دفعت احداث 11 سبتمبر في امريكا محركي الاقتصاد العالمي، وكبار ملاك رؤوس الاموال والشركات متعددة الجنسيات، نحو وقفة مراجعة شاملة لمنظومة التجارة العالمية، واكبها انتشار تكهنات من حيث تدهور اقتصادي، يؤدي لحالة عامة من الركود الدولي، لكن هناك مدرسة اقتصادية ثانية شككت في مصداقية واهداف محطة هذه المراجعة، ووصفتها بأنها استغلال لحدث دولي كبير، استعان به هؤلاء لصناعة موقف لبث المخاوف. ومن ناحية ثانية جني ثمار مالية كبيرة من ابواب خلفية، وهناك فريق ثالث يؤكد ان المداخيل القومية للدول الفقيرة فقط هي التي ستتأثر، وستمتد الاضرار الى ما بعد انتهاء حرب التحالف الدولي ضد افغانستان، هذا اضافة لمدرسة رابعة تقول ان الآثار الاقتصادية على العالم نتيجة احداث 11 سبتمبر وتداعياتها، هي مزيج يجمع بعضاً من التكهنات النظرية والمواقف والاجراءات التي اتخذتها الدول الرأسمالية الكبرى بغض النظر عن مصداقيتها من عدمه، وتؤكد المعلومات ان 50% من سكان المعمورة البالغ عددهم 6 مليارات نسمة مجبرون على تغطية احتياجاتهم للحياة اليومية بأقل من دولارين، كما ان 1.2 مليار نسمة يعيشون تحت خط الفقر، في الوقت الذي يموت فيه مئات آلاف الاطفال بسبب نقص الدواء فهل سيزداد الفقراء فقراً، والاثرياء ثراء بسبب احداث 11 سبتمبر؟ «الملف السياسي» التقى الدكتور ساندر دونك خبير الاقتصاد الاوروبي ومستشار الشركات الكبرى في هولندا لنستكشف منه الجوانب الحقيقية في وضعية الاقتصاد الدولي فيما بعد احداث 11 سبتمبر، ومدى فعالية آثارها في ظل المتغيرات المتلاحقة. يقول ساندر دونك لابد اولا من ذكر ان الارهاب الدولي في حالة حرب مع التنمية والتطور العالمي، ليس للقضاء عليه، ولكن تدفعه جذور الهوة الخطيرة بين عالم غني وآخر فقير، وكذلك خلل الموازين السياسية، هذا وتتجه انظار كثير من الدول الفقيرة للولايات المتحدة الامريكية، باعتبارها من كبريات الدول الغنية والاقوى ذات النفوذ، التي تتركز فيها ومن خلالها الرأسمالية الدولية، ومن التناقض الكبير ان الارهاب يحقق النتيجة العكسية، حيث ان الشخصية العالمية تزداد قوة ولنعرف ان مركز التجارة العالمية في امريكا يضم 81 جنسية مختلفة تجمعهم المصالح الاقتصادية المشتركة، وهم بمثابة شرايين حركة المال في العالم، وهؤلاء لن يتوقفوا عن العمل ولن يتناقصوا بل ستزداد سرعة دوران منظومة العمل على مزيد من الليبرالية في التجارة الدولية، كما انه من المتوقع ان يتزايد اقبال دول جديدة وشركات اضافية والمؤسسات المالية الكبرى، لارسال ممثلين لها في نيويورك وسيكون العمل بكثافة اكثر من ذي قبل، في ذات المناطق التي شهدت الاحداث. ـ رأيك وتوقعاتك تكاد تكون على النقيض تماما من معظم الآراء الاقتصادية.. ـ نحن نعيش عصراً نطلق عليه «اقتصاد الاربع وعشرين ساعة» وهذا يتضمن في بعض من محتواه الهزات الاقتصادية والضربات التي تتلقاها بعض الشركات الكبرى، وقد تعلن افلاسها بسبب تأثرها بحالة الركود لكن طاحونة الاقتصاد لا تتوقف، مثلا نعرف جميعا ان كثيراً من شركات الطيران في العالم عانت وتعاني من خسائر وبعضها اعلن افلاسه بالفعل، مثل شركة سابينا البلجيكية، لكن هل توقفت حالة الطيران من والى بلجيكا؟ لا.. ألم تسارع شركات اخرى بشرائها لانقاذها من وعكتها؟ نعم حدث ذلك.. المسألة تنحصر في ان الشركات التي كانت في الاصل متعثرة هي التي تأثرت اكثر بحادث 11 سبتمبر، اذن فهي عملية تبادلية حيث تنتقل رؤوس الاموال من مكان لاخر وكذلك الدول الفقيرة هي اكثر معاناة من الدول الغنية، ولنأخذ قطاع السياحة فهو تأثر في اماكن بعينها، بينما في بلاد اخرى لم يتأثر وطبعا لا نغفل ان الجوانب السياسية تعلب دوراً مؤثراً في كل ذلك، سواء محليا او دوليا، واذكر بهذه المناسبة العناصر التالية ذات التأثير: ـ الحرب الخفية والتي تتمثل في تصاعد الصراع الدائر بين حركة التجارة الحرة في الدول الديمقراطية الرأسمالية، والتجارة الموجهة في دول ذات انظمة ديكتاتورية. ـ استخدام مؤسسات دولية لحادث 11 سبتمبر في ممارسة ضغوطها لتنفيذ اتفاقيات ومعاهدات كان من الصعب تحقيقها قبل الحادث. ـ استفادة دول في اسيا وامريكا الجنوبية وروسيا، في الحصول على ميزات من الدول الغربية الغنية، لتحرير التجارة في بلادهم وتنمية الديمقراطية. كما لا ننكر في ذات الوقت ان هناك دولاً بدأت تتحسن اوضاعها في الـ 13 سنة الماضية كالصين والهند، ومن المرتقب تحسن المستويات الاجتماعية والتعليمية والصحية، وعلى الجانب الآخر ولكي تكتمل الصورة، نرى ان عددا لا بأس به من الدول التي تنتمي للعالم الاسلامي تتزايد فيها مساحات الفجوة بين الاغنياء والفقراء، وان حالة عدم الرضى يتم استخدامها ظلما باسم الاسلام لمحاربة ما يطلق عليه بالشيطان الرأسمالي، ونحن في الغرب تأكدنا من ذلك مؤخرا، للأسف يستخدم هؤلاء ايضا التكنولوجيا المتقدمة التي صنعها الغرب، لاعادة العالم المتقدم للقرون الوسطى لكن ايضا كما ذكرت من قبل يحدث العكس تماما، فالعالم المتقدم يزداد قوة وتحالفا ليس فقط عسكريا، لكن اقتصاديا ايضا، وهذا النجاح قد لا يرى اثاره ظاهريا للعامة، وما يحدث فقط هو وعكات اقتصادية مؤقتة. ـ يبدو ان الدول الاشد فقرا في العالم هي الاكثر تأثراً فبعضها مثلا يعتمد على جزء كبير لدخلها القومي من عائد السياحة. ـ ايضا هي حالات مؤقتة، فدول الغرب الغنية اصبحت على يقين بضرورة تقليل الفجوة بينها وبين الدول الفقيرة، ومن ناحية ثانية نلاحظ ان هذه الدول لم تعد تقبل ان يملي الاغنياء عليها شروطهم ففي قمة منظمة التجارة العالمية التي عقدت مؤخرا في الدوحة، وجدنا اصواتا عالية ومؤثرة من طرف الدول النامية، وهددت بعضها بمقاطعة المؤتمر اذا لم ينظر لمشاكلها وطلباتها بعين الاعتبار، وبهذا انتقلت ملكية الاجندة من الدول الغنية لتصبح في وضع المشاركة.. ولولا ان الدول الرأسمالية الكبرى في حاجة لوقوف العالم الفقير معها لما قبلت ذلك، ونفهم من هذا التطور ان المرحلة المقبلة ستشهد نوعا جديدا من المشاركة الاقتصادية، لان الغرب تأكد ان واحداً من اهم اسباب الارهاب هو حالات الفقر والتخلف. ـ المعلومات التي صدرت مؤخرا من البنك الدولي لا تبعث على التفاؤل فما هي اسباب ذلك؟ ـ تقارير البنك الدولي بعد حادث 11 سبتمبر اتسمت بالموضوعية ودق اجراس التنبيه، فقد اكدت ضرورة تقديم الدول الغنية في الغرب مزيدا من المساعدات للدول الفقيرة، وذكرت بالتحديد علاقة الفقر بأنشطة الارهاب في العالم، وضرورة الاهتمام بمجالات الرعاية الصحية والتعليم، والمساعدة في توفير فرص عمل عن طريق انشاء المشروعات الانتاجية، وان تفهم خبراء البنك الدولي ان الفقر اهم اسباب الجريمة والفساد.. ويؤدي لتزايد العنف وعدم الاستقرار، هو نتاج فهم يبشر بانفراجة اقتصادية، وطبعا لا نتوقع ان ذلك سيحدث الاسبوع المقبل، لكن لن يبقى وضع الدول الفقيرة على حاله اكثر من ذلك. امستردام ـ اجرى الحوار: د. سعيد السبكي