لم تكن احداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الامريكية إلا انكشافاً واضحاً لتلك الاقتصادات العالمية التي اتخذت سبيلها من خلال ما كانت تقوم به الادارات الامريكية المتعاقبة من محاولات جادة في تأسيس نظامها العولمي، الذي قدم أولويات نظريته الاقتصادية على كل المباديء العالمية التي بدت ضعيفة بشكل نسبي امام تلك الهجمة الواضعة نصب أعينها المصلحة الاقتصادية الخاصة لعالم جديد تم تأسيس اولوياته في مراكز صنع القرار الامريكي، وضمن السير في هذه الاولويات بدت السياسة الامريكية سياسة متعصبة ولكنها سرعان ما انكشفت على وجوه جديدة منها الوجه البراجماتي الذي توضحت صورته بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر اذ الغت الحكومة الامريكية العقوبات الاقتصادية على الهند وباكستان ولابد انها قدمت تنازلات اقتصادية لكل من روسيا والصين كي تقفا معها في حربها ضد الارهاب. السياسة العولمية الجديدة عندما شنت الولايات المتحدة حربها في افغانستان تبادر اعتقاد عالمي جديد ان هذه الحرب قد حولت العولمة الاقتصادية الى عولمة عسكرية وكان هذا الاعتقاد مشروعا بطبيعة الحال لان العولمة الامريكية لم تستطع ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق ان تؤسس لما كانت تسعى اليه على المستوى العالمي فهي قد وقعت امام طاريء جديد لم تكن تظن انه سيكون الطاريء المنافس وهو تلك القوة التي اظهرها الاتحاد الاوروبي وعملته «اليورو» التي يمكن ان تتحدى الدولار وهي بذلك قد استيقظت على متحد جديد هو بالاساس حليف لها بشكل سياسي على اقل تقدير. ان الولايات المتحدة امام هذه الخيارات المفروضة وقبل الطارئة اي قبل حربها في افغانستان قد قرأت واقعا جديدا تجلى بحالة الانكماش الاقتصادي العالمي سواء داخل الولايات المتحدة ذاتها في خارج اسواقها الداخلية مما اوجد حالة فراغ اقتصادي عالمي بدا خطيرا عليها اولا وعلى سياستها العولمية ثانيا، ومن هنا جاء الاعتقاد بالعولمة العسكرية التي لا يمكن لنا ان نتناسى اساسها الاقتصادي من خلال قراءة الواقع قبل احداث واشنطن ونيويورك، فعلى المستوى العالمي لم تسجل اية مؤشرات ايجابية خلال العام الحالي وقبل الحادي عشر من سبتمبر سواء في دول الغرب او في دول آسيا حيث تراجعت مؤشرات الاسعار بشكل هائل وكذلك اسعار الفائدة ووصلت الى ادنى مستوياتها منذ عشر سنوات وكذلك ارتفعت نسبة البطالة ووصلت في الولايات المتحدة الى 5.4% وهي اعلى نسبة منذ عام 1996 وخلال الربع الثالث من العام الحالي انخفض الناتج الامريكي بمعدل 0.4% وخلال هذا العام فإن البنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي قد خفض اسعار الفائدة ثماني مرات في محاولة منه لتحريك الاقتصاد وهذه المؤشرات يمكن حسابها امام السعي الامريكي نحو العولمة بأنها الكارثة الداخلة في صلب الاقتصاد الذي سعى الى تأسيس نمط عالمي جديد يستطيع التحكم به عن بعد. ومع كل هذا التدهور الاقتصادي العالمي فإن الولايات المتحدة وحتى دول العالم اجمع وقفوا امام برجي التجارة العالميين مذهولين ليس فقط من حجم الكارثة التي حلت بالولايات المتحدة بل بالكارثة الاقتصادية التي يمكن ان تحل بهم وكانت النتيجة مباشرة حيث انخفض سعر الدولار امام العملات العالمية وخالف هذه المرة القوة التي كان يتمتع بها امام الازمات العالمية حيث كان يعتمد عليه في كل الازمات وصارت العملة التي تفردت بقوتها في كل الحروب هي العملة الاكثر عرضة للخطر في عالم المال وهذا بالطبع كان مباشرة بعد الحدث، واتى اغلاق «وول ستريت» لمدة اربعة ايام وهي المرة الاولى التي يغلق فيها وكان مؤشرا مباشرا على شكل الانهيار الاقتصادي العالمي بشكل عام والامريكي بشكل خاص. ان هذه الحرب سجلت اعلى معدلات الانخفاض فقد خسر الاقتصاد الامريكي 415 الف وظيفة وانهارت شركات الطيران وشركات السياحة والخدمات والفنادق وصرفت الولايات المتحدة في البداية خمسة مليارات لتعوض هذه الخسائر ولكن الشركات مازالت تطالب بخمسة عشر مليار دولار كي تنهض على قدميها من جديد ولكن ومع مرور الايام بدأ التأثير المباشر يظهر بشكل اكثر وضوحا فقد بدأت الشركات تتخوف من الاستثمار وتراجعت الصادرات الامريكية والعالمية بشكل غير متوقع وظهر الانكماش الاقتصادي في اليابان وفي اسيا وامريكا اللاتينية وبدلا مما هو متوقع في نهوض الاقتصاد الاوروبي على حساب الاقتصاد الامريكي فقد عانى هو الآخر من التدهور العالمي الذي حل عليه سلبا دون سابق انذار ففي البداية توقع بعض المراقبين الاقتصاديين ان ينشط اقتصاد اوروبا على حساب الاقتصاد الامريكي ولكن الواقع جاء غير ذلك مما كان متوقعا فالبنك الاوروبي خفض معدل الفائدة محاولا انقاذ اقتصاده ولكن مع ذلك لم يكن لهذا التخفيض اي تأثير وان كان هناك تأثير فهو تأثير بطيء وغير واضح مما دعا هيرفي كوليكس رئيس قسم الاقتصاد في بنك ليوني الفرنسي الى القول ان اوروبا لا يمكن ان تنجو من الاعصار الاقتصادي في حين ظهرت عدم قدرتها على تحقيق نموذ ذاتي ومن الواضح ان الآثار الاقتصادية العالمية لحرب الولايات المتحدة لا يمكن الآن حصرها رغم كل المؤشرات التي تتضح يوما بعد يوم لان مؤشرات التراجع في الاقتصادات العالمية اخذت في الفترة الاخيرة طريقا جديدا حيث اعادت كل الحسابات التي وضعت قبل الضربة او حتى في بدايتها. الفقر في دول الفقر لايمكن ان ننكر ان ما حصل في الولايات المتحدة بعد التفجير قد انعكس بشكل مباشر على اقتصادات الدول الغنية ولكن هل بقيت الدول النامية بمنأى عن هذه الانعكاسات؟ الواقع ان دول الجنوب الفقيرة كانت دائما المتأثر الاول بالعولمة الامريكية وازداد هذا التأثير بعد الاحداث العالمية المتسارعة حيث وجدت الولايات المتحدة فرصتها للضغط على تلك الدول كي تقف معها ضد الارهاب وإلا كانت راعية له وممن تدعم الارهاب العالمي، وقد اشاعت الولايات المتحدة مقولة غير مباشرة هددت من خلالها كل الدول الفقيرة فقد قال الرئيس الامريكي جورج بوش موجها كلامه بشكل خاص للدول الفقيرة اننا لا نريد الوقوف في الوسط بل نريد من دول العالم ان تقف اما ضدنا او معنا وبذلك فإن الاتهام بالارهاب قد وجه الى كل دول العالم الفقيرة التي تقع بالاساس تحت رحمة الدول الغنية وديونها وقد رأينا ان دول العالم قد وقفت كحد ادنى في العلن مع حرب الولايات المتحدة نتيجة خوفها ان تطالها هذه الحرب وبالمقابل فإن الادارة الامريكية قد وعدت مباشرة تلك الدول بالمساعدات ومثال ذلك باكستان وهي التي كانت تعاني من العقوبات الاقتصادية الامريكية. الواقع ان دول الجنوب تقع تحت رحمة الديون سواء قبل الحرب او بعدها وسواء من الولايات المتحدة او من اوروبا او من صندوق النقد والبنك الدولي والكل يسعى الى زيادة نشاطه كي تزداد ارباحه في هذه المرحلة خاصة مع تدهور التبادل التجاري والتغير المفاجيء في سعر صرف الدولار فالدول الغنية تسعى الآن الى اعطاء الدول ديونا كبيرة وبالمقابل تجعلها تحرك اسواقها الداخلية ومن ثم تحرك تلك الدول الاسواق الغنية ايضا بالتصدير الى الدول الفقيرة بمعنى آخر ان الدول الغنية تعطي باليمين لتأخذ باليسار؟ اضف الى ذلك ان مفارقة الديون مفارقة غريبة ومثال ذلك ان الدول الفقيرة قد اقترضت من الدول الغنية بين اعوام 1972 ـ 1992 حوالي 1935 مليار دولار وسددت اقساطا خلال الفترة نفسها 2237 مليار دولار ولاتزال حتى الآن مديونة بحوالي 1700 من ذلك القرض ونلاحظ ان ما سددته اكثر بكثير مما استدانته ومع ذلك بقيت الديون عليها. واما في الواقع الحالي فإن الدول الغربية تحاول تصدير ازماتها الى الدول النامية اي تريد ان تخرطها في الآثار البعيدة لهذه الحرب التي ستقع نتائجها اولا واخيرا على هذه الدول وهذا ما اشار اليه كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة بقوله عن هذه الحرب: ستكون نتائجها قاسية ومتعددة على ظروف حياة الشعوب الاكثر فقرا، ودعا الى شكل جديد من اشكال العولمة تشجع لتساعد على تنشيط العمالة، ان ما تريد الدول الغربية ان تصدره من ازمات ستكون نتائجه مباشرة وشديدة التعقيد على الدول النامية حتى ان سعت الولايات المتحدة الى تقديم دعمها الاقتصادي للدول الفقيرة فإن هذا الدعم سيساعد واشنطن على احتكار جديد يشتد كلما دعت الحاجة اليه. بقلم: محمد أحمد يوسف ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق