باتت كلمة «الارهاب» صرعة عالمية، تعطي الضوء الأخضر حتى لأكثر الدول تشدقاً بالديمقراطية لإقرار قوانين أو اجراءات تتعارض مع أبسط أسس الديمقراطية، وتتعارض حتى مع نصوص الدساتير التي تقرها هذه البلاد. وفي هذا الاطار جاءت اجراءات الطوارئ التي أقرها وزراء الاتحاد الأوروبي، من وجهة نظرهم، لتهدئة المخاوف لدى المواطنين الأوروبيين من التصرفات الارهابية، وللقضاء على بؤر التنظيمات الارهابية، فهي تعطي لسلطات الأمن حق الاعتقال للمشتبه فيه، وتعطي أيضاً حق تسليم المتهمين أو تبادلهم للدول التي تطلبهم، كما تعطي الحق لاختصار الاجراءات القانونية التي تصل بالمتهم في جريمة ارهاب إلى السجن، أي سرعة اصدار الأحكام ضد المتهمين بالارهاب. ولم يكن وزراء العدل في الاتحاد الأوروبي يتوقعون صدور معارضة ما في دول الاتحاد ضد هذه الاجراءات، لكن الواقع غير ذلك، فقد ثارت منظمات حقوق الانسان الدولية والأهلية في معظم البلدان الأوروبية ضد هذه الاجراءات، وتركزت في بلجيكا بلد القرار والتي ترأس الآن الاتحاد الأوروبي، بل في هولندا اندلعت المعارضة في قلب الحكومة، فقد قاد حزب العمل المؤلف للقسم الأكبر من الحكومة الائتلافية حملة اعتراضات سياسية كبيرة على هذه القرارات داخل البرلمان، وأكد أعضاء الحزب ان تسليم المتهمين يهدد سياسة الديمقراطية في هولندا، والتي يخولها الدستور، فأي نوعية من المتهمين سيتم تسليمها للدول الأوروبية أو الدول الأخرى؟ وأكد المعارضون للاجراءات ان السلطات المعنية سوف تخلط بين المعارضين السياسيين وبين المتهمين بالارهاب، وكل معارض سياسي هارب من بلده ولجأ إلى هولندا ـ أو أوروبا ـ سيتم تصنيفه إلى ارهابي. وأكد أعضاء البرلمان ان الدستور الهولندي يكفل الحماية للاجئين السياسيين، فكيف سيتم الفصل بينهم وبين من يمكن تسليمهم، خاصة وان عمليات التسليم أو تصنيف الارهابيين تخضع للقوائم التي تصدرها الولايات المتحدة الأمريكية حول المتهمين بالارهاب. وطالب أعضاء البرلمان الهولندي بأن يحدد وزراء العدل في قائمة نصوص وقانونية شروط واضحة حول من سيتم تسليمهم من المتهمين، وأن تكفل النصوص عدم تسليم متهمين لدول تطبق عقوبات الاعدام، بل يتم الحصول على ضمانات قانونية بعدم تعريضهم لهذه العقوبات،و وهو أمر سيتنافى مع امكانية تسليمهم لأمريكا التي تطبق أحكام الاعدام، مما يضع دول الاتحاد الأوروبي في اشكالية عليهم حلها دون الاطاحة بالديمقراطية وحقوق الانسان. ورغم ان «كورت هالس» وزير العدل الهولندي حاول بذل الجهود والتوضيحات لتهدئة المخاوف البرلمانية، إلا ان هذه الجهود لم تهديء مخاوف أعضاء البرلمان الهولندي، فقد أصبح من الواضح الآن أن كفة الديمقراطية تتعرض لامتحان صعب داخل أوروبا، وعلى الحكومات أن تختار بينها وبين قوانين الطوارئ تحت ستار محاربة الارهاب. هولندا ـ سعيد السبكي: