إذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة قد عمقت اتجاه الاقتصاد الأمريكي والعالمي للتباطؤ، ودفعته نحو حافة الركود، فالأمر المؤكد أن الدول النامية، وخاصة الأكثر فقرا من بينها، هي التي تعين عليها أن تواجه الآثار الأكثر سلبية وان تدفع الثمن الأشد ايلاما لكارثة الثلاثاء الأسود وهذا ما يحدث عادة في أوقات الأزمات والكوارث الاقتصادية العالمية بحكم تبعية اقتصادات الدول النامية لاقتصادات الدول المتقدمة، والترابط العضوي المتزايد لمختلف اجزاء ومكونات الاقتصاد العالمي في اطار العولمة من ناحية، وبحكم ضعف اقتصادات الدول النامية وصعوبة تكيفها مع المتغيرات السلبية من ناحية أخرى. الآثار السلبية لأحداث نيويورك وواشنطن حملت صندوق النقد الدولي على تعديل توقعاته بشأن النمو الاقتصادي العالمي أكثر من مرة خلال الأسابيع الماضية فبعد ان كان الصندوق يتوقع في شهر مايو الماضي نموا للاقتصاد الدولي عام 2001 نسبته 3.2% تم تعديل نسبة النمو المتوقعة في شهر أكتوبر الماضي الى 2.6% ثم عاد في منتصف سبتمبر لخفض توقعات نسبة نمو الاقتصاد العالمي هذا العام إلى 2.4% مقابل 4.8% عام 2000 وبالنسبة للدول النامية فقد عدل الصندوق توقعاته لنسبة النمو فيها عام 2001 من 4.3% حسب تقارير شهر أكتوبر الماضي الى 4% فقط في منتصف نوفمبر الجاري®. أما منطقة الشرق الأوسط فقد تراجعت معدلات النمو المتوقعة فيها العام الجاري من 2.3% وفقا لتقديرات الصندوق في شهر أكتوبر الى 1.7% فقط وفقا لتقديرات نوفمبر. علما بأن هذه التقديرات قابلة للتراجع مجددا على ضوء التدهور المستمر في أسعار النفط، وحركة السياحة والطيران، وتراجع البورصات العربية®. الخ. وبالنسبة للعام المقبل 2002 فإن تقديرات الصندوق للنمو المتوقع خلاله تراجعت بالنسبة للاقتصاد العالمي عموما من 3.5% وفق تقديرات أكتوبر الى 2.4% فقط وفقا لتوقعات نوفمبر الجاري. أما الدول النامية فإن توقعات الصندوق للنمو فيها خلال عام 2002 تراجعت من 5.3% الى 4.4% فقط. بينما تراجعت توقعات الصندوق للنمو في منطقة الشرق الأوسط خلال العام المقبل من 4.8%وفقا لتقديرات شهر أكتوبر الى 4% فقط وفقا لتقديرات نوفمبر الجاري ومرة أخرى نشير الى أن هذه التوقعات قابلة للتراجع على ضوء العوامل التي أشرنا اليها والخاصة بتدهور أسعار النفط والتراجع الحاد لحركة السياحة والطيران، وأوضاع البورصات.. الخ. ويشير المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي هورست كوهلر في تصريح له مؤخرا الى ان كل هذه التقديرات قابلة للتراجع أكثر قائلا: ان أحداث سبتمبر الماضي: وضعتنا امام درجة غير عادية من عدم اليقين. ولا توجد سابقة للوضع الراهن، مما يجعل مهمة اعداد التوقعات الاقتصادية اعتمادا على التجارب الماضية اشبه بقراءة الكف!! انكماش التجارة العالمية معروف أن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي يؤثر بالضرورة على معدلات نمو التجارة الدولية الا ان الركود المصاحب لأحداث سبتمبر الماضي كان له تأثير درامي بصورة خاصة على التجارة العالمية. فإن أجواء عدم الاستقرار والخوف التي خلقتها الأحداث قد أثرت بشدة على نمو الطلب العالمي، وخاصة في السوق الأمريكية أكبر وأهم أسواق العالم، وأكثرها قدرة على الاستيراد. فقد سجل نمو الاستهلاك نسبة صفرية تقريبا في السوق الأمريكية من أحداث سبتمبر حتى الآن. وتم الغاء صفقات كثيرة كان متفقا عليها قبل الأحداث. وإذا كانت اقتصادات الدول المتقدمة تستطيع احتمال مثل هذه الالغاءات، فإن دولة كمصر على سبيل المثال اصيبت فيها صناعة كاملة هي صناعة الملابس الجاهزة، بضربة قوية نتيجة لالغاء صفقات قيمتها 80 مليون دولار في اعقاب الاحداث وهي الصناعة التي تعاني أصلا من صعوبة تصريف انتاجها. وليس هذا الا مثالا واحدا لما حدث لكثير من الدول النامية. وأدت زيادة المخاوف المصاحبة للأحداث الى رفع رسوم التأمين على الشحنات البحرية والجوية، الأمر الذي زاد من تكاليف الشحن. وكان طبيعيا ان تتأثر بذلك بصورة خاصة صادرات الدول النامية، ضعيفة التنافسية أصلا، مما أدى الى اضعاف تنافسيتها بصورة أكبر. الا أن تجارة النفط كانت أكثر مكونات التجارة الدولية تأثرا بأحداث سبتمبر. ومعروف ان أغلب الدول المصدرة للنفط هي من الدول النامية، وخاصة دول الأوبك وقد تمكنت الاوبك خلال السنوات الثلاث الماضية من رص صفوفها بالتنسيق مع كبار المنتجين من خارجها لخفض الانتاج والالتزام بصورة عامة، بالحصص المقررة. ومع الانتعاش الذي شهده الاقتصاد العالمي خلال السنوات الماضية ارتفع الطلب على النفط. وأدى ذلك الى ارتفاع أسعار النفط الى مستوى عادل نسبيا وساعد على دعم الاسعار تلك الآلية التي وضعتها المنظمة للحفاظ على سعر البرميل من خام برنت القياسي بين 22 دولارا و28 دولاراً. الا ان تباطؤ النمو العالمي، وعدم التزام بعض المنتجين بحصصهم بدأ يمثل ضغطا على أسعار النفط. وجاءت أحداث سبتمبر لتدفع بالاقتصاد العالمي الى حافة الركود، بما يعنيه ذلك من انخفاض للطلب على النفط ومشتقاته وبعد ان كانت الأسعار تدور حول 27 دولاراً للبرميل، أخذت تنخفض بسرعة لتهبط الى مادون الـ «20 دولاراً» للبرميل. وفي ظل الضغوط السياسية والمعنوية العنيفة للأحداث في الفترة الماضية لم تكن الأوبك طليقة اليد في خفض الانتاج. وأخيرا قرر مؤتمر وزراء نفط المنظمة خفض الانتاج بواقع 1.5 مليون برميل يوميا بدءا من أول يناير المقبل بشرط خفض كبار المنتجين خارج المنظمة لانتاجهم بواقع 500 ألف برميل يوميا. لكن الشكوك تحيط بامكانية تحقيق هذا الهدف، خاصة مع رفض روسيا خفض انتاجها أكثر من 30 ألف برميل يوميا!! أي أقل من 21% من انتاجها البالغ حوالي سبعة ملايين برميل، تصدر منها نحو ثلاثة براميل بل وتشير بعض التقارير الى اعتزام روسيا زيادة انتاجها بحوالي نصف مليون برميل يوميا الامر الذي يهدد بالمزيد من اغراق السوق. لذلك يتوقع بعض الخبراء الأكثر تشاؤما أن يواصل سعر النفط الانخفاض ليصل الى 10 أو حتى 9 دولارات للبرميل في أوائل العام المقبل. واذا وضعنا في اعتبارنا أن الدول العربية تصدر نحو 15 مليون برميل يوميا فإن الخبراء يقدرون خسارتها بنحو 5.5 مليارات دولار سنويا نتيجة لكل دولار يفقده سعر البرميل®. الأمر الذي يضع الدول العربية المنتجة للنفط في مقدمة الخاسرين نتيجة لتدهور أسعار النفط بعد أحداث سبتمبر، ويرشح خسائرها للتفاقم الخطير في حالة استمرار ذلك التدهور. كارثة السياحة والطيران استخدام طائرات الركاب المدنية كقنابل طائرة في أحداث سبتمبر اثار موجة واسعة النطاق من الذعر واتسعت المخاوف في العالم بأسره بشأن إحكام اجراءات الأمن في المطارات، وامكانية خطف الطائرات وتدميرها. وتم اغلاق المطارات والمجال الجوي في الولايات المتحدة امام الرحلات الداخلية والخارجية لمدة أسبوع بأكمله الأمر الذي ألحق خسائر فادحة بشركات النقل الجوي في العالم بأسره نظرا لمركزية الولايات المتحدة في سوق النقل الجوي كما أدت ضرورات تعزيز اجراءات الأمن في المطارات وعلى متن الطائرات نفسها الى قدر كبير من الارتباط، وزيادة المخاوف لدى مستخدمي الطيران، فضلا عن التكاليف الاضافية. وانخفض عدد الراغبين في السفر جوا بصورة حادة في مختلف انحاء العالم، وبصورة أخص في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ومثل ذلك كله ضربة قاسية لشركات الطيران الأمريكية خصوصا والأوروبية والعالمية عموما، استدعت تدخل الحكومات لانقاذها من الافلاس الأمر الذي افاضت وسائل الاعلام في شرحه فلا نرى ضرورة لتكرار تفاصيله وحسبنا أن نذكر أن ذلك أدى الى انخفاض الطلب على شراء الطائرات في الولايات المتحدة والعالم، والاستغناء عن مائة الف عامل وموظف في شركات الطيران الثلاث الكبرى وشركة بوينج لصناعة الطائرات في أمريكا وحدها. أما بالنسبة لصناعة السياحة فقد كان تأثير هذا كله كارثيا، وخاصة في دول العالم الثالث التي تعتمد على عائدات السياحة في توليد جزء كبير من ناتجها القومي. وعانت دول نامية كثيرة من هذه التأثيرات سواء في المنطقة العربية والشرق الأوسط مصر وتونس والمغرب والأردن وتركيا خصوصا أو في جنوب اسيا الهند وباكستان ونيبال أو في جنوب شرقي أسيا اندونيسيا وماليزيا وتايلاند وغيرها أو في افريقيا كينيا أوغندا وتنزانيا. وفي مصر على سبيل المثال حققت السياحة عام 2000 دخلا قدره 4.4 مليارات دولار تمثل نحو 4.7% من الناتج المحلي الاجمالي وتم الغاء ما بين ثلث و40% من الحجوزات السياحية لما تبقى من العام وللعام المقبل. ويقدر الخبراء الخسائر المتوقعة نتيجة لذلك بأكثر من مليار ونصف مليار دولار، فضلا عن خسائر القطاعات المرتبطة بالسياحة. وستجد أوضاعا مشابهة، مع اختلاف الأرقام في دول عربية مثل المغرب التي يمثل الدخل من السياحة 2.6 مليار دولار تشكل النسبة الاساسية من صادراتها للخدمات التي تساهم بـ 8% من ناتجها المحلي، وكذلك الحال في تونس التي تمثل السياحة أساس صادراتها من الخدمات 2.7 مليار دولار وفي الأردن الذي مثلت السياحة نحو ملياري دولار من ناتجه القومي عام 2000. ولا شك أن حملات الكراهية التي تشنها وسائل الاعلام الغربية ضد الدول العربية والاسلامية، لن تجعل من السهل على تلك البلدان استعادة نصيبها من السياحة الدولية في المستقبل القريب. كما يمكننا أن نتصور الاهتزازات التي سيعانيها استقرار العديد من الدول النامية، وخاصة الأشد فقرا من بينها، في ظل المصاعب الاقتصادية الجديدة المتوقعة نتيجة الركود الزاحف على الاقتصاد العالمي. الأمر المؤكد أن هذه الدول تنتظرها سنوات عصيبة ومزيد من التهميش والفقر بكل ما لذلك من آثار سياسية واجتماعية وانه سيكون عليها أن تدفع ثمنا مؤلما لأحداث الحادي عشر من سبتمبر.. من اقتصاداتها المتهالكة أصلا. بقلم: د.محمد فراج أبوالنور ـ كاتب مصري