في الوقت الذي كان فيه برجا مركز التجارة العالمي يهويان الى القاع كان الاقتصاد العالمي يهوي هو الآخر الى اسوأ فترة كساد يشهدها منذ الحرب العالمية الثانية، فيما كانت الولايات المتحدة مكان الرمز والحدث الارهابي، تنزلق الى ركود حاد. واذا كان البعض من الاقتصاديين قد اشار قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر الماضي، الى ان العالم كان في طريقه اصلا الى مواجهة مصاعب اقتصادية، إلا ان تلك الهجمات اكدت بما لا يقبل الشك، ان الكساد اصبح حقيقة، وان العالم بأجمعه قد شملته الازمة الاقتصادية بشكل مباشر وشديد. وبات من المؤكد ان خسارات اقتصاديات الدول العربية ستكون شديدة وكبيرة.. واذا كانت قيمة هذه الخسارات تقدر حتى الساعة بعشرات المليارات من الدولارات، إلا ان تداعياتها على الدول العربية الفقيرة، غير النفطية، ستكون وخيمة جدا، اذ ان ملامح ازمة خطيرة وطويلة الامد بدأت منذ الآن تلوح في الافق، وبدأت مجتمعات الدول العربية تشعر بتباشيرها السيئة، وان كان الامر يختلف من دولة الى اخرى. وقد ابدى صندوق النقد الدولي عدم تفاؤله بحدوث انتعاش اقتصادي مبكر بحلول منتصف العام المقبل، كما توقع ان يقترب الاقتصاد الدولي من حافة الركود في العامين الجاري والمقبل في كل المناطق على حد سواء وذهب مدير الصندوق هورست كوهلر الى التأكيد ان هجمات سبتمبر على نيويورك وواشنطن وضعت العالم امام درجة غير عادية من عدم اليقين، فلا توجد سابقة للوضع الراهن مما يجعل مهمة اعداد التوقعات الاقتصادية اعتماداً على التجارب الماضية اشبه بقراءة الكف. وكانت التحليلات التي اجراها الصندوق والمعلومات المستفيضة التي تم جمعها من مختلف المناطق قد اتاحت الخروج بتقويم اولي حيال الاقتصاد الدولي، قد افرزت نتيجة اساسية هي عدم القدرة على الوصول الى معطيات محددة، حيث اضطر الخبراء الى تعديل توقعاتهم المرة تلو الاخرى، ففي حين توقع صندوق النقد في اكتوبر الماضي ان ينمو الاقتصاد الدولي بنسبة 2.6 في المئة يسود الاعتقاد ألا ان النسبة الارجح قد لا تتجاوز 2.4 في المئة، وعند الأخذ بالاعتبار ان التعديلات المتعلقة بالعام المقبل جاءت حادة اذ خفضت نسبة النمو المتوقعة من 3.5 الى 2.4 في المئة، نجد ان الاقتصاد الدولي سيبقى على حافة الركود عامين متتاليين. وعلى الرغم من ان النمو المتوقع في العامين الجاري والمقبل هو اقل من نصف المعدل السنوي الذي حققه الاقتصاد الدولي العام الماضي، فإن كوهلر لم يستبعد احتمال حدوث سيناريو اشد سوءاً لكنه شدد على ان امكانات تحقق هذا الاحتمال هي الآن اقل بكثير مما في السابق بسبب جملة من العوامل المهمة من ضمنها الاجراءات المالية التي تم اتخاذها وآثار الاصلاحات التي تم تطبيقها عقب الازمة الاسيوية. وبقدر ما يشكل انخفاض اسعار النفط حافزا على الانتعاش كونه يخفف من الاحتياجات التمويلية للدول المستوردة للنفط، فإن مخاطر هذا الانخفاض واستمراره ينعكسان سلبا على الدول المنتجة، كما ان اي انخفاض جديد سيزيد الضرر بالاقتصاد الدولي، الامر سيجعل الدول النامية تعاني من تراجع العائدات السياحية وانكماش التدفقات المالية التي يتوقع صندوق النقد ان تأتي محصلتها سالبة وللمرة الاولى منذ بداية التسعينيات. ويرى الخبراء ان منظمة «اوبك» التي يتجاوز عمرها 35 عاما مرت خلالها بأزمات عاصفة استطاعت الخروج منها بسلام، إلا ان الازمة الاخيرة جعلتها في مقدمة ضحايا الهجمات الارهابية، عندما اعلنت التزامها بامداد اسواق النفط بالكميات اللازمة للمحافظة على سقف الاسعار مضحية بذلك بملايين الدولارات وبعامين من الجهد والتخطيط لتثبيت اسعار منتجاتها، على الرغم من انها خفضت امداداتها مطلع الشهر الذي وقعت فيه الهجمات، اي سبتمبر، بمقدار مليون برميل يوميا للمحافظة على الاسعار. وقد توقع صندوق النقد الدولي انخفاض معدل نمو الناتج المحلي بحدة في كل من السعودية والكويت هذا العام بسبب تزايد الغموض في اسواق النفط الدولية بعد الاعتداءات التي تعرضت لها الولايات المتحدة، وتباطؤ الاقتصاد الدولي، وان كانت مجموعة الدول المصدر للنفط وكذلك مجموعة الاقتصاديات العربية ستتمكن من تحقيق معدلات نمو قوية مقارنة بالاقتصاديات الصناعية والعالم ككل. ويعتقد الاقتصاديون ان العوامل المشار اليها ستؤدي الى انخفاض معدل نمو الناتج المحلي الحقيقي في السعودية الى 2.2 في المئة مقارنة بنحو 4.5 في المئة العام الماضي، وفي الكويت تشير التوقعات الى انخفاض معدل النمو من 3.6 في المئة عام 2000 الى 0.8 في المئة العام الجاري، واقليميا، فإن من المتوقع ان تتأثر الدول العربية المصدرة للنفط بشكل طفيف في المديين القصير والمتوسط، حيث سينخفض معدل نمو الناتج المحلي لهذه المجموعة من 5.9 في المئة عام 2000 الى 5 في المئة السنة الجارية و4.5 في المئة العام المقبل، فيما سيتراجع فائض حساباتها الجارية من 15.9 في المئة من الناتج المحلي عام 2000 الى 12.4 في المئة هذا العام و8.6 في المئة العام المقبل. وتحت هاجس المخاوف من حرب يجهل كل شيء عن ابعادها ونتائجها، خصوصا المدة التي ستستغرقها، يسيطر على الخبراء الاقتصاديين في منطقة المغرب العربي حساب التأثيرات على الحياة اليومية داخل الدول المغاربية الخمس، والانعكاسات على مشاريع التنمية التي تم التخطيط لها والبدء بتنفيذها منذ اعوام. ووفقا لاحد استطلاعات الرأي التي قامت بها مؤسسة فرنسية بعد شهر من عمليتي نيويورك وواشنطن، فإن النفقات التي تتم عادة عبر بطاقات الائتمان انخفضت بنسبة 20 في المئة في حين تدنى مستوى المشتريات عموما بمعدل 15 في المئة، ما حدا بشركات الاعلان المحلية المروجة للمنتجات الاجنبية المشهورة الى الغاء عدد من حملاتها الترويجية التي تسبق عادة شهر رمضان واعياد الفطر والميلاد ورأس السنة. ويقول بعض الخبراء ان الاقتصاد الدولي دخل زمن عدم الاستقرار غير المحدد، الذي سيدفع بالاسواق المالية في منطقة شمال افريقيا وجنوب المتوسط لتوجيه استثماراتها وفق قاعدة المخاطر المحسوبة، الامر الذي سيحدث تباطؤا سيؤثر من دون ادنى شك في آلية النمو الاقتصادي. فالجزائر الدولة النفطية بنت حساباتها على بقاء اسعار النفط في حدود 25 دولاراً للبرميل لعام او عامين على الاقل، لتتمكن من خفض العجز في موازنتها وخفض دينها الخارجي وخدمته، إلا ان تدني اسعار النفط سيعقد الكثير من هذه الحسابات، والحال ذاته ينطبق على ليبيا، وان كان يشكل اقل تضرراً، ذلك ان لليبيا ما يكفي من الضمانات كي لا تتأثر على غرار الجزائر، ابرزها: عائدات هائلة من النفط والغاز والبتروكيماويات يقابلها عدد ضئيل من السكان وموازنة ذات فائض منذ ثلاثة اعوام. اما تونس والمغرب وموريتانيا، التي لا تملك ثروات نفطية او غازية فإن احداث سبتمبر جاءت في ظل بدايات انكماش اقتصادي عالمي لتزيد من التعقيدات التي تواجهها، والاحرى جاءت في غير وقتها، فالمغرب، على سبيل المثال، كان قد بدأ في تحسين مداخيله من الاستثمار الاجنبي المباشر ورفع معدل نموه الاقتصادي من 0.8 في المئة في العام 2000 الى 6.5 في المئة هذا العام، كذلك في الوقت الذي حقق فيه قطاع السياحة ارقاماً قياسية في الشهور التسعة الاولى منه 2.5 مليون سائح. والواقع ان الضحية الثانية بعد «اوبك» كانت السياحة العربية التي تستقطب سنويا 30 مليون سائح ينفقون 20.7 مليار دولار، ويبدي مسئولو هذا القطاع العرب تشاؤمهم من احتمال استعادة السياحة العربية تعافيها العام المقبل، في وقت تستر فيه موجة التصريحات وخفض رواتب الموظفين في المنشآت السياحية ووكالات السفر، وقدر هؤلاء ان الخسارة المتوقعة في العالم العربي قد تتجاوز 15 مليون سائح وربما عشرة مليارات دولار من العائدات بالعملات الصعبة، علاوة على فاقد الربح وزيادة اكلاف الاستثمار في المشاريع السياحية. واذا كان من المبكر تقويم انعكاسات الازمة الاقتصادية على الدول العربية لان الوضع ما زال متحركاً، لكن من الواضح ان 11 سبتمبر الذي شكل مفصلا في السياسة والاقتصاد العالميين، افرز نتائج ايجابية كذلك، ومن مؤشرات بعض الايجابيات، تخلى سوق القطع في لبنان عن العملة الامريكية لمصلحة الليرة وتحويل رساميل، ولو في شكل خجول، وشيوع مناخ ايجابي في توقعات قطاعات مختلفة في الاقتصاد اللبناني. ولان معظم عملات الدول العربية مرتبط بالدولار، فإن تراجع الدولار امام اليورو والعملات الرئيسية الاخرى قد يخفف الضغط الذي حصل اخيرا على بعض العملات العربية، فكما حصل لليرة اللبنانية حصل للجنية المصري، وبالطبع سيكون هناك تأثير ايجابي لتراجع اسعار صرف العملات العربية مقابل العملة الاوروبية، اذ انه سيحفز صادرات دول المنطقة الى المجموعة الاوروبية، وهذا سيساعد على تصحيح الاختلالات في الموازين الخارجية لبعض الدول العربية، كما ان هبوط سعر الفائدة على الدولار سيمكن البنوك المركزية والسلطات النقدية في الدول العربية من ان تخفض سعر الفائدة على العملات المحلية، وبذلك تضع قيد التنفيذ سياسة نقدية توسعية المنطقة في حاجة ماسة اليها. بقلم : رضا الاعرجي