احدثت الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة الامريكية يوم الحادي عشر من سبتمبر الماضي الكثير من النتائج والمضاعفات على مجمل الاقتصاد العالمي وانعكس ذلك بتأثيرات متفاوتة على كل دول العالم بما في ذلك الدول العربية، وعلى الرغم من ان تلك الاحداث انطوت على ابعاد سياسية وامنية إلا ان انعكاساتها على الاوضاع الاقتصادية العالمية كانت كبيرة جداً لدرجة ان بعض المصادر تقدر الخسائر التي لحقت بالولايات المتحدة وحدها اكثر من 200 مليار دولار. وقد كانت شركات الطيران والتأمين واعادة التأمين وقطاعات السياحة والسفر والنقل الاكثر تأثراً بما جرى لان احداث 11 سبتمر استهدفت على ما يبدو اهم واخطر القطاعات في منظومة الاقتصاد الدولي. وعلى الرغم من المحاولات الكبيرة التي تبذل الآن من اجل اخراج الاقتصاد العالمي من حالة الركود التي اصابته جراء تلك الاحداث فإن النتائج كانت محدودة للغاية بدليل ان خسائر قطاع النقل الجوي في الولايات المتحدة لاتزال كبيرة وجسيمة حتى الآن. وتنبأ التوقعات الى ان هذه الازمة قد تستمر لعشر سنوات قادمة الامر الذي سيدخل الاقتصاد العالمي في دورة من الانكماش والركود الشاملين. وينظر الخبراء الامريكيون الى هذه الحالة بأنها من النوع غير القابل للمعالجة السريعة الامر الذي يزيد من حجم الخسائر المالية والاقتصادية، وتحاول الولايات المتحدة والدول الغربية الاخرى تطبيق بعض الاجراءات الاستثنائية لكن من دون نتائج حاسمة حتى الآن بدليل ان قطاع النقل الجوي في الولايات المتحدة لايزال يئن تحت صدمة احداث 11 سبتمر. الخسائر العربية وقد كانت الدول العربية في طليعة دول العالم التي تأثرت بالهجمات الارهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة اذ ان انخفاض اسعار النفط بسبب تراجع الطلب على البترول في السوق العالمية وانحدار سعر البرميل الواحد الى نحو 18 دولارا قد ضاعف من خسائر الدول العربية المصدرة للنفط حتى ان مصادر ـ اوبك ـ تقدر هذه الخسائر بمليارات الدولارات. ويؤكد المحللون الاقتصاديون ان انخفاض اسعار النفط عالميا قد ادى الى تأثر العديد من القطاعات العربية بصورة سلبية حيث ان النتائج انعكست على خطط تمويل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية على مستوى المنطقة فقد تم تجميد العشرات من المشاريع الاستراتيجية بسبب النقص الحاصل في مصادر التمويل، كما ان صناديق التمويل العربية وضعت ما يشبه خطط الطواريء والتقشف لانها وجدت ان هناك صعوبات كبيرة لابد ان تواجه نشاطها خلال هذه المرحلة وبسبب هذا الوضع الطاريء صرفت الكثير من الدول العربية النظر عن سياسة الاقراض لان الجهات المقترضة اصبحت تفرض شروطاً جديدة على الدول والحكومات التي ترغب في الحصول على الاموال والقروض وانعكس ذلك بصورة سلبية على مجمل النشاط الاستثماري وحركة تدفق الاستثمارات الى الدول العربية الامر الذي ادى الى تراجع معدلات النمو، ففي تقرير للمؤسسة العربية لضمان الاستثمار فإن احداث 11 سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة ادت الى حدوث تراجع واضح في معدل النمو على مستوى الدول العربية ويشير الى ان هذا المعدل قد وصل الى اقل من 1.3بالمئة ويعد هذا على درجة كبيرة من الخطورة لان الاقتصاديات العربية تعتمد على العائدات النفطية بالدرجة الاولى وبالتالي فإن دخول هذه الاقتصاديات في دورة من الانكماش سيفضي الى تأثيرات قوية على مجمل القطاعات الانتاجية والخدمية العربية. النقل والتأمين والى جانب تلك الخسائر المباشرة فإن قطاع النقل الجوي العربي قد تأثر بدوره باحداث الولايات المتحدة حيث ان معظم شركات الطيران العربية قد اضطرت الى تقليص رحلاتها من المنطقة العربية الى اوروبا وامريكا وبالعكس. وحتى في دولة مثل سوريا فإن الخسائر كانت كبيرة لان مصادر شركات الطيران السورية تؤكد ان حجم هذه الخسائر وصل الى 60 بالمئة من العائدات المحققة في الاحوال العادية. وتضيف هذه المصادر انه تم الغاء الكثير من الحجوزات الى امريكا والدول الغربية الاخرى. كما ان قطاع التأمين واعادة التأمين العربي تعرض بدوره للكثير من الخسائر لان النقل الجوي اصبح محكوما بزيادة التأمين على بطاقات السفر مقارنة مع الاحوال العادية والى جانب ذلك فإن القطاع السياحي في كل انحاء العالم قد تأثر بشكل لافت، اذ ان نحو مليون بريطاني قد الغوا رحلات سفر الى الخارج بعد وقوع احداث 11 سبتمبر الماضي. وهناك حالات مماثلة في فرنسا ودول اوروبية اخرى وقد كان من الطبيعي ان تتأثر الدول العربية بهذا الوضع الجديد حيث تؤكد المصادر ان قطاع السياحة في دول مثل مصر وتونس والمغرب وسوريا قد تعرض لسلسلة من الخسائر المادية وهي تقدر بملايين الدولارات. ويشير خبراء منظمة السياحة العالمية الى ان هذه الخسائر لابد ان تزداد خلال موسم الربيع المقبل الذي يشهد عادة نشاطات واسعة الى دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وللتذكير فقط فإن هناك الكثير من الدول العربية التي تعتمد على العائدات السياحية مثل تونس والمغرب وغيرها، وعندما يتم احصاء حجم الخسائر الاجمالية فإن الارقام ستكون كبيرة جدا سواء على الصعيد العالمي أوالعربي. وتكمن المشكلة في ان حركة السياحة العالمية باتت مترابطة مع بعضها بعضا الى ابعد الحدود وبالتالي فإن تعرض اي اقليم سياحي دولي لأحداث غير عادية لابد ان ينعكس على بقية الاقاليم ولان المنطقة العربية تعد اكثر التصاقا بأوروبا والولايات المتحدة فإن ما جرى في 11 سبتمبر قد ادى مباشرة الى تقليص عدد الافواج السياحية الى الدول العربية بصورة كبيرة جدا حتى ان النشاط السياحي يكاد يتوقف في عدد من الاقطار. وثمة توقعات بأن احداث امريكا ستدفع بالرساميل والتوظيفات العربية الموجودة في الخارج الى التفكير جديا بالعودة الى المنطقة العربية نفسها على اساس ان الاستثمار في دول الشرق الاوسط اصبح اكثر امنا وضمانة من الغرب وامريكا، ويقدر الخبراء حجم الرساميل العربية في الخارج بنحو 800 مليار دولار امريكي وان عودة نسبة 20 بالمئة من هذه الاموال الى المنطقة العربية سيؤدي مباشرة الى انعاش نمو الاقتصاديات العربية بصورة سريعة وذكرت بعض المصادر السورية ان حجم الاموال السورية في الخارج هي بحدود 65 مليار دولار وان السلطات السورية تتخذ الاجراءات والاستعدادات اللازمة لاستقبال هذه الاموال الى جانب اجزاء من الرساميل العربية. وتؤكد هذه المصادر ان تطوير قوانين الاستثمار في سوريا والدول العربية الاخرى وتوسيع دائرة الخدمات واعادة النظر في قوانين التجارة الخارجية كلها باتت من العوامل المساعدة على تشجيع واجتذاب الرساميل في الخارج للعودة الى هذه الدول والاستقرار فيها ولكن ذلك لن يكون كافيا للتعويض عن الخسائر المالية الكبيرة التي تعرضت لها الدول العربية من جراء احداث 11 سبتمبر الماضي لاسيما في قطاعات النقل والسياحة والسفر والاستثمار والتأمين واعادة التأمين ويؤكد الخبراء ان عودة بعض الرساميل العربية من الخارج قد تسهم في التخفيف من الاضرار والآثار الاقتصادية إلا انه بالمحصلة النهائية لابد من التفكير في عدد من الخطوات والاجراءات القادرة على احداث تطور شامل في الحركة الاقتصادية كلها. ومن هنا نؤكد ان الوقت قد حان لكي يتجه العرب نحو تحقيق المزيد من خطوات التكامل الاقتصادي لان ذلك هو السبيل الوحيد لتجنيب الاقطار العربية خسائر اضافية لاسيما في السنوات المقبلة. تحرير التجارة العربية وهنا تبرز اهمية تقليص خطوات واجراءات تحرير التجارة العربية سواء في اطار منطقة التجارة العربية الكبرى او على مستوى العلاقات الثنائية بين الدول العربية اذ انه يمكن وفق تقديرات الخبراء ان يتم اختصار الفترة الزمنية بشأن الغاء الرسوم الجمركية بين الدول العربية الى ثلاث سنوات بدلا من خمس سنوات كما ان توسيع دائرة الاتفاقيات والعقود التجارية بين معظم الاقطار العربية من شأنه ان يساعد كثيرا على التقليل من الخسائر الاقتصادية القومية. وعندما يتحقق التكامل الاقتصادي العربي ويجرى تفعيل السوق العربية الموحدة فإن الدول العربية ستكون قادرة على مواجهة اية ازمات او حالات طارئة في الوضع الاقتصادي العالمي وهذا ما بدأت الحكومات العربية تدركه الآن الامر الذي زاد من قناعتها بضرورة تسريع وتكثيف خطوات التعامل في المجالات الاقتصادية والتجارية. ان حجم الخسائر الاقتصادية التي لحقت بالدول العربية جراء احداث 11 سبتمبر الماضي يفترض عدم الاستهانة بها لان تأثيراتها قد تمتد لسنوات طويلة وهو الامر الذي سينعكس بالتأكيد على الدورة الاقتصادية العربية سيما اذا ما ترافق ذلك مع استمرار انخفاض اسعار النفط الامر الذي سيتضاعف من حجم الخسارة وقد يعزز تداعيات في غاية الخطورة. بقلم: فريزة عطية ـ كاتبة سورية