كشفت وزارة الخارجية في بيروت عن اعدادها «ورقة عمل حكومية» تحدد أطر التعاطي مع الطروحات الأمريكية لاعادة الاطراف الى طاولة المفاوضات في الشرق الأوسط، فيما تجنب رئيس الجمهورية الاشارة إليها خلال استقباله مهنئيه بالعيد الوطني في القصر الجمهوري ببعبدا أمس وإلى جانبيه رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة رفيق الحريري. وتكشف مصادر دبلوماسية ان تلك «الورقة» تتضمن برنامج عمل سيبدأ لبنان تنفيذه بعد عطلة الاستقلال لمواجهة الاستحقاقات المرتقبة، وان لقاء تشاورياً رفيع المستوى سيتم بينه وبين سوريا بشأن ذلك، وقد يتمثل بزيارة خاطفة يقوم بها الحريري إلى دمشق للاجتماع بنائب الرئيس عبدالحليم خدام، بمشاركة مرجحة لوزير الخارجية فاروق الشرع. ويحرص لبنان على مواجهة ذلك بموقف موحد مع القيادة السورية، لهذا لوحظ ان الرئيس لحود تجنب في رسالته إلى اللبنانيين بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين للاستقلال الوطني الاشارة إلى الرؤية والافكار و«النوايا» التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام. رغم ان السفير الأمريكي في بيروت فنسنت باثل تبلغ رسمياً ملاحظات لبنان حول ذلك ومنها ان الطروحات تقتصر على الخطوط العريضة والعموميات في حين ان أي مشروع حل يتطلب الخوض في التفاصيل واعلان مواقف واضحة منها، فضلاً عن ان ليس في كلمة باول ما يوحي بالعزم على ضغوط جدية لارغام الاسرائيليين على السير في اتجاه السلام. لحود يتساءل وعلم ان لحود طرح مأخذين لبنانيين وعربيين أساسيين على خطاب باول، أولهما دعوته إلى «تجميد» الاستيطان، والثاني مساواته بين الانتفاضة الفلسطينية والارهاب. وتساءل الرئيس اللبناني حسب مصادر القصر أمام وفد الاتحاد الأوروبي والموفد الرئاسي الفرنسي ايف اوبان دو لاميسوزيير: «هل ان كلمة «تجميد» تعني الابقاء على المستوطنات التي تحتل مساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية، وهل ان الحل يبقى ممكنا مع عدم ازالة المستوطنات الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية». وفي المأخذ الثاني تساءل لحود أيضاً: «هل ان الانتفاضة الفلسطينية في نظر الأمريكيين ارهاب فيما هم يرون ان اعمال القتل والتدمير الاسرائيلية ليست كذلك؟ وهل يمكن لأي انحياز واضح وفاضح من هذا النوع ان يساعد على ايجاد حل عادل وشامل وتحقيق السلام؟». تحفظات لبنانية وكان وزير الخارجية محمود حمود قد طرح التحفظات اللبنانية على السفير باثل عندما أبلغه مضمون خطاب باول رسمياً: 1ـ سأل الوزير: هل من ذكر للاجئين الفلسطينيين في الاطار المناسب؟ فرد باثل بأنها «مجرد اشارة». 2ـ حمود: ما هو الحل لمدينة القدس؟ باثل مجيباً: «هذه خطوط عامة، أما بلورتها فسوف تأتي في وقت لاحق لدى البحث في التفاصيل». 3ـ حمود: لماذا لا يشير خطاب باول إلى مدة زمنية للتنفيذ؟ باثل معترفاً: «فعلاً ليس هناك من جدول زمني للتطبيق». لكن مصادر مطلعة دعت إلى التنبه إلى الجوانب الايجابية التي يعكسها تسليم باثل اقتراحات باول وأبرزها انا بددت الكثير من الشائعات عن جفاء بين بيروت وواشنطن بسبب التعاطي اللبناني الرسمي والشعبي الحازم تجاه رفض الموقف الأمريكي الذي أدرج اسم «حزب الله» على لائحة المنظمات الارهابية في العالم، وطلب تجميد أرصدته. التجاوب الأمريكي ونصح المسئولون اللبنانيون باثل بان تبادر ادارة بلاده بسرعة إلى التعاطي ايجابياً مع ملاحظات بيروت ودمشق على «أفكار باول» إذا ما أرادت النجاح لمهمة الموفد الأمريكي معاون وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط وليم بيرنز إلى بيروت ضمن جولة سيقوم بها في المنطقة اعتباراً من الأسبوع المقبل، وذلك بهدف أساسي هو طرح آلية عملية لتطبيق الرؤية الأمريكية. ويتوقع المسئولون تجاوباً أمريكياً في هذا الاطار، خاصة وان رؤيتهم تلك تحمل توقيعاً مشتركاً مع أوروبا، وأنها كانت وليدة التشاور بين الدول الكبرى عموماً والاتحاد الأوروبي خصوصاً. وقد كان لفرنسا دور داعم ومؤثر في ذلك، حيث حصلت ضغوط من الجميع وعلى الجميع شارك فيها الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، والمستشار الألماني جيرهارد شرويدر. وقد أكد هذه المعلومات الموفد الرئاسي الفرنسي لاميسوزيير خلال زياراته إلى كل من الرؤساء لحود وبري والحريري في بيروت الثلاثاء الماضي، حيث وضع اطاراً عاماً لما يحصل بقوله للاعلاميين بعد خروجه من القصر الجمهوري: «ان الأوروبيين يشجعون الجهد الذي تبذله الولايات المتحدة لحل قضية الشرق الأوسط. وان الرؤية التي طرحها «الوزير كولن باول» ترسم افقاً لحل كهذا». باول والحريري وتأكيداً لحرص واشنطن على دفع ذلك الجهد إلى الأمام تلقى الحريري فجر أمس اتصالاً هاتفياً من باول بحثا خلاله المبادرة الأمريكية تحريك عملية السلام وجرى تأكيد لبناني على وجود قيام مقاربة أمريكية شاملة لتحريك المفاوضات على كافة المسارات الثلاثة: الفلسطيني والسوري واللبناني. وقال الحريري لباول: «ان العرب مستعدون لتسوية سريعة مع اسرائيل على أساس احلال السلام الشامل والعادل المرتكز على تطبيق قرارات الشرعية الدولية 242 و 338 و 425، ومبدأ الأرض مقابل السلام، والانسحاب الاسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة في فلسطين وجنوب لبنان والجولان السوري واقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس». وطلب رئيس الحكومة من الوزير الأمريكي مراجعة ادارته للرسالة التي وجهها الرئيس لحود بذكرى الاستقلال لتشكل اساساً لأي تحرك دبلوماسي وسياسي تجاه لبنان خاصة وفي الشرق الأوسط عامة، وقد أكد فيها على الثوابت الوطنية في المجالات كافة، خاصة بالنسبة لعملية السلام في الشرق الأوسط، مجدداً تأكيده على موقف لبنان من موضوع الارهاب والفصل بينه وبين المقاومة واستعداده للتعاون في كل مسعى لمحاربته تحت مظلة الأمم المتحدة، كما أكد على ان وحدة الموقف الداخلي حيال الثوابت الوطنية من شأنها تحصين استقرارنا في مواجهة الاستحقاقات الاقليمية. وان من حق أي كان معارضة سياسة الدولة، لكن ليس من حق أحد ان يحاول فرض رأيه على الدولة بوسائل غير مشروعة، حسب تعبيره. رسالة لحود ولفت لحود إلى ان ذكرى الاستقلال تطل هذه المرة «22نوفمبر الجاري» في ظل احداث دولية كبرى، بدأت في 11 سبتمبر وشملت تأثيراتها العالم، فيما يتساءل الكثيرون عن انعكاس تلك الاحداث على لبنان والمنطقة. وقال: ان استقرارنا الآن هو نتيجة للسياسة المعتمدة في السنوات السابقة ولخياراتنا الاستراتيجية المتحالفة مع سوريا والداعمة للمقاومة والرافضة لتقديم ضمانات أمنية لاسرائيل لقرارات الشرعية الدولية القاضية بانسحابها من الأراضي العربية المحتلة، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم. وأردف: ان مثل هذه الثوابت السياسية التي اعتمدها لبنان قد سببت منذ مدة اعتراضات دولية ترافقت مع ضغوط سياسية واقتصادية، كما حصلت اعتراضات من قبل جهات داخلية مختلفة أيضاً مع سياسة الدولة. اليوم وبعد احداث 11 سبتمبر ونتائجها العالمية لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وتفاعل التيارات الشعبية والاصولية فإن الجميع بات يدرك ان هذه السياسة الواعية والواضحة قد سمحت لنا بتجنب الآثار السياسية والأمنية لهذه التطورات، مؤكدا ان من حق أي كان معارضة سياسية الدولة في كثير من الأمور، لكن طالما نحن في نظام ديمقراطي فإنه ليس من حق أحد ان يحاول فرض رأيه على الدولة بوسائل غير مشروعة، أو ان يتسرع في محاولة فرض وجهة نظره من خلال التشويش والتحريض والفوضى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالخيارات والقرارات الاستراتيجية والحساسة، حيث ان الوقت هو أفضل حكم لاظهار صوابية تلك الخيارات والقرارات أو خطئها، ونحن نعتقد ان الوقت الذي نحن فيه اليوم بالرغم من مأساوية الأحداث، قد أنصف الدولة واعطاها حقها. بيروت ـ وليد زهر الدين: