يقف العالم على شفا أسوأ موجه تباطؤ اقتصادي منذ الحرب العالمية الثانية، والاحتمالات السيئة مفتوحة، وصولا إلى دخول نفق الكساد المظلم، فالأمر يتجاوز تداعيات الصدمة الجاثمة منذ أحداث سبتمبر، لأن المشهد كان قائما قبل تلك الأحداث ، وبالتحديد منذ بداية العام الحالي، إذ أن أكبر ثلاث ماكينات للنمو في العالم : الولايات المتحدة، أوروبا، اليابان كانت تعاني تراجعا متزامنا في اقتصادياتها، لأول مرة منذ منتصف السبعينيات، طبقا لما ذكره تقرير البنك الدولي، ويتفق ذلك مع رصده العديد من المستثمرين بشأن الصعوبات الهائلة التي كان الاقتصاد الأمريكي - تحديدا - يواجهها قبل أحداث سبتمبر، بما يعني ان ما حدث كان في توقيت قاتل تماما، ليس فقط بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، ولكن بالنسبة للاقتصاد العالمي - إجمالا- لأن الأول كان بمثابة القاطرة بالنسبة للثاني و من ثم فإن الهزة بالغة العنف التي أصابت الاقتصاد الأمريكي في سبتمبر - فضلا عما كان يعانيه بالفعل قبلها - انعكست بشدة على معظم الاقتصاديات الأخرى، كل بحسب درجة قربة أو إرتباطه بالقاطرة. فهل تكون المحصلة النهائية أن يشهد العالم كسادا اقتصاديا يذكر بما حدث في الثلاثينيات ؟ واقع الحال أن القاطرة الاقتصادية كانت تعاني قبل سبتمبر العديد من مظاهر التباطؤ، بما يشبه الاجتياح، بعد أن سجل الاقتصاد الأمريكي في بداية 2001 أبطأ نسبة نمو منذ أكثر من ثمانية أعوام، وبلغ معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي 1.2%، بل أن المستثمر العالمي سوروس أكد أن الاقتصاد الأمريكي دخل بالفعل مرحلة الكساد في الربع الثاني من العام الحالي، ولم يكن ما حدث في سبتمبر إلا الضربة رقم مائة على صخرة الاقتصاد الأمريكي التي عانت قبلها من هبوط معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي، وزيادة العجز في الميزان التجاري، وهبوط أسعار العديد من الأسهم، وكذلك تدني معدلات الإدخار، وانخفاض مبيعات التجزئة، بما يعكس - بوضوح- ضعف ثقة المستهلكين. ولاشك أن ما حدث مع بداية 2001 كان له انعكاساته على الاقتصاد العالمي، وجاءت أحداث سبتمبر لتبعث بالمزيد من الصدمات لاقتصاد لم يكن يحتمل المزيد، ولم يدفع الأمريكيون وحدهم ثمن ما حدث، لأن الصدمات انتقلت سريعا إلى أوصال الاقتصاد الدولي المعولم، من ثم أصبح للأزمة الأمريكية مظاهرها الدولية، وبما يعني أن العالم على وشك السقوط في خضم أزمة عامة، لا أحد يستطيع التكهن بمداها، ويصعب الجزم بأن تكون مجرد أزمة عابرة. لحظة ضعف المؤشرات على المستوى العالمي لا تبشر بالخير ولا تدعو للتفاؤل، فطبقا لتقرير صادر عن مؤسسة مورجان ستانلي الأمريكية للاستثمار فإن الحد الأدنى من النمو المطلوب لتجنب الاقتصاد الدولي مخاطر الركود لا يجب أن يقل عن 2.5% إلا أن ذلك - طبقا لمورجان ستانلي - لن يتحقق خلال هذا العام، أو العام القادم، كما تؤكد كل المعطيات الراهنة، وحتى التوقعات في المدى القريب. في ذات السياق جاءت العديد من التوقعات للمؤسسات الاقتصادية الدولية، وفي المقدمة صندوق النقد الدولي الذي توقع ألا يتجاوز النمو الاقتصادي في الدول الصناعية الكبرى 1.3% خلال 2001 و2.1% في 2002، بينما كانت التوقعات السابقة تضاعف تلك النسب تقريبا، والتقت توقعات منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي في الدول الصناعية إلى أدنى مستوى منذ 1982، وأرجع البنك الدولي تفسير المشهد الراهن إلى أن هجمات سبتمبر قد اصابت الاقتصاد العالمي في لحظة ضعف. وإذا كان المشهد على هذا النحو في الولايات المتحدة، والدول الصناعية الكبرى، فإن الوضع - دون شك - أسوأ بكثير في العالم النامي، إذ أكد تقرير للبنك الدولي أن أكثر المتضررين نتيجة التباطؤ الاقتصادي العالمي كان فقراء العالم، في الدول النامية، حيث نضبت مصادر الدخل التجاري والسياحي، كما أن عمليات أقراض الدول النامية العالية المخاطر قد توقفت تماما بالنسبة للجميع بإستثناء المقترضين الجيدين! ظلال قاتمة العديد من المراقبين والمحللين يحذرون من أن النتائج التي يعاني منها الجميع ليست هي الأخطر أو الأكثر إيلافا حتى الآن، وأن محاولة بث التفاؤل بالنسبة لآثار الإجراءات التي تتخذها إدارة بوش لتجاوز الأزمة ليست في محلها،وأن الرهان على أن الركود الأمريكي سوف يكون قصيرا ومحددا رهان خاسر، لأن الركود طبقا للحسابات الدقيقة - بعيدا عن تصريحات المسئولين الذين يحاولون رفع المعنويات - سوف يكون أعمق وأطول مما توقع معظم الخبراء، لأن السبب الحقيقي في الوضع الاقتصادي الراهن ليس ما حدث في سبتمبر ولكنه يعود - بالاساس - إلى عدم الموازنة الكبيرة في القطاع الاقتصادي والمالي الأمريكي - وما يلقيه ذلك من ظلال قائمة على الاقتصاد العالمي - سواء بالنسبة للدول الصناعية أو النامية - الأمر الذي يذكر بمشهد الثلاثينيات. والأمر هنا لا علاقة له بتفاؤل أو تشاؤم، بقدر ما يتعلق بالأرقام التي تتوقعها مؤسسات اقتصادية دولية أمريكية، تتفق على أن معدل النمو المتوقع يأتي دون نسبة 2% بما يعني أن العالم مقدم على فترة كساد، وليس مجرد ركود أو تباطؤ. أن المشهد المتوقع - إذن - يأتي مساويا لأسوأ معدلات نمو سجلها العالم خلال نصف قرن مضى، بين عامي 1982 و1991، الى حجم ما حدث في سبتمبر ودلالاته زاد من إدراك الجميع - مستهلكين ومستثمرين وقطاعات الأعمال - بالمخاطر التي أصبح على العالم أن يواجهها بآليات غير تقليدية، لأن ما يحدث وإن كان يتشابه من حيث المعدلات والنسب الرقمية مع أحداث مضت، إلا أنه في مجمل المشهد بمفرداته الدرامية غير مسبوق، وبالتالي فإن حالة القلق الراهنة تهدد بمزيد من تفاقم الأزمة، خاصة إذا اعتمدت قرارات المواجهة على المهدئات في الداخل وتغليب الأمن في الخارج، كما يبدو أن بوش مرتاح إلى تلك الوصفة! لقد تمثلت المهدئات في الداخل في تبني بوش لخفض الضرائب، واللجوء لعمليات خفض الفائدة منذ بداية العام، إلا أن الحل الأول لن يفيد المستثمرين كثيرا، كما أن عمليات خفض الفائدة إلى مستويات التضخم التي تتجاوز سعر الفائدة، سوف تجعل عملة الدولار بدون فوائد فعليا، والنتيجة تصب في ذات الخانة، أي دفع المودعين والمستثمرين للهرب، أما فيما يتعلق بمسألة الأمن فإن كل الشواهد تؤكد أن الأمن سوف يكون له الأولوية المطلقة في رسم خريطة العلاقات الخارجية الأمريكية خلال المرحلة القادمة، بما ينعكس بالسلب على مواصلة الاهتمام بالقضايا المؤثرة على الاقتصاد العالمي بالفعل. ولاشك أن مزيداً من الجرعات الخاطئة للمريض يمكن أن يودي بحياته، من ثم فإن الاكتفاء بما يفعله قائد القاطرة الأمريكية لن يجدى بالنسبة للجميع، وكما قادت القاطرة فترة ثمانية أعوام من الإزدهار، فإنها تعود سنوات من الكساد الذي سوف يجتاح العالم بدوله المتقدمة والنامية على السواء. من ثم يصبح السؤال المطروح هنا: كيف يمكن محاصرة مخاطر الكساد زمنيا؟ أو بصياغة أخرى: كيف يمكن ضغط مرحلة الكساد في أضيق حيز زمني ؟ الأمر يتطلب - بداية - ألا تستأثر الولايات المتحدة بفرض علاج للأزمة الاقتصادية، وبما يحقق مصالحها فقط، ولكن كما يطرح فيليب ما يشتاد رئيس بنك الاستثمار الأوروبي فإن الأمر يحتاج إلى بناء استراتيجية دولية، وليست إقليمية - ناهيك عن أن تكون أمريكية - لعلاج الأزمة الاقتصادية فورا ودون إبطاء، لأن على حد ما ذهب إليه ما يشتاد، ما من دولة سوف تكون قادرة على إيجاد حلول بمفردها، بالقطع بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها، وإن لم يقلها المسئول الأوروبي رفيع المستوى! أن الهم الأكبر لإدارة بوش سوف يتركز على اعادة الأسواق المالية إلى المستويات التي كانت عليها قبل أحداث سبتمبر، إلا أن الخبراء يحذرون من أن ذلك لن يؤدي إلا إلى مضاعفة المخاوف على مبادرات النمو، وربما كانت أوروبا المؤهلة أكثر من غيرها على مكاشفة حليفتها على الجانب الآخر من الاطلنطي بعبثية الإجراءات التي لا تسفر إلا عن تنشيط الأسواق المالية، لأن جذور الأزمة الراهنة، خاصة بعد أحداث سبتمبر - أعمق كثيرا من العلاج الجزئي لأحد جوانب الازمة، وإذا ما حاولت إدارة بوش أن تتخذ إجراءات قصيرة الأجل سريعة، فقط فإن المحصلة لن تكون جيدة لا داخل الولايات المتحدة ولا خارجها في مدى زمني غير بعيد، من ثم فإن على قائد القاطرة أن يفكر حاليا في استبدال المحرك، أو تغيير القضبان، بما يؤكد للعالم أن بوش يتصرف بإستراتيجية طويلة المدى تضع الآخرين في الاعتبار. بقلم: علاء عبد الوهاب ـ كاتب مصري