في موزمبيق لمدة 16 عاما حتى وضعت الحرب الاهلية هناك اوزارها، ودخلت البلاد في عهد ديمقراطي مستقر. ولجارسيا اهتمام راسخ بحقوق المرأة والطفل، ولها تقرير عظيم اودعته الامم المتحدة، عن تأثيرات النزاعات المسلحة في ادغال افريقيا على الصحة النفسية والجسدية للاطفال، وهي لا تدع اي سانحة دون ان تنتهزها لترويج معطيات ونتائج ذلك التقرير لتأكيد ان العالم يملك الطاقة والقدرة لتحقيق احلام الاطفال، وقد حضرت جارسيا مع زوجها حفلا اقيم لجمع التبرعات لذلك الشأن بيعت جميع تذاكره مقدما مع أن التذكرة الواحدة كانت بثلاثة آلاف دولار! بيت الداء وما ان انتهى مانديلا من مراسم الاحتفال، حتى نهد بمشروعه بخصوص بورندي الى بوش، حيث ناقشه فيه مليا، ان مشروع مانديلا نحو بورندي يقوم على انشاء وضع سياسي متوازن ينهي الاحتكار الظالم للتوتسي لمفاصل السلطة السياسية على حساب اغلبية الشعب من الهوتو، وهو الوضع الذي حمل عدواه من بعد وانتشر ونشر معه المذابح في كل من رواندا، والكونغو ويوغندا، ويدعو مانديلا الى استمرار رئيس بورندي الحالي بيير بيويا من التوتسي لمدة 18 شهرا في السلطة على ان يعين في منصب نائب الرئيس شخص من الهوتو ترضى عنه المعارضة المسلحة لقبائل الهوتو، وبنهاية تلك الفترة ينتخب لمنصب الرئيس شخص آخر من الهوتو، على ان يعين نائبا له شخص من التوتسي ترضى عنه الاثنية التوتسية ويتم قبل ذلك كله منح عفو عام عن كل من حمل والقى السلاح واثناء تلك الفترة الانتقالية 3 سنوات تتم هيكلة الجيش بما يمنح الاغلبية من الهوتو نصيبا مقدرا من قوته وقيادته. وحتى الآن برهن مشروع مانديلا على نجاحات عملية ملحوظة حيث استجاب قادة ثوار الهوتو لندائه ورجعوا الى بورندي للاشتراك في حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية التي اقترحها كما اخذ العالم يهتم أكثر بشئون بورندي، وذلك استجابة لنداءات مانديلا للمجموعة الاوروبية والمفوضية الاوروبية، والادارة الامريكية، والرأى العام العالمي، وان تمت اعادة السلم الى بورندي وتم اقتسام السلطة بعدل هناك، فتكون تلك هي مأثرة مانديلا الكبرى الثانية، بعد انهائه لعهد الابارتايد بجنوب افريقيا. لاشك ان نداء مانديلا لاعادة السلم والعدل الى بورندى سيثير عليه بقايا ماركسي افريقيا، الذين تحولوا الى ثوار قبليين، يحيون أسوأ النعرات المتخلفة، ويثيرون اشد القلاقل في سبيل الوصول الى السلطة، وتكريسها لانفسهم وللاقليات التي انحدروا منها ولكن ما من احد من اولئك يملك تاريخا ناصعا كمانديلا ولا يملك احد منهم وقوفه مع الحق المبين، من غير ان يخشى فيه لومة لائم. ولا شك ان مانديلا سيقف في مواجهتهم ان تجرأوا على مواجهته، وقد اختار ان يبدأ معركته بلا صلاحية من بيت الداء الذي انفجرت منه جراثيم الاقليات وانتشرت لتسمم عموم اقليم البحيرات. لقد كان اسبوع مانديلا بامريكا وكندا اسبوعا حافلا بالعطاء الثوري الفياض فهذا الثائر الافريقي الذي يدرج نحو التسعين لم يبال بان يدافع عن العرب دفاعا مستميتا في وجه تخرصات الميديا الامريكية الرعناء ولم يتهيب ان يبدأ مشروعه السلمي لاقليم البحيرات من البداية الصحيحة بالاعتراض على تركيع الاقليات للاغلبيات .. وان ذلك هو شرف الثائر ان يقول الحق، وان يثبت عليه، وبثباته ذاك الصميمي يتغير وجه التاريخ. د. محمد وقيع الله