تؤشر المعلومات والبيانات التي تنشر يوما بعد يوم عن الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الامريكي والعالمي منذ انفجارات نيويورك وواشنطن التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر انها ضخمة ومتصاعدة وفاقت كل التوقعات السابقة، بل انها قد تكون الاسوأ في تاريخ امريكا الى جانب التأثيرات الاقتصادية التي تركتها هذه الانفجارات على الاقتصاد العالمي المرتبط اصلا بالاقتصاد الامريكي والذي يشكل مع الاقتصاد الامريكي النظام الرأسمالي بشكل عام. ويرى العديد من الخبراء ان هذه التأثيرات زادت بعد الحرب التي شنتها امريكا الان على افغانستان حيث انكمشت الاستثمارات الدولية وبدأت تتحول الى مناطق اخرى من العالم وخصوصا اوروبا واليابان. وقد يؤدي الانفاق الباهظ على الحرب الى اضعاف القوة الانتاجية للاقتصاد الامريكي ويحد من قوته على المدى البعيد. ان الكارثة التي اصابت الاقتصاد الامريكي منذ 11 سبتمبر ليس حالها حجم الدمار الذي اصاب وول ستريت او تدمير مركز التجارة العالمي فيه فقط فالخسائر المادية في الممتلكات سهل جدا معالجتها في امريكا حتى لو كانت كوارث وأعاصير تدمر مناطق بأسرها واحياء بأكملها. ولكن الكارثة الحقيقية تكمن في ان مركز التجارة العالمي كان يمتلك الى جانب العقول الاقتصادية اضخم اربعة آلاف شركة في العام على رأسها الاسواق المالية والشركات الصانعة الكبرى في العالم والتي تتحكم بمئات المليارات والتي اندثرت اوراقها ومستنداتها وعقودها وديسكات المعلومات المرتبطة بالعقود اليومية والعقود التي تحدث بالساعة والدقيقة والثانية، وبعد فقدان تلك المعلومات والعقود والمستندات اصبح هناك فراغ كبير في المعلومة التي اصبحت موجودة عند طرف ومجهولة في طرف آخر، وكذلك العقود والمستندات والاوراق المالية مما ادى الى حدوث فوضى ادارية عارمة جعلت جميع المرتبطين بعقود مع مركز التجارة العالمي يلجأون الى انقاذ ما يمكن انقاذه والفرار ببقية اموالهم وبيع كل اسهمهم المالية لتوقعهم ان هذه الاسهم آيلة للسقوط ومع نزول كل المؤشرات في الاسواق المالية في نيويورك توقع جميع اصحاب رؤوس الاموال الكبيرة استمرار النزول بشكل متسارع الامر الذي دفع الجميع الى البيع السريع هذا الامر ادى الى حدوث ارباكات اقتصادية ضخمة وخسائر مالية اضخم فلقد اوردت مجلة نيوزويك الامريكية بعد اسبوعين من حوادث نيويورك اوردت بيانات حول حجم الخسائر، حيث قالت ان كلفة الهبوط المفاجيء في انفاق المستهلكين يفرض ثمنا باهظا على الاعمال، واقرت المجلة أن رزمه الحواجز الفيدرالية التي يتم النظر فيها من اجل تعزيز الاقتصاد وتتمثل في تخفيضات ضريبية بنحو 140 مليار دولار وان عدد التخفيضات في الوظائف التي تم الاعلان عنها بلغت اكثر من نصف مليون وظيفة كما ان قيمة خسائر سوق الاسهم خلال الاسبوع الاول من المتاجرة منذ 11 سبتمبر قدرت بنحو 1.38 تريليون دولار «1380 ملياراً»، كما ان الانخفاض الذي شهده مؤشر داوجونز الصناعي الاغنى والاكبر في الاسواق العالمية، هو اكبر انزلاق في تاريخ الاسواق العالمية منذ الركود الكبير الذي حصل في الثلاثينات والذي بلغ في الاسبوع الاول فقط نحو 14.3% ليصل الانخفاض منذ مطلع العام الجاري الى نحو 20% فيما بلغ انخفاض مؤشر ناسداك 19% وفي وول ستريت قدرت خسائر الاسهم ب 1.4 تريليون دولار، فيما تجاوز التقديرات الاولية للاضرار الناجمة عن احداث نيويورك اكثر من 60 مليار دولار، 20 ملياراً من الاضرار في الممتلكات و 40 مليار دولار من الخسائر في الناتج المفقود. ويرى الخبراء ان من اهم الاسباب التي عجلت بهذا الركود هو الفاتورة الضخمة التي تنتظر الولايات المتحدة في صورة الانفاق على التجهيزات العسكرية وتكاليف تعويض القطاعات الامريكية المتضررة من الهجمات الاخيرة ولا يوجد سبيل لدى الولايات المتحدة لتدبير مثل هذه الموارد المالية الهائلة سوى امرين الاول هو اللجوء الى زيادة معدلات الضرائب وتقليص حجم الدعم الممنوح للمستهلكين والمنتجين، ولكن هذا الخيار سيؤدي الى تراجع مستويات الادخار والانفاق والدخول في دوامة اخرى من التراجع ، فيما يعد الخيار الثاني المتاح امام الحكومة الامريكية هو اللجوء الى البنك المركزي لطبع كمية تكفي من الدولارات لسد هذه الفجوة، وهو الامر الكفيل بحد ذاته لخفض مستويات القدرة الشرائية للدولار وزيادة معدلات التضخم ولتكون نتيجته ايضا دفع الاقتصاد الامريكي نحو مزيد من التراجع. وانا اعتقد ايضا ان امريكا اذكى من أن تنزل تلك الدولارات غير المغطاة بشيء اساسا في الاسواق الامريكية ولكنها تنزلها في الاسواق العالمية لتشتري بها الذهب والفضة والالماس والثروات العالمية، ولتشارك بها كل اقتصاد العالم فتكون بذلك قد اخرجت من مطبعتها ورقاً وادخلت بدلاً منه اقتصاداً حقيقياً ولكني اعتقد ان هذه المرة لن ينجح أي شيء بمعالجة الاقتصادي الامريكي ومنع الانهيار، وذلك لحجم الكارثة الهائلة والتي شلت عقول المخططين الاقتصاديين بسبب الفشل الذي لحق بكل المخططات التي وضعوها ولسوء حظ القائمين على الاقتصاد الامريكي انهم كلما مشوا في خطة اقتصادية واعتقدوا انهم بدأوا يسيطرون شيئاً ما على الانهيار خرج لهم حدث سياسي جديد ليفشل لهم مخططهم مثل الجمرة الخبيثة ثم تلاها وقوع الطائرة الاخيرة فوق اغنى احياء نيويورك بعد تهديدات من تنظيم القاعدة على لسان ايمن الظواهر. هذا الامر تسبب بخسائر وصلت الى مليار دولار بعد ساعة من الحدث، بالرغم من ان المعلومات الان ان الاسواق عادت لهدوئها بعد الاخبار المتواردة من افغانستان عن انهيار حركة طالبان فاذا اتضح غدا ان حركة طالبان لم تنهار ولكنها دخلت في تكتيك عسكري لجلب قوات التحالف الى داخل المدن لمقاتلتها وتحييد القصف الجوي سوف تعود تلك الاسواق الى النزول السريع مرة اخرى ومن هذا يتضح ان الاقتصاد الامريكي اصبح اقتصاداً مهزوزاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ويرى العديد من الخبراء ان الخسائر التي منيت بها الولايات المتحدة ستضع العديد من علامات الاستفهام امام مستقبل التجارة بهذه الاسهم علاوة على تدهور الثقة من المستثمرين بهذا القطاع مستقبلا فقد سجل مؤشر داو جونز الصناعي الذي يمثل عمالقة الصناعة الامريكية اكبر انخفاض في تاريخه مساهما بذلك في رفع خسائر اسواق المال الامريكية الى زهاء 500 مليار دولار في يوم واحد فيما تقول مصادر امريكية ان خسائر البورصات الامريكية تجاوزت اربعة تريليونات دولار منذ مطلع السنة الجارية وحتى العشرين من سبتمبر فقط. وهذا الامر سيفيد الوحدة الاوروبية مستقبلا وليس حاليا، وذلك لان اوروبا الان مرتبطة بالاقتصاد الامريكي فلذلك سوف تتضرر مرحليا، ولكن من المتوقع ان تتوجه رؤوس الاموال العالمية الى الاستثمار في اماكن اكثر امنا وهي بالتأكيد اوروبا واليابان، والان الصين بعد ان دخلت منظمة التجارة العالمية هي وتايوان، مما سيحسن اقتصاد اوروبا بالمستقبل العاجل وخاصة ان دول اوروبا اصبح لها سوق مشتركة وعملة واحدة ومخططات اقتصادية مشتركة. لقد فشل الرئيس الامريكي جورج بوش في اقناع المستثمرين بالبقاء والاستثمار بالولايات المتحدة خاصة مع اتجاهه الى حرب غير مضمونة النتائج واذا كان المحللون يقولون ان الوقت لا يزال مبكرا لتقويم مدى اثر الهجمات وانهيار طالبان على مستقبل نحو اربعة تريليونات دولار من الاموال الاجنبية المستثمرة في بورصة وول ستريت فان هؤلاء يؤكدون ان تورط الولايات المتحدة في ازمة جيو سياسية طويلة الامد قد يدفع بأعداد متزايد من المستثمرين الدوليين الى منطقة اليورو او مناطق اخرى من العالم ولكن لا اعتقد ان هذه المناطق سيكون من ضمنها دول شرق اسيا او بما عرف سابقا بالنمر الاسيوي، وذلك لفقدان ثقة المستثمرين العالميين بهم بعد الهزة التي تعرض لها اقتصاد العالم من جراء الازمة المالية الاسيوية عام 1997، بالرغم من انني اعتقد شخصيا ان الانهيار الذي تعرضت له دول شرق اسيا تباعا لم يكن عفويا ولكنه كان واضحاً انه من ضمن مخطط امريكي وكانت ادواته رأسمالية يهودية اوقعت هذه الدول في فخ اقتصادي كبير من خلال المساهمة الكبيرة في الاسواق المالية ومن ثم التحكم بالاسواق والبيع السريع الذي ادى الى انهيار سريع. وتبين ان النمر الاسيوي ما هو الا نمر من ورق اما الدول العربية والتي كانت كلها تمر في ازمات اقتصادية خانقة حتى دول البترول ومصر التي ضربت بحجر كبير بنجاح التنمية فيها الى درجة مساواتها مع بعض الدول الصاعدة في الاقتصاد وايضا الدول العربية الفقيرة دائما والتي لا تستطيع القيام بأمورها الحياتية دون دعم خارجي الى جانب العراق وليبيا والسودان الذين تعرضوا الى حصار اقتصادي دمر اقتصادهم المهزوز اساسا بسبب المشاكل مع دول العالم باستثناء السودان التي نما اقتصادها بشكل ملحوظ رغم الحصار الجزئي المفروض عليها والذي رفع مؤخرا وسبب هذا النمو هو نجاح خطط التنمية في السودان والتي اعتمدت على زراعة الاراضي الشاسعة مما ادى الى ان السودان اصبحت من الدول المصدرة للحوم والحبوب والسكر فالسودان في طريقه لان يحقق المقولة ان السودان سلة خبز العرب. رغم ثقل المشاكل في جنوبه والحرب الاهلية التي ورثها نظام البشير إلا أن معظم الدول العربية تأثرت تأثيرا كبير بأحداث 11 سبتمبر فالدول العربية ذات الموارد الكبيرة اصابها ما اصاب العالم من الخسائر في البورصات فهي من الدول التي لها مساهمات كبيرة في الاسواق العالمية وخصوصا الامريكية. اما الدول العربية الفقيرة فأن هذه الدول لن تجد من يسندها في اقتصادها سواء من الدول الشقيقة أو الغرب وامريكا وذلك لان الاولويات عند هذه الدول للوضع الاقتصادي الداخلي فلم يعد بعد 11 سبتمبر أي فائض للصدقات. بقلم: مأمون اسعد التميمي ـ عضو المجلس المركزي الفلسطيني