هذا المناخ الجديد منح صانعى القرار فى أوروبا جرأة فى التعبير عن رأيهم فى السياسات الأمريكية لم يكن متاحاً من قبل قرارات الاتحاد الأوروبى حول الارهاب وتضمينها نصاً صريحاً حول الدولة الفلسطينية، تصريحات الرئيس الايطالى بهذا الشأن، إشارة تونى بلير فى خطابه الافتتاحى لحزب العمال حول كويتو وحماية البيئة وضرورة حمل الدول التى خرجت منها للعودة إليها. تونى بلير تحدث أيضاً فى خطابه عن الفقر باعتباره مُولداً للإرهاب.هذا أمر تجدر الإشارة إليه بالرغم من أنه لم يضف شيئاً الى ما ظل الزعماء الأفارقة ينادون به من أعلى سقوف المنازل.شكما أشار بلير الى ضرورة ازالة بؤر الصراع فى أفريقيا، ومنها ما هو قمين بأن يعذب الضمائر. أعاد رئيس الوزراء البريطانى الى الذاكرة صمت العالم عن التطهير العرقى فى رواندا الذى راح ضحيته قرابة المليون من البشر، والعالم يتفرج لو حدث هذا مرة أخرى فلن نصمت، قال رئيس الوزراء العلاقة السببية بين الفقر والارهاب تحدث عنها ايضاً الرئيس السابق بيل كلينتون فى خطابه فى العشاء السنوى للمجموعة البرلمانية السوداء .Congressional Black Caucus تساءل كلينتون لماذا يكرهنا البعض؟ وأجاب فى بلد أفريقى أبلغنى رئيس ذلك البلد بأنهم ينفقون لسداد أصول الديون وخدماتها ثلاثة أضعاف ما ينفقون على الصحة والتعليم، فلماذا لا يكرهنا أهل تلك البلد؟ ثم زاد بأن إلغاء الديون على اوغندا قاد إلى مضاعفة ميزانيتى الصحة والتعليم فى ذلك القطر، فهل من سبب لأن تكرهنا اوغندا؟ كلينتون دون ريب، كان يوجه نقداً غير مباشر للجمهوريين الذين عطلوا مقترحاته لإلغاء الديون، وزيادة حجم المعونات الرسمية، ومضاعفة الدعم للبنك الدولى، إلا أن اشاراته أيضاً كانت ذات طابع راهن وتعبيراً عن بدايات تحول فى النظرة الاستراتيجية للأمور. مع كل هذا يخطئ من يقدر بأن أمريكا قد خرجت أكثر ضعفاً فى العالم، على النقيض أصبحت أكثر اندماجاً فيه وحُملت على أن تكون أكثر حفولاً بقضاياه، على الأقل نظرياً. كما لا نظن أن لما كتب بول كيندى مؤخراً فى لوس انجلس تايمز قربى بالحقيقة، أو فيما تنبأ به من قبل فى كتابه صعود وسقوط القوى الكبرى ما ينطبق على الإمبراطورية الأمريكية. فسقوط القوى الكبرى، كما ينبئ كيندى، رهين بعجزها عن الوفاء بالالتزامات التى يفرضها عليها وضعها. أمريكا ـ على خلاف الامبراطوريات الكبرى ـ لم تتمدد جغرافياً وإنما تمددت سياسياً وعسكرياً وثقافياً، وخلقت فى سبيل حماية هذا التمدد تحالفات واسعة. هذه التحالفات لم يضعفها حدث الثلاثاء وإنما زادها منعة.مع ذلك ففى التنازلات التى حُمِلت الإدارة عليها حملاً ما يفيد الولايات المتحدة على المدى المتوسط أن ذهبت بالأمر إلى نهاياته المنطقية الاهتمام بالقضايا المتفجرة والاقبال على معالجتها من منطلق المصلحة القومية والالتزام بالشرعيات الدولية بدلاً من الرضوخ لضغوط الجماعات ذات المصلحة مثل اللوبى المناصر لإسرائيل فى حالة القضية الفلسطينية، أو الشركات متعددة الجنسية وبعض المنظمات الطوعية فى حال التعاون الاقتصادى الدولى. هذه الشركات والمنظمات ظلت تراهن على أن تنمية الدول الأكثر فقراً يتم عبر اشراع الباب لها، وليس عن طريق المعونات الثنائية بين الدول أو عبر المؤسسات الدولية المالية. كما فيها مكسب فورى انعكس أولاً فى تأييد أوروبا لرد الفعل الأمريكى، رغم مما أشرنا إليه من مآخذ أوروبية على السياسة الأمريكية. فمن الجدير بالذكر أن إعمال الفقرة الخامسة من ميثاق حلف الناتو العمل الدفاعى المشترك للمرة الأولى فى التأريخ هذا لم يحدث فى الستينيات ابان حملة خليج الجنازير وتهديد الرئيس كيندى للاتحاد السوفييتي باستخدام السلاح النووى ان دعا الحال. روسيا والصين أيضاً تداعيتا إلى ذلك الحلف وهما تسعيان الى تحقيق مكاسب وطنية من تأييدهما لأمريكا. فإن كانت أمريكا قد وجدت فى هذه الجولة ـ ولأول مرة فى التأريخ ـ موطئ قدم فى جمهوريات آسيا الوسطى أوزبكستان، طاجيكستان، فان أكبر كسب لروسيا هو العودة إلى سياسة التعاون مع أمريكا بدلاً من الخصومات المفتعلة. ومن الغريب أن سياسة التعاون هذه بدأها بوش الأب وطورها كلينتون.كما كسبت روسيا دعماً غير مباشر فى حربها ضد الشيشان. لهذا أذهلنى أن أقرأ لكاتب مرموق فى إحدى الاسبوعيات أن بوتين لم يؤيد الدخول فى الحلف الأمريكى ضد الإرهاب إلا لأنه أراد أن يذيق أمريكا ما ذاقه السوفييت من عذاب فى أفغانستان. لا نظن أن الدول الكبرى تبتنى سياساتها من منطلق الاغاظة لخصومها. كما نحسب أنه فات على الكاتب أن بوتين ـ فى أكثر من حديث ـ أشار لدور ابن لادن فى أحداث الشيشان. هذا هو السبب الذى جعل روسيا تضيف إلى نص قرار مجلس الأمن الذى أبدى فيه قلقه من تزايد الأعمال الارهابية بدافع من التعصب أو التطرف خمس كلمات مُنبيات:فى مناطق عديدة من العالم. المناطق العديدة من العالم ـ فى عُرف الروسيين ـ هى الشيشان بلا شك. أما الصين ـ فبجانب تخوفها من تسلل المد البنلادنى إلى سينكيانج المسلمة ـ فلها مع أمريكا موعد فى منظمة التجارة الدولية، وفى القضية التايوانية، وفى كوريا الشمالية، وفى التبادل التجارى خاصة فى مجال المعلوماتية وصناعتها، وفى مؤتمر التعاون لدول الباسفيكى. إيلاف الهند والباكستان وتركيا فى حلف قريش الجديدة كما أسماه الظواهرى كان له أيضاً ثمن إلغاء العقوبات على دولتى شبه القارة الهندية التى فرضت عقب تفجيريهما النووين، الوعد بالعمل على حل المشكل الكشميرى، منحة سبعمئة مليون دولار باكستان مع معونات عسكرية، إلغاء الديون العسكرية لتركيا خمسة مليارات دولار، وتشجيع صندوق النقد الدولى على توفير تسعة عشر ملياراً اضافية لها مما سيدعم اقتصادها المهدد بالانهيار. قد تسمى هذا بالانتهازية وقد تسميه اهتبال الفرص المواتية، ولكن فى أية مرحلة من مراحل التأريخ كانت الدول تبتنى سياساتها على شيء غير مصالح شعوبها كما تراها؟ فى هذا الجو المشحون بالعنف اللفظى عاد اللجاج حول صراع الحضارات مرة أخرى. التعبير منذ بدايته تعبير فاقد المعنى لأن الصراع وقود الحضارات. صدام الحضارات هو تفاعلها، ولهذا عندما تضمحل أية حضارة أو تضعف، لا تتلاشى وإنما تذوب فى حضارة أخرى. الحضارات كالأنبياء من عَلات، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى.فما من حضارة نبغت إلا وكان لها من سوالفها نصيب، وما من حضارة صوح غصنها إلا وكان لها فى خلفها أثر. الحضارات ليست نتاجاً لتراكم تأريخى محلى، بل نتيجة لدفع الأمم بعضها ببعض. لولا هذا التدافع لبادت الحضارة. وفى عصرنا هذا القرن الماضى كان العالم كله مسرح صدام لحضارتين اللبرالية الرأسمالية والماركسية - اللينينية.حتى الحضارة الصينية التى ظلت منغلقة على نفسها ومتعالية على غيرها اندرجت بوجه من الوجوه فى خضم ذلك الصراع للمرة الأولى فى تأريخها بقبولها للماركسية كنهج وايديولجية والماركسية فكرة غربية المنبت. مع ذلك، من قلة العقل أن يفترض أحد أن أنتصار الأولى قد قضى قضاء مبرماً على البنى الفكرية للثانية لأن الحضارات ليست أنساقاً مغلقة. فى واقع الأمر كان هناك تلاقح بين الحضارتين الأوروبيتين المتصارعتين مَكن الرأسمالية، التى قال عنها الماركسيون بأنها لن تتجاوز أزماتها، من تجاوز تلك الأزمة. تجاوزتها بالحد من الهيمنة المطلقة للسوق، وبانشاء الدولة الأم nany-state التى ترعى ضحايا البطالة والشيخوخة وتوفر الضمان الاجتماعى للعمال، والتعليم لكل راغب فيه، والصحة للجميع.كل هذه المفاهيم تعود إلى أفكار وتجارب تبناها الماركسيون. فعلت الرأسمالية هذا حين عجزت الأنظمة الشيوعية عن تطعيم مكاسبها الاجتماعية بمكاسب سياسية، أهمها توفير الحريات الأساسية وعلى رأسها احترام التعدد الفكرى، وإتاحة مساحة للرأى الآخر مقتلها كان فى استفراد أحزابها بالرأى واحتكارها للحقيقة. ومن المفارقات اللافتة أن جميع دول وسط وشرق أوروبا التى كانت جزءاً من المنظومة الشيوعية تتوق جميعها اليوم للانضمام للاتحاد الأوروبى ولحلف الأطلسى، وأخذت تعدل من دساتيرها وقوانينها القديمة -خاصة الاقتصادية- حتى يفتح الله لها بالانضمام إلى قلاع الرأسمالية. هذا واقع ماثل يجدر بالذين ما زال فى نفوسهم شئ من حتى من أهل الذرائع أن يتبصروه. من هنتنجتون الى برلسكوني فلئن يجئ كاتب أمريكى صموئيل هنتنجتون -مع شهرته وبراعته فى البحث ودوره الفاعل فى التأثير على السياسات كمستشار سياسي للحزب الديمقراطى وبوجه خاص للرئيس جيمى كارتر- ليقول بأن مصير الحضارات هو التصادم الذى يُفنى فيه طرف الطرف الآخر لا يصبح هذا الرأى أنجيلاً للفكر الغربى كما يحاول البعض أن يقول. انتصار أية حضارة يتم بأن تصبح قدوة يحتذيها الآخرون ويعتمدون قيمها، لا بفرض حصار من جانبها على الآخرين ينهكهم ويفنيهم كما يتنبأ هنتنقنتون ويسمى الحدود بين الإسلام والحضارة الغربية حدوداً دامية. تلك النظرة الدموية لا مسوغ لها إذ ليس فى تجارب الدول الإسلامية ما يفيد بأن هذه الدول لا تتمثل القيم الأساسية للحضارة الغربية المعاصرة مثل احترام حقوق الإنسان، الحريات المدنية، الديمقراطية حتى وأن لم يتجاوز تمثل بعضها لهذه القيم التملق الكلامى ِervice li. كما أن هذه القيم قد ترسخت بالفعل فى مجتمعات غير غربية مثل اليابان والهند. لقيت غلواء هنتجنتون من النقد الموضوعى فى أوروبا وأمريكا بقدر ما لقيت من النقد المتشنج فى الوطن العربى. فباب الاجتهاد فى الغرب لم يقفل ولهذا يصبح اعتبار رأى ذلك الكاتب هو الرأى الفصل فى الغرب اشتطاطاً ليس له ما يبرره. وعلى أى لم تكن هذه هى زلة هنتنجتون الأولى. الكاتب هو رائد المدرسة التى نشأت فى الستينات لتبشر بأن الحكم العسكرى وحده هو القادر على بناء الوطن Nation-building فى أفريقيا حتى أصبح كتابه 1966 ،Political Order in Changing Societies, Yale هو الأساس الذى بنى عليه جيل كامل رؤيته للدول الأفريقية وكيف تدار. ولئن يجئ سياسى لا يتدبر قوله مثل بيرلسكون ويقول بتفوق حضارته ونندفع جميعاً للالحاح على أن ذلك القول هو تعبير عن عداء يضمره الغرب كله ضد الحضارة الإسلامية بوجه عام، يصبح هذا مغالاة لا تدانيها إلا مغالاة الرجلين حكم أولهما بحتمية الصراع بين الغرب والاسلام، وحكم الثانى بالتمايز الحضارى أو النسبية الثقافية ٍ.cultural relativi على أنا ينبغى إن لا ننسى أن جميع الحضارات -بما فى ذلك الحضارة الإسلامية - تتميز بظاهرة التمركز الزمنى iCG , temporo-centrism أنها تحسب فى أوجها بأنها سيدة الزمان. الشعوبية، مثلاً، نموذج لظاهرة الاستعلاء عند عامة العرب على غيرهم من الفرس والتركمان. فالشعوبى عند العرب القدامى هو من لا يعترف لهم بالفضل حتى وأن كان وريثاً لحضارة عظيمة كالفارسية. بل أن البعض حسب تمسك الفارسي بحضارته بدعة من البدع. من أولئك ابن الأنبارى الذى وصف الشعوبيين بـ أهل البدع والزيغ والأزراء بالعرب. الاستعلاء يبلغ اعلى درجاته عندما نقرأ قوله تعالى عن أمة الاسلام بأنها «خير أمة اخرجت للناس» قراءة حرفية. فالاسلام ليس هو بالضرورة المسلمين، ولهذا كان الامام محمد عبده بليغاً ورقيقاً عندما قال في باريس التي استهواه نظامها وانتظام اهلها: «رأيت اسلاماً ولم ار مسلمين» ومع ان الامة التي يتحدث عنها القرآن هي أمة الاسلام لا امة العرب لم تجد الجامعة العربية شعاراً ترفعه في اكبر قاعاتها غير «كنتم خير امة اخرجت للناس». بوجه عام هناك خلط كبير ـ ومقصود في بعض الاحيان ـ بين ما هو اسلامي وما هو عربي، على المستوى الحضاري الكلي قد يصعب كثيراً التمييز بين الحضارة العربية والحضارة الاسلامية. كمثال اثر الحضارة الاسلامية لا يخفى على العيان فيما خلفه المسيحيون العرب من اثر، ودوننا الاباء اليسوعيون في لبنان والتي سبقهم اليها ـ على مستوى الابداع ـ الاخطل الشاعر. ولكن التمييز ضروري على مستوى انظمة الحكم والقوانين والبناء الوطني. هذه امور يتجاهلها كثيراً ـ الا من باب الاستدراك المخاتل الذين يتحدثون عن امة عربية ـ اسلامية من منطلق النظرة الدينية للاسلام. وبصرف النظر عن الخلط بين ما هو عربي وما هو اسلامي، الا يمثل اعلاء ذلك الشعار موقفاً غير حميد. خاصة في عهود النكبة أو الهزيمة او النكسة «سميها ما شئت» ثم يبين هذا ان التمركز في الذات والاستعلاء على الاخر هو جمرة خبيثة لم تنج من لسعتها كل الحضارات. وتعبير حضارة الذي نستخدمه هنا يشير إلى جماع وجوه الابداع في الأدب والفن والعلوم. كما يشير إلى العادات والتعاقليد والقيم الموروثة والمكتسبة والتي ـ في حالة الاخيرة ـ يلعب الدين دوراً كبيراً في تشكيلها وعلى ان المؤسف حقاً أن لا يجد أغلب المناهضين لفكرة هنتجنتون الفجة ما يقولون غير المباهاة بالحضارة الإسلامية باعتبارها هى التى أخرجت أوروبا من الظلمات النور. هذا الاقتراب خاطئ من ناحيتين الأولى هى اللجوء لنفس فكرة التمركز فى الذات التى ينعيها على مفكرى الغرب ؛ والثانية هى ظلمه الحضارة الإسلامية ظلماً بيناً عندما يجعلها ملكاً لأهلها دون سواهم ويكاد ينكر تأثرها بغيرها. ودون أن نجعل من أنفسنا محامين للشيطان نتساءل عما الذى حدا بهنتجنتون أن يكتب ما كتب، وببيرلسكونى أن يقول ما قال. مقال هنتجنتون ثم كتابه من بعد هو رسم لخريطة استراتيجية تضع لأول مرة الثقافة لا الاقتصاد أو القوة العسكرية كعامل حاسم فى تأطير الاستراتيجيات. ولم يكن العالم الإسلامى وحده هو هم الكاتب الأساسى فى ذلك التأطير، إذ تناول أيضاً الحضارة الصينية والحضارة السلافية من روسيا الى البلقان. لهذا فالإيحاء بأن الرجل لم يكتب ما كتب إلا لتأكيد حتمية الصراع الدموى مع الإسلام وعالمه اختزال غير أمين لأطروحته. على أن كتاب الرجل قد صدر فى أوج أحداث معينة بالعالم الإسلامي يجدر بنا أن لا ننساها قيام الجمهورية الاسلامية فى ايران وأطلاقها اسم الشيطان على أمريكا، احتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين كرهائن فى طهران، إهدار دم سلمان رشدى وتعقبه، قيام نظام الإنقاذ فى السودان والذى لم تكفه مشكلاته الداخلية المستعصية بل جعل شعاره أميريكا قد دنا عذابها ، محاولات الجماعات الأسلاموية لزعزعة الأنظمة غير الإسلامية مثل أثيوبيا وأريتريا، عنف الجماعات الإسلامية فى الجزائر وأسلوبها الدموى فى رفض مظاهر الحضارة الغربية حتى ما هو شكلى منها، انتقال الجماعات الأسلاموية بالعنف إلى داخل أمريكا المحاولة الأولى لنسف مركز التجارة العالمى ومبنى الأمم المتحدة. وباستثناء ايران التى - وان اتسمت سياساتها الأولى بالتطرف إلا أنها ظلت تعمل كدولة مؤسسات بل أخذت منذ بداية عهد خاتمى تسعى حثيثاً للأنخراط فى العالم والالتزام بقواعد السلوك الدولية المتعارفة فيه- مضت كل جماعات التطرف العربية المنسوبة للإسلام فى غلوائها ضد العالم كله. المتطرفون العرب نقف عند جماعات التطرف العربية لأن ظاهرة التطرف الاسلاموى لم تبرز فى أندونيسيا أكبر الدول الإسلامية، ولا بين مسلمى الهند الذين يمثلون بحكم عددهم ثانى أكبر تجمع إسلامى فى العالم. مع خطورة ممارسات هذه الجماعات على الدول العربية نفسها ظلت تلك الدول تغض الطرف عنها، بل يكاد يمالئها بعضهم. باستثناء مصر التى دخل نظامها فى صراع مميت مع هذه الجماعات المتطرفة ؛ وسوريا التى أخذت -على طريقة زياد بن أبيه - المحسن منهم بالمسئ والمقيم بالظاعن ؛ والجزائر التى ظلت تخوض وحيدة الحرب ضدهم، لاذت أغلب الدول الأخرى بالصمت عن لا ونعم. بل كان فى بعض هذه الدول نافذون يمالئون تلك المنظمات سراً، وآخرون يخفضون الطرف استحياء عن منظمات خيرية تغدق الأموال الضخمة عليهم عبر مسارب الأغاثة. حتى ما يعرف بالإسلام المستنير توسم بعض رجالاته خيراً فى هذه الجماعات فآزروها، أوصمتوا خوفاً حتى لا تلحق بهم تهمة أضعاف تجربة إسلامية، وكأنهم قبلوا ضمناً أن ذلك التطرف هو الإسلام اضافة إلى هذا تركت طواعية الدول التي حاربت المتطرفين الدمويين حرباً لاهوادة المساحة التي افرغها المتطرفون لنمط من الدعاة الذين كادوا ينتقلون بالاسلام والمسلمين الى عهود الانحطاط الفكري السلجوقي حيث كان المنقول هو وحده المقدس، وماعداه من اجتهاد بدع، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة الى النار. هؤلاء هم الذين طاردوا نوال السعداوي وحسن حنفي وامنة طلعت عميدة كلية الدراسات الاسلامية بالأزهر، وكأن الواحد من هؤلاء قلد اتى اداً بسعيه لقراءة الاسلام قراءة تجعله اكثر قربا من العصر. تلك المساحة تركت أيضاً لنوع من ائمة المساجد يكاد المرء يجزم فأن خطبهم الجمعية هي نتاج لحفر اركيولوجي في مخلفات عصور الديلم التي تكلست ثم تحجرت. فما من خطبة من تلك الخطب الا واختتمت بأقوال مثله: «اللهم انصرنا على الكافرين، اللهم دمرهم وبدد شملهم». أوليس في هذا ترويع خطير للمواطن المسيحي في داخل البلد المسلم «وهو من اهل الكتاب» ناهيك عن الكافرين من غير اهل الوطن، ولماذا نستغرب هلع اولئك من الاسلام ان كان هو بالصورة التي ينقله لهم بها دعاته. يتساءل المرء جاداً أويمكن ان يكون هؤلاء هم ورثة العهدة العمرية لأهل ايلياء. كل هذا، بالضرورة، يعنى أنه كانت هناك مؤامرة من المتطرفين الذين يمنون النفس بالاستيلاء والاستعلاء على العالم - بما فيه العالم الإسلامى- غصباً وعَنوة. كما كانت هناك مؤامرة صمت ممن يفترض فيهم الوقوف ضد هذه المجموعات حماية للإسلام، وتراخياً تجاه الجماعات التي ترتكس بالاسلام إلى أكثر عهود الحضارة الإسلامية ظلاماً. فكيف لا يحق إزاء هذا لأمثال هنتجنتون أن لا يتحدثوا عن الصراع الحتمى مع الإسلام. وعلى كل فما الذى قاله هنتنجتون عما اعتبره مخاطر على الغرب من المد الإسلامى الجديد بالصورة التى أوصفنا، ولم يقله سيد قطب فى فساد الحضارة الغربية وجاهليتها وطاغوتها ووجوب الجهاد ضدها ؛ وقطب هو الأب الفكرى لكل مدارس التطرف.هل سمعتم عن كاتب أو محلل سياسى غربى واحد اعتبر مقولات سيد قطب تعبيراً عن رأى الدول الإسلامية، ناهيك عن رأى كل المسلمين. فلماذا نفترض أذن أن رأى مفكر أمريكى واحد اختلف معه الكثيرون من أهله هو الرأى الفصل. إلا أن كان ذلك الصراع الحتمى هو ما يتمناه لأنفسهم أهل الذرائع، وليالتك من سادومازوكية! أما حديث برلسكون فقد جاء هو الآخر فى أعقاب حادث الثلاثاء المرعب. ومهما قلنا فى غلظة ذلك الحديث فلن نضيف إلى ما قاله عنه برودى الايطالى رئيس الاتحاد الأوروبى، أو للشيوعي بلا تقوير الذى وصف رئيس الوزراء الايطالى بأنه الوجه الثانى لبن لادن. لهذا، مع استحماقنا لحديث برلسكونى، استوقفنا فيه قوله حضارتنا ضمنت حقوق الإنسان وحرية العقيدة اللذين لا مكان لهما فى الدول الإسلامية وستنتصر حضارتنا على هذه الدول كما انتصرنا على الشيوعية. الدول الإسلامية ليست هى الحضارة الإسلامية، كما ليست بالقطع هى الإسلام. لهذا، فالذين ذهبوا للرد على هذا القول بأنه لولا حضارتنا لما نهضت أوروبا ، أو اندفعوا لاستحضار أرواح ابن سينا وابن الهيثم وابن طفيل، لم يحالفهم الصواب. لا نظن أن رئيس الوزراء كان يتحدث عن حضارة أجداده الرومان عندما توقع لـ حضارته أن تنتصر على حضارة الدول الأسلامية كما أنتصرت على الشيوعية، كما لم يكن يحاكم الحضارة الاسلامية التاريخية. فى هذا المجال تصبح المباهاة بتفوق أئمتنا الأربعة أو الستة فى التشريع على قانون جستنيان، أو بتفوق قس بن ساعدة الأيادى فى الخطابة على سيسرون، عراك فى غير معترك. كما أن احترام حقوق الإنسان وحرية العقيدة لم يكونا قط جزءاً من المنظومة القيمية لأجداد برلسكونى فى الأمبراطورية الرومانية المسيحية، حتى نجادله بما كان عليه الحال فى الأندلس التى تعايش فيها -بسبب سماحة حكامها- المسلم واليهودى. القيم التى تحدث عنها وانتصرت بها حضارته على الشيوعية -فيما قال- قيم جديدة تتبناها أوروبا الحديثة بعد تأريخ طويل من العنف ضد بعضها البعض، والاستعباد للآخرين، وانتهاب العالم. انتهت أوروبا، على أية حال، إلى ما انتهت إليه من قيم ذات طابع إنسانى. ومع الاعتراف بكل ماضيها الاستعماري والاستغلالي للشعوب بهذه القيم حرية العقيدة، حقوق الإنسان الشاملة، حكم القانون الخ، يفاخر أمثال برلسكونى على الدول الإسلامية المعاصرة. الاقتراب السليم من الرد على الأطروحة التى أبداها برلسكونى بقلة مبالاة هو التأكيد أولاً على أن الصورة التى يُقدم بها بن لادن الإسلام مما ستثاره للادلاء بتصريحه غير الناضج في هذا الوقت بالذات ليست من الإسلام فى شئ بل هى فى موقع التضاد منه. هذا بالقطع يُلزِم المرء بإدانة بن لادن وطالبان إدانة لا خفاء فيها ولا تلبيس، كما يُلزِمه بالاعتراف بأن ليس فيما يفعلان ما يمكن نسبته للإسلام أو ما يشرفه. وثانياً القول بأن التعميم ضار دوماً. فمنذ انهيار العثمانيين لم يعرف الاسلام سلطة مركزية مثل الفاتيكان. الدول الإسلامية شعوب وقبائل مختلفة المنابت واللغى وأساليب التطور السياسى رغم توجهها الديني نحو قبلة واحدة. فى هذه الدول من يتعايش مواطنوه من مسلمين وغير مسلمين فى وئام تام ويسعى جاهداً للحفاظ على علائقه مع العالم المسيحى دون اعتبار لاختلاف العقيدة، وفيها من لا يعترف بشرعية دولية أو يحترم ما تواطأ عليه العالم المعاصر من قيم لرعاية حقوق الإنسان والشعوب شأنهم فى ذلك شأن دول نظيرة غير إسلامية، وبها دول اختطت لها منهجاً للحكم نابع من تقاليدها دون أن تدير ظهرها لوسائل التقدم المعاصر، بل ظلت تتعاون فى سبيل ذلك مع المسيحى واليهودى والمجوسى. فى سعيها هذا تحاول أغلب هذه الدول الإنخراط فى النسق العالمى، فى ذات الوقت التى تؤكد فيه خصوصياتها الثقافية، فالصراع بين العالمية والخصوصية ليس بالأمر الطارئ أو الجديد فى تأريخ الحضارة الإنسانية. الحرج يقع عندما يذهب بعض دعاة التمسك بالخصوصية الى اتخاذها تكأة يبررون بها النكوص عن مواضعات الصالح للحكم اتفق عليها العالم، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان. هؤلاء الناكصون سيجدون أنفسهم فى مشقة وضيق للرد على السياسى الإيطالى. يقع الضيق أيضاً عندما يبدو الاستنكار والاستهجان لمقال رئيس الوزراء الإيطالى وكأنه دفاع عن قلة مارقة لا تهدف لشئ غير إلغاء العالم المعاصر. فى هذه الحالة لا يجدى استحضار أرواح القدامى مثل ابن سينا وابن الهيثم بل يصبح خطأ مركباً. فهو أولاً يجعل العراك -كما قلنا- فى غير معترك، وثانياً يسئ إساءة بالغة لهؤلاء الأفذاذ القدامى. فمع كل ما نال القدامى من رفعة فى المضمار الحضارى، إلا أنهم لم ينكروا الحضارات الوثنية التى سبقتهم بل اعترفوا لها بالفضل. فابن سينا هو المعلم الثانى -لا بعد رسول الله- وإنما بعد سقراط. وابن الهيثم لم يعده الاخباريون الذين عاصروه الأول والأخير فى الطب - كما يوحى مستدعو الماضى - وإنما أسموه بطليموس الثانى. إن استدعاء ماضى الحضارة الإسلامية ونسبته للمسلمين وحدهم ليس فقط إلغاءً لعالمية تلك الحضارة وإنما هو أيضاً تنكر للتواضع العلمى الذى تميز به بناة تلك الحضارة الذين اعترفوا بكل معين نهلوا منه. ازدواجية المعايير الاقتراب السليم من كارثة الثلاثاء وتوابعها يقتضى، بصورة عامة، وقفة مع النفس نراجع فيها المواقف، ونتدبر مدلولات كلماتنا، ونتجافى القفز فوق الحقائق، وننقب فيها عن أزدواجية المعايير فى أحكامنا وهى تهمة التى طالما اتهمنا به الآخرين.مثال ذلك الحديث المكرور عن الظلم الذى يحيق بشعب أفغانستان من جراء الحرب. ان النهى عن استهداف المدنيين فى أى حرب أمر واجب ولهذا فمن الضرورى الحض عليه والتذكير به. هذا ما ينادى به الكثيرون وعلى رأسهم الصليب الأحمر. والصليب الأحمر لا يبدي هذا الاهتمام لأن المدنيين الأفغان مسلمون وإنما لأنهم بشر أبرياء لا ناقة لهم ولا بعير فى الحرب. على هذا حض الإسلام رسالة أبى بكر للمحاربين ، وعليه نصت الشرائع المعاصرة اتفاقيات جنيف. تُرى كم من هذه الغيرة على المدنيين فى الحروب أبداها من يتحدثون عن حقوق هؤلاء المدنيين كبشر آمنين لا كمسلمين أو نصارى أو عبدة أوثان فى حروب تكتوى بنارها بلاد هى لهم أقرب؟ يجرى من عينى دمع غاسق وأنا أقرأ مقالات هؤلاء المنافقين عن الأبرياء المدنيين فى أفغانستان، فى الوقت الذى ظلوا فيه صامتين صمت القبور عن كل ما يحيق بالمدنيين فى حرب السودان الدامية، ومن أى جهة جاء. مشكل السودان ليس وحده المشكل المظلم فى العالم العربى، صمت القبور لمسناه أيضاً يوم ذهبت دولة عربية أخرى إلى تقتيل نصف المليون من مواطنيها الأبرياء من غير العرب باستخدام الغازات السامة. ذلك حدث أثار ثائرة العالم كله باستثناء أصحاب القلوب الرهيفة من أهل الذرائع الذين يتباكون اليوم لما آل إليه المدنيون الأفغان. التخليط يطل علينا أيضاً فى الاشارات المشبوهة للحرب فى أفغانستان وكأنها حرب تقودها الولايات المتحدة ضد تلك الدولة. تلك ليست هى أولى حروب أمريكا فى أفغانستان المسلمة فى حربها الأولى بارك الاسلامويون مسعى الشيطان نُهاز عقد من الزمان. حقيقة الأمر أن تلك الدولة التى كانوا يسمونها دولة عازلة ffer state ظلت طوال تأريخها نهباً للمطامع الأمبراطورية الروسية، والمطامع الأمبراطورية البريطانية من شبه القارة الهندية، والمخاوف الصينية والإيرانية . كانت أيضاً ميداناً لصراع دام بين اقوامها في أمور لا شأن لها بالحكم الصالح ولا بالارتقاء بالأمة. قتل الافغان مليكهم امان الله في العشرينيات لالغائه حجاب المرأة واجرائه اصلاحات هامشية اراد ان يدخل بها بلاده لمرحلة متقدمة من التطور الاجتماعي. وحكمها من بعد محمد ظاهر شاه الذي هدته حكمته لأن لاسبيل تلعب بلاده دوراً فاعلاً بين الأمم الا باقتحام آفاق التعليم المدني «بجانب مدارس القرآن» وكفالة المزيد من الحريات الاجتماعية، خاصة بالنسبة للمرأة. وباسم الدين، مرة اخرى، انقلب عليه ابن عمه محمد داود خان 1973 ففر الى خارج بلاده. وكما نرى فان الصراع كان يدور حول أمور تجاوزها كل العالم الاسلامي والعربي. فالاسلام لا يمكن ان يقف سداً في طريق العلم والتطور لا سيما وهو الدين الذي يقول نبيه: «اطلبوا العلم ولو في الصين». تلك الدولة العازلة أصبحت في اخريات ايامها مصدر توتر لا لجيرانها فحسب بل للعالم من أقصاه إلى أقصاه بسب من ايوائها لجماعة القاعدة، بل أطلت أفغانستان طالبان على العالم كله بالأذى. ولعله سيكون من مصلحة السلام الدولى والإقليمى أن تعود تلك الدولة لدورها القديم -لكيلا نقول تحجم- حتى ينصرف أهلها إلى بناء وطنهم، وتحسين أحوالهم، والتعايش المثرى مع جيرانهم. على هذا الأمر تعكف الأمم المتحدة مع استعار الحرب، وليست هذه بتجربتها الأولى. فعلت هذا من قبل باعادة ارستيد إلى الحكم عندما اغتصبه منه عنوة عسكر مهابيل، وشاركت في صنعه عند اعادة رسم خريطة البوسنة حماية للمسلمين، ومنعته بصورة رداوية عندما طردت حكومة جنوب افريقيا العنصرية من الأمم المتحدة بالرغم من انها دولة مؤسسة للمنظمة وموقعة على ميثاقها في سان فرانسيسكو. تصوير الحرب الأفغانية بأنها حرب ضد الإسلام ينم عن مغالطة أخرى. لقد ظل العالم الاسلامى يبارك ويشيد بتدخل دول حلف الأطلسى وقصفها لمواقع الصرب فى يوغسلافيا وكوسوفو انتصاراً للمسلمين على المسيحيين الارثوذكس. ما الذى نفهم من هذا التناقض الشائه؟ أو يعنى هذا أن التدخل الغربى لنصرة المسلمين ضد سلطان مسيحى جائر أمر محمود، فى حين أن تدخله لحماية العالم كله ضد حاكم مسلم جائر أمر فيه قولان؟ لن نترك الرد على هذا السؤال لأهل الذرائع بل نقول أن نظام طالبان نظام استبدادى قمعي لا يستحق أن يذرف عليه المرء دمعة واحدة. ولا أشك لحظة فى أن أى واحد من الذين يذرفون دموع التماسيح حزناً على ذلك النظام يتمنى لنفسه أن يعيش فى ظل تلك الدولة، ناهيك عن أن يجعل منها نموذجاً يحتذى. ليت طالبان استهدت بقول عالم مستنير من أهلها، لو فعلت لما ركبها الغرور. يقول جمال الدين الأفغانى المبتدئ فى أوليات العلوم يظن أنه تبحر فيها وانتهى، أما الراسخ المحقق فيعتقد أنه ما زال فى الابتداء. طالبان ومن معها أغرقهم بحر الغرور رغم أنهم لا يقفون من الإسلام إلا على القشور. على أن الذين يخلطون الأوراق يدركون ما يفعلون. بعضهم يقول ما يقول بغضاً فى معاوية لا حباً لعلى. كره هؤلاء لأمريكا قادم بهم للخلط وأساءة ترتيب الأمور. وبعض آخر هم فى حقيقة الأمر فرسان طراد يحملون أنفسهم على أهل القاعدة فى حرب ستقضى عليهم وعلى غيرهم. هؤلاء، فى قرارة أنفسهم يتمنون أن تنتصر الرافضة الاسلاموية الجديدة الا أنهم - إزاء الإدانة العارمة لها - لا يملكون المجاهرة برأيهم. وما هذا وأيم الحق إلا الختل والاستطالة. وفى النهاية فأن طالبان لم تظلم فتيلاً فى هذه الحرب التى استفزت غيرها عليها، وغيرها هؤلاء ليسوا هم الأمريكان فحسب بل كل من تحالف معهم من قريش الجديدة. فلا الإسلام مستهدف بضرب طالبان، ولا الذين استنصروا بها بِراء من كل سوء.