يشدد ليندون لاروش Lyndon H. LaRouche, Jr. الذي ينوي ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة في جميع مناقشاته وكتاباته على أن الأزمات السياسية لا يمكن فصلها عن الوضع الاقتصادي في العالم. وقد حذر في السنين الأخيرة، وبالذات منذ عام 1998 من انهيار النظام المالي العالمي بشكل تام ورهيب. ولكنه بدأ يشدد بشكل أكبر منذ انهيار محادثات السلام واندلاع انتفاضة الأقصى في العام الماضي ومجيء أرييل شارون إلى الحكم من وقوع حرب كبرى عن طريق عملية «إرهابية» كبرى استفزازية تؤدي إلى إشاعة الحرب في كل الشرق الأوسط واسيا في صورة «صراع حضارات» وكان قد توقع وقوع مثل هذه الحرب في شهر أغسطس أو سبتمبر وقال في خطاب له في مؤتمر عقد في الولايات المتحدة في الأول من سبتمبر هذا العام «ان النظام المالي والاقتصادي العالمي سينهار في الفترة من الآن وإلى نهاية العام، ما لم تقع حرب كبرى». وقد أجاب لاروش على تساؤلات «الملف السياسي» والخاصة بالأزمة الاقتصادية العالمية منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر وتأثيراتها وتفاعلاتها العالمية. وفيما يلي نص الحوار: ـ الهجمات على نيويورك وواشنطن ضربت الاقتصاد الأمريكي بقوة ما هي الآثار الاقتصادية المتوقعة لهذه الضربات؟ ـ أولا، إن الانهيار المتسارع والشامل للنظام المالي والنقدي العالمي الحالي كان قد دخل في مرحلته النهائية قبل حلول 11 سبتمبر، أي اليوم الذي سبق اصطدام الطائرات ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاجون في واشنطن.وهذا الانهيار المالي والنقدي هو أسوأ بكثير من مجرد ركود على شاكلة ما وقع في 1929 ـ 1933 بل هو انهيار «نظامي» للنظام العالمي الذي جاء نتيجة قرارات الرئيس نكسون في أغسطس عام 1971 عندما ألغى نظام صرف الدولار الثابت المرتبط بمعيار الذهب وإلغاء نظام بريتون وودز الذي كان ثبات أسعار الصرف من مميزاته الرئيسية هذا النظام لا يمكن إنعاشه من الانهيار الحالي وهدفنا يجب أن يكون إلغاء هذا النظام، حتى يمكننا إنعاش الاقتصاد العالمي. ـ وما هي التأثيرات السياسية والاجتماعية لهذا الركود خاصة على دول العالم الثالث؟ ـ بدون استبدال النظام المالي والنقدي الحالي ستكون تأثيرات هذه الأزمة على ما يسمى دول ـ «العالم الثالث» كارثة تفوق خيال معظم حكومات تلك الدول اليوم. ـ كيف سيؤثر ما يسمى التحالف الدولي ضد الإرهاب في هذه الأزمة؟ ـ حتى نتمكن من إيجاد الجواب الصحيح على هذا السؤال علينا أن نضعه ضمن رؤية أوضح لما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر إن تلك الهجمات ما كان بالإمكان تنظيمها إلا ضمن محاولة انقلاب ضد الحكم تم تنظيمها من داخل الولايات المتحدة من قبل قوى في المراتب العليا من المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية. فقط من وجهة النظر تلك يمكننا أن نفهم لماذا لم تستخدم كلمة «إرهاب» رسميا إلا بعد الساعة الثامنة مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة في 11 سبتمبر. كما ينبغي على المرء أن يضع بالحسبان الاتصال الشخصي بين الرئيس جورج بوش والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ساعات الصباح من ذلك اليوم يتمنى البعض مقارنة وجهات نظري المعلنة حول تلك الأحداث مع بعض الأصوات الفرنسية مثل نشرة روسو فولتير Reseau Voltaire وصحيفتي «لوفيجارو» و «لوموند» وغيرهن التي نشرت بعض الحقائق عن طبيعة المخططين الحقيقيين لما يمكن اعتباره محاولة انقلاب ضد حكومة الولايات المتحدة ورئيسها جورج دبليو بوش. كما تتذكر العديد من الدوائر السياسية المهمة في العالم العربي، فإنه منذ تبوأ زبيجنيو بريجنسكي منصبه الشخصي كرأس مدبر لعملية اختيار جيمي كارتر للرئاسة، فقد تم تجنيد العديد من القوى المسلحة العربية وغيرها لتشارك في حرب بالنيابة ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان كان ذلك مجرد جانب واحد من عملية انتشار استخدام جيوش شبيهة «بالمرتزقة» الممولة بالمال الخاص في أمريكا الوسطى والجنوبية وفي أفريقيا والشرق الأوسط. وكما وضح بعض المتحدثين العرب البارزين، تم تنظيم حروب المرتزقة هذه سريا من قبل وكالات بريطانية وإسرائيلية وأمريكية أعني بكلمة «سريا» أن الحكومات ذات العلاقة والدوائر المالية العالمية المرتبطة بها تقوم بتنفيذ تلك المغامرات الإجرامية تحت عباءة التنكر وإنكار وجود أية علاقة لها بتلك الشئون أنا شخصيا كنت ولا أزال أعرف بوجود تلك العلاقة. لذلك فإن جوهر القضية هو كالتالي. حينما تقوم الحكومات بتأسيس قدرات عسكرية قوية التي تقوم تلك الحكومات بإنكار ارتباطها بها، فإن الطريقة التي يتم بها إنكار وجود مثل هذه العلاقة تعطي الضباط الكبار الذين يديرون مثل هذه العمليات غير التقليدية الفرصة لتنفيذ عمليات انقلاب ضد الأمم التي تؤوي عمليات من النوع الذي أداره بريجنسكي وآخرون، هذا وقع للحكومة الأمريكية نفسها في الحادي عشر من سبتمبر 2001. هنالك نواح عديدة أخرى لهذه العملية لم يتم الكشف عنها، لكن بعض المسائل واضحة وأهمها الأسلوب الذي تدخل به الرئيس الروسي بوتين في مكالماته الهاتفية مع الرئيس بوش في صباح 11 سبتمبر، وذلك غير مجرى التاريخ في ذلك اليوم. ولقد سمعنا الرئيس بوش يشير الى تلك المكالمات وأهميتها في أكثر من مناسبة. في وقت ما من مساء 11 سبتمبر تم اتخاذ قرار جديد بالرد على هجمات الصباح عن طريق إعلان الحرب على الإرهاب، وكما حذرت ضد ذلك في لقاء في الراديو صباح ذلك اليوم، عن طريق انتقاء الأداة الأنجلوأمريكية القديمة أسامة بن لادن ككبش فداء لهذه القضية إن أهمية استهداف ابن لادن والطالبان ذات وجهين أولهما هو انهم «هدف حر» تم خلقه من قبل المصالح الانجلوأمريكية وثانيهما هو انه يتم استخدامهم كبديل في محاولة لمنع مخططي الانقلاب من دفع الولايات المتحدة نحو تأييد حرب «صراع حضارات» دينية في الشرق الأوسط التي يرغب في شنها مخططو الانقلاب وأيضا أمثال بريجنسكي بالتحالف مع الحكومة الدكتاتورية العسكرية التي تسيطر على إسرائيل الآن. وحتى نفهم بعض السمات الأساسية لهذا الوضع علينا أن نتذكر النقاط التالية بانهيار النظام السوفييتي في 1989 ـ 1991 اعتقدت المصالح المالية والسياسية الانجلوأمريكية أن الفرصة سانحة للقضاء على بقايا الشكل الحديث للدولة القومية ذات السيادة، وبذلك يمكنها تشييد امبراطورية رومانية عالمية جديدة على نفس الخطوط العامة التي مكنت البندقية من لعب دور القوة الإمبراطورية البحرية في الفترة التي أدارت بها الحروب الصليبية والحروب الدينية في أوروبا بين الأعوام 1511 ـ 1648 وقد تمت تسمية ذلك «العولمة». منذ عام 1995، وبالذات منذ أزمة السندات الحكومية الروسية GKO عام 1988 اتضح لكل الدوائر القيادية أن النظام المالي والنقدي الحالي قد قرب أجله وقد أدركوا منذ انعقاد مؤتمر واشنطن النقدي في أكتوبر 1998 أنه لم تتبق إلا فترة قصيرة قبل أن ينهار النظام برمته في الفترة هذه، عقدت اجتماعات عديدة على أعلى المستويات نوقشت فيها كيفية الاحتفاظ بالسلطة في ظل ظروف انهيار مالي ونقدي شامل وحتمي. الجزء الأكبر من هذه المناقشات ركز على خلق مواجهة بين الانجلوأمريكيين والصين وروسيا، كما يتمنى بريجنسكي ذلك، وذلك لخلق حالة فوضى في آسيا الوسطى عن طريق عمليات تدور حول المخططات البترولية ومغامرات «صراع الحضارات». شخص ما في موقع عال جداً داخل القيادة الأمريكية شن محاولة الانقلاب ضد حكومة بوش في 11 سبتمبر ولو كانت الأزمة قد قادت إلى تصعيد على مستوى حالة إنذار نووي بين الولايات المتحدة وروسيا، لكان ذلك يعني أن مخططي الانقلاب قد نجحوا. مكالمات بوتين الهاتفية مع بوش صبيحة ذلك اليوم غيرت الوضع بشكل جذري ومفيد. عدا ذلك، فلم يتم حل أي شيء آخر فمحاولة الانقلاب قد هزمت مؤقتا، لكن الكابوس مستمر. ـ كيف ستؤثر هذه الأزمة على الدول العربية؟ ـ إن القضية المطروحة أعلاه لن يتم تقييمها بشكل جيد ما لم نأخذ بعين الاعتبار الأزمة المتفاقمة التي تسببها محاولة القيادة العسكرية الإسرائيلية استخدام شارون كغطاء سياسي لإخضاع الشعب الفلسطيني لمعاملة تشبه المعاملة التي فرضها هتلر على اليهود في جيتو وارشو. إن مركز الثقافة العربية والعالم العربي هو الشرق الأوسط. وبدون سلام في الشرق الأوسط لن يمكن لعمليات التنمية الاقتصادية الضرورية للمنطقة أن تستمر بنجاح وهذا الأمر كان يفهمه أولئك الجالسون في لندن الذين خططوا سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط منذ أيام حروب نابليون. ـ هل الأزمة الاقتصادية الحالية هي ركود اقتصادي عالمي؟ ـ إن الانهيار المالي والنقدي الحالي بكل المقاييس هو أسوأ بكثير من الركود الاقتصادي في أعوام 1929ـ 1933. فما يحصل اليوم هو ليس أزمة دورية، بل انهيار نظامي فبدون القيام بوضع النظام الحالي في عملية إعادة تنظيم إفلاسي حازمة جداً، فإن محاولة إبقاء هذا النظام على قيد الحياة عن طريق بعض الإصلاحات المتواضعة سيغرق كل أرجاء هذا الكوكب في عصر ظلام مبكر قد يستمر لمدة جيلين أو أكثر. إن نموذج أعوام 1945 ـ 1963 باستخدام أسعار صرف ثابتة يجب أن يحل مباشرة محل نظام أسعار الصرف العائمة القائم منذ عام 1971ـ 2001، أي النظام «المعولم» لكن هذه المرة يجب أن تشارك جميع دول العالم باعتبارها شريكاً أساسياً في النظام الجديد المبني على أساس أحسن تجارب نظام بريتون وودز الذي ساد بين 1945 ـ 1963. ـ ما هي بنظرك البدائل الممكنة لهذا الوضع؟ ـ هنالك وسيلتان متميزتان لكن مترابطتان بالنهاية لإنقاذ أمم العالم من التأثير المشترك لانهيار النظام المالي والنقدي والحرب الدائرة الجزء السهل من الحل، بالنسبة لي، هو الحل الاقتصادي بما أنني عالم اقتصاد على درجة مناسبة من المعرفة والخبرة، فإن تصميم نظام بديل ناجح عوضا عن هذه الكارثة يقع ضمن نطاق إمكانياتي الفكرية لكن التحدي الأكثر صعوبة هو الآتي: أين سنجد تشكيلة القوى السياسية التي يمكنها أن تمثل الارادة والتصميم لفرض النظام البديل المطلوب؟ أود أن أشدد على نوعين من الحقائق المرتبطة باحتمال إيجاد الجانب المتعلق بالناحية السياسية من القضية أشير أولا إلى الارتفاع الجارف لرغبات التعاون الاقتصادي في أرجاء القارة الأوراسيوية منذ أزمة السندات الروسية عام 1998 ثانيا، أشدد على أن الولايات المتحدة الأمريكية، القوة العسكرية والسياسية الأولى في العالم، ليس لديها أمل في البقاء إن لم تغير من نهجها الحالي باتجاه السياسات النقدية والمالية التي حددتها. لقد لاحظت منذ تولي يفجيني بريماكوف منصب رئيس وزراء وجود توجه استمر وتوسع مع مجيء بوتين كرئيس لروسيا للتعاون طويل الأمد في مجال التنمية الاقتصادية والأمن المشترك مع دول شرق وجنوب شرق وجنوب ووسط آسيا. وتزامنت هذه المفاوضات مع تزايد اعتماد أوروبا الغربية على أسيا كسوق طويلة الأمد للتكنولوجيا الصناعية المتقدمة إن هذه التطورات، بالرغم من أنها لم تتحول إلى ممارسة سياسية مضمونة، تعتبر خطوات واسعة في الاتجاه المطلوب للأشياء. فإذا دخلت الولايات المتحدة كشريك في هذا التعاون الاقتصادي الاوراسيوي نكون قد وضعنا حجر الأساس وفق المصلحة الاقتصادية لعالم يتطور وينمو بسلام وبوجود عوامل أخرى مثل السلام في الشرق الأوسط الذي ستفرضه تشكيلة هذه القوى، سيبرز دور مصر باعتبارها المركز الطبيعي تاريخيا وجغرافيا لعملية التنمية في القارة الأفريقية ككل، بنفس الطريقة التي يسهل فيها تعاون الولايات المتحدة الإمكانيات الكامنة للتنمية في وسط وجنوب أمريكا. لذلك فأنا متفائل، لكن ليس تفاؤلاً أعمى. فبالاشتراك مع آخرين قد نستطيع انتم وأنا أن نلعب دورا مهما في خلق نظام اقتصادي ـ سياسي جديد وعادل من الكابوس الذي يلف العالم اليوم. اجرى الحوار: حسين النديم