من أين أتت هذه الجماعات؟ نقول ـ خاصة لمن يجتهدون فى البحث عن الذرائع لتبرير جنايات هذه الجماعات ـ أنها خرجت من رحم الخيبة التى مُنى بها المشروع المدنى القومى الاشتراكى، وتوسم هؤلاء فى أنفسهم القدرة على أن يكونوا بديلاً عنه أكثر فاعلية، وأكثر أهلية للقبول الشعبى. فما هو البديل الذى جاءوا به للمشروع المدنى الذى باخت ناره وعَطُب ركابه. أغناهم عن البديل الممنهج رفع راية الحاكمية لله التى ما كسب الإسلام منها غير الفتنة منذ موقعة الجمل. لم يأتوا برأي رصين واحد حول المشكلات التى تهجس فى عقل كل مواطن مسلم أوعربى: التنمية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، التعايش بين أهل الملل المختلفة فى داخل الوطن بدلاً من استنباط فكر إسلامي ناضج يعالج كل هذه القضايا وابتداع الوسائل العملية لتحقيقه أو تأصيل فكر مستحدث بالقدر الذى يحقق التوافق بين أصول الإسلام وإنجازات الحضارة المعاصرة، انصرفوا لحرب داخلية دامية لم تقف عند الحاكمين والسياسيين بل تجاوزتهم إلى بسطاء المواطنين من غير المسلمين كالأقباط فى مصر مثلاً. وفى حال خصومهم الفكريين كان لهم سلاح واحد، من لم يستطيعوا اغتياله جسدياً اغتالوه معنوياً بتكفيره. فى حربهم تلك تجاوزوا كل قوانين الحرب والسلام بما فى ذلك ما قال به الإسلام الذى يتحدثون باسمه لا يزال المؤمن فى فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً. إصابة ذلك الدم الحرام بلغت أوجها فى الجزائر حيث انتهى الجهاد الإسلامى إلى ذبح الأطفال ونحر الشيوخ وبقر بطون الحوامل من أهلهم مما لم تفعله إسرائيل بغير أهلها. وطوال الفترة التى كانت فيها الجزائر تتلوى من جراحها، لم يدر بخلد واحد من أهل الذرائع أن يدين تلك الوحشية ـ ليس فقط فى ذاتها ـ وإنما أيضاً للوصمة التى الحقتها بالإسلام. من بين الباحثين عن الذرائع هؤلاء القومى المسلم والنصرانى، والماركسى، والمتياسر. هؤلاء هم الاعداء الحقيقيون للرافضة الإسلامية الجديدة، فما الذى يحملهم على التماس المعاذير لتلك الرافضة؟ فى زعمنا الأسباب سياسية أو ايديولوجية ولا تمت لنصرة العرب والمسلمين أو للحقانية بسبب. منهم من يبغض أمريكا لأنه لا يرى فيها الا الحصن الحصين للاستعمار الجديد، أعلى مراحل الرأسمالية. وبينهم من هو غاضب على سياسات العولمة الجامحة التى تقودها أمريكا. ثم هناك وطنيون من بينهم حانقون بصدق على طغوى أمريكا نحو العرب، خاصة فى موقفها من القضية الفلسطينية وآخر تجليات طغوى ثمود هو الاعتراض فى مجلس الأمن على ارسال مراقبين للاشراف على تنفيذ مقترحات ميتشيل. ثمة سؤالان يتبادران إلى الذهن ما هى الفائدة التى سيجنيها أهل الذرائع هؤلاء من حماية الجماعات الإسلامية المتطرفة وإيجاد المعاذير لها؟ أو يظنون أن ذلك سيُحصِنهْم ضد شرورها ان كُتِب لها أن تبقى؟ أو لم ير المصرى منهم ما حاق بفرج فوده وما كان سيلحق بنجيب محفوظ لولا أن عصم ربى؟ أو لم ير ما فعلته المغالاة التى خرجت من رحم التطرف الموبوء بنصر حامد أبو زيد عندما فرقته عن زوجه؟ أو لم يسمع الجزائرى منهم بجناية التطرف على محمد أركون رازى زمانه عندما اتهم بالزندقة ودفع على أن يترك بلاده مسرعاً؟ ولماذا يظن القومى المسلم خيراً بالنظام البديل المنسوب للاسلام والذى يقدمه هؤلاء ودونه تجربة الاعتداء على الاقباط فى مصر التى هددت النسيج الوطنى بالتهتك؟ وأى وحدة قومية تلك التى تقوم على نقض النسيج الوطنى فى الدول القائمة؟ ولماذا يظن بها خيراً القومى المسيحى الذى يعلم علم اليقين بأنه وعشيرته التى تأويه، كفار فى حساب تلك الفئة؟ ولماذا يرى الماركسى الذى يواليها بالعطف أن النموذج المجتمعى البدائى الذى تقدمه هذه الجماعة نموذج أفغانستان التى بايع ابن لادن مُلاها أميراً للمؤمنين أفضل من الرأسمالية الأمريكية، علماً بأن الماركسية نفسها تعتبر الرأسمالية مرحلة متقدمة فى التطور الاقتصادى عن الاقطاع؟ من جانب آخر لماذا يظن خصوم الرأسمالية الجامحة بأن الرأسمالية قد سقطت بسقوط عمارتين شاهقتين فى نيويورك، أو أن الوجه القبيح للعولمة سيزول بضرب حى المال فى تلك المدينة؟ ثم كيف قدر الحانقون على المواقف الأمريكية أن السخط على أمريكا والشماتة بها هو السبيل لردها الى الصواب؟ وكيف يتوقع منا المحلل الإسلامى الذى يكد فى السعى لإنقاذ هؤلاء الارهابيين من المقصلة، أن نصدق مقولاته بأن الإسلام دين سماحة عندما يوحى لنا أن هؤلاء هم بعض رموزه أو عندما ينبرى للدفاع عن طالبان؟ أوليست طالبان هذه هى الجماعة التى قدمت أسوء نموذج للدولة الإسلامية بقتلها لخصومها، وإهدارها لحقوق نسائها، وتعاملها المشين مع منظمات الإغاثة الأجنبية؟ أكثر من هذا أليست هى الجماعة التى احتضنت ابن لادن وصحبه وهى تعلم علم اليقين أنهم كانوا وراء أحداث الأقصر فى مصر، ومحاولة اغتيال الرئيس المصري مبارك فى اديس أبابا، وتفجير مسكن الأمريكيين فى الخبر، ومقتل مئات الكينيين الأبرياء عند الاعتداء على السفارة الأمريكية فى نيروبى، وتذبيح النساء والأطفال فى الجزائر؟ ثم أولم يدر بخلدهم أن تلك الجماعة ظلت منبوذة من كل جيرتها من الدول الإسلامية إيران، تركمانستان، أوزبكستان، طاجيكستان ولم تعترف بها من دول الجوار الإسلامى إلا واحدة باكستان؟ أوليس صحيحاً أن الدولتين الوحيدتين بجانب باكستان اللتين اعترفتا بتلك الجماعة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات سحبتا اعترافهما بها عقب أحداث الثلاثاء الدامى؟. العولمة والاوباش لكل هذا لا نرى فى مواقف أهل الذرائع إلا انحرافاً يُعوص علينا الأمور، والأمور ليست طائعة لنا كما نشتهى. فالرأسمالية لا تسقط بسقوط عمارتين، ولن يصبح الشمات على ما لحق من ضرر بقلعتها المركز التجارى العالمى هو الضربة القاضية عليها، حتى وان بلغ حجم الخسائر فى سوق المال وحده حسب مؤشرات داو جونز تريليوناً ونصف التريليون من الدولارات. محاربة جموح العولمة أيضاً لن يتحقق وفق أجندة دينية بن لادنية ينقسم فيها العالم إلى قريش القديمة بأحلافها وأوباشها وأحباشها أيمن الظواهرى،«قناة الجزيرة، 7 أكتوبر 2001» والى مهاجرى المسلمين أى جماعة ابن لادن. ولئن اختص الظواهرى الاحباش بالذكر فلأنه يضطغن عليهم أشياء الظواهرى هو مهندس محاولة اغتيال الرئيس مبارك فى أديس ابابا التى نجا منه الرئيس وراح ضحيتها ستة من المتآمرين التسعة، ثلاثة منهم صرعوا فى المعركة على يد رجال الأمن الأثيوبى، وثلاثة آخرون اعتقلوا وحكم عليهم بالاعدام. الحرب ضد آثار العولمة لا تخضع للفوارق الدينية ولهذا قد تتصدرها الهند الهندوكية قبل باكستان المسلمة بحكم حجمها وتأثيرها على الاقتصاد الدولى كما تضم ـ فيمن تضم ـ الأحباش والأوباش، كان ذلك على مستوى الحكومات حوار الجنوب ـ الجنوب، أو المستوى الشعبى «الجماعات المناهضة للعولمة» ولكن في نهاية الأمر، العولمة ظاهرة اقتصادية تعلى فيها ثقافة السوق مكانة المبادرة الفردية على الكفالة الاجتماعية، وتكثف من أهمية المصلحة الخاصة «الربح» دون اعتبار للتبعات الاجتماعية المترتبة على ذلك. حقيقة للعولمة بعد ثقافى إلا انه لا يخلو من الهلامية. فثقافة العهد الرقمي dijital aje الذي نحن فيه يطلقون عليها اسم مابعد الحداثة، أي انها تعرف بما سبقها ربما لأنها لم تشكل بعد بصورة نهائية. مع هذا، فطغيان الثقافة الاستهلاكية ـ وهي احدى لوازم ثقافة السوق ـ قد تقود ان تركت تستشري دون ضوابط إلى اهتزاز قيمي ومعنوي في الثقافات الرخوة والحضارات الهشة. وليس هذا هو حال الثقافة العربية أو الحضارة الإسلامية. الثقافات النظيرة للحضارة الاسلامية نازلت الغرب فى كل ميدان، وبزته فى بعضها اليابان والصين، كما اخذت عنه الكثير دون أن تتخلى عن السمات المميزة لثقافاتها. ولو سعت هاتان الدولتان للتقوقع فى ذاتيهما أو آثرتا الانسلاخ عن العالم، ما كانتا لتحتلان المركز العالمى المرموق الذى تحتلانه اليوم. مناهضة العولمة ـ فى جانبها الاقتصادى ـ يعسر تناوله أيضاً من منطلق دينى بحت، خاصة فى عالم تلعب فيه الجغرافيا دوراً أساسياً فى تكييف سياسات الدول وسيرورتها التاريخية. وكما قال الجنرال ديجول التأريخ هو الجغرفيا، بمعنى أن الموقع الجغرافى للدولة يلعب دوراً كبيراً فى مسارها التأريخى. وعلى سبيل المثال يضم أكبر تجمع اقتصادى عالمى دول آسيا والباسفيكى واحداً وعشرين عضواً من بينهم أكبر الدول الإسلامية من حيث عدد السكان «أندونيسيا»، كما يضم أكثر دول الجنوب فاعلية فى مناهضة الآثار السلبية للعولمة «ماليزيا». الأخيرة اغتصبت لنفسها مكاناً فى خارطة العالم الاقتصادية باقتحام آفاق التقنية لا بالمباهاة بديانتها. فمنطقة بانانق مثلاً أصبحت هى وادى سيليكون الجديد فى قلب آسيا بحسبانها واحدة من أكبر منتجى الرقائق السيليكونية فى العالم. وعلى أى فقد قررت هاتان الدولتان بمحض إرادتهما الانضمام لهذا التجمع الذى يبلغ الناتج القومى العام فيه 18 تريليوناً من الدولارات، وتمثل تجارته 44% من التجارة العالمية، ويضم فى أحشائه مليارين ونصف المليار من البشر. الدول التى تملك الحد الأدنى من الذكاء تحدد مواقفها وفقاً لمصالح شعوبها، لا اعتماداً على أوهام ايديولوجية. مع هذا ما فتئت ماليزيا وصحبها فى الهند وجنوب أفريقيا ومصر والجزائر ونيجيريا تقود حملة ضارية ضد كل الآثار السلبية للعولمة. أما الحانقون على أمريكا فلا يضيفون جديداً إلى صحيفة اتهاماتها، فأمريكا الرسمية نفسها تدرك مدى بغض العالم لها. ففى تقرير وحدة مكافحة الارهاب بوزارة الخارجية 1998 جاء أن 40% من حوادث الارهاب فى العالم كانت موجهة ضد مصالح أمريكية. العداء ضد أمريكا لا يصدر، كما أفصح ابن لادن لقناة الجزيرة، عما فعله الاستعمار بالوطن العربى فى الثمانين عاماً الماضية وإنما لرفض النموذج الذى تقدمه استوقفتنا تلك الاشارة لثمانين عاماً من الاستعمار لأن الاستعمار قد وطن بلاد المسلمين قبل أكثر من ذلك بكثير «شبه القارة الهندية» كما وطن بلاد العرب قبلها بكثير أيضاً «الجزائر». الثمانون عاماً تعود بنا على وجه التحديد لسقوط الامبراطورية العثمانية «السلطان عبدالحميد» مما يبنيء بأن ماينويه ابن لادن هو خلافة جديدة ولعل السلطان محمد الفاتح الجديد لا يدري أي جرح سينكأ في قلوب ورثة الامبراطوريات الغربية القديمة «النمساوية والهنغارية والفرنجية والساكسونية» مهما كان ما اتجه اليه خيال السلطان الجديد فان أمريكا، لم تستعمر بلداً عربياً أو إسلامياً واحداً ولهذا كان أقمن بالعداء للاستعمار أن يوجه لبريطانيا وفرنسا. أمريكا أيضاً هى الدولة التى وقفت فى عام 1956 ضد الغزو البريطانى ـ الفرنسى ـ الإسرائيلى على السويس، ولهذا فمع وعينا بأن تسيدها للعالم ـ خاصة عقب انهيار الاتحاد السوفييتى ـ هو مصدر الشنآن ضدها ينبغي ان نكون عدولاً في احكامنا: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا. اعدلوا هو اقرب للتقوى» المائدة 7. حقاً، أصل العداء لأمريكا من جانب المتطرفين هو نموذجها السياسى الذى تقدمه وترعاه ويرفضه المتطرفون لأسباب غير تلك التى يقول بها مناهضو العولمة. عن هذا الرأى عبر الشيخ عمر عبد الرحمن عندما قال أن عداءهم لأمريكا نابع من تأييدها ومساندتها لأنظمة وصفها بالعلمانية «مصر»، ودول أخرى تجهض فى زعمه التجربة الإسلامية حوار مع كيم ميرفى، لوس انجلس تايمز، 3 سبتمبر 1993». فالمتطرفون ليسوا معادين لهيمنة العولمة التى تقودها الولايات المتحدة طالما تركتهم تلك الدولة يعيثون فساداً فى الدول التى نشأوا فيها، خاصة وقد كان الشيطان الجديد أمريكا هو حليفهم الأول فى محاربة الشيطان القديم الاتحاد السوفييتي حتى في هذا المجال لا نخال الذين افلحوا في جرح كبرياء أمريكا واهانتها في عقر دارها قد تدبروا نتائج اعمالهم، وقدروا ما تقود اليه. فان كانت امريكا قد افلحت عقب احتلال الكويت في خلق تحالف ضد العراق يضم ثلاثين دولة، فان تحالفها الجديد ضد من اهانوها في عقر دارها اصبح يضم مئة دولة ومعهم الأمم المتحدة، وحتى هذه الأخيرة ألحق بها ابن لادن تهمة الكفر. ليته قال ان قراراتها تتسم بازدواجية المعايير، فلما عاتبناه، ولكن رميها بالكفر ضربة لازب فيه تمزيق لاوصال الحقيقة وعدوان على الاجتهاد. يقول شيخ القاعدة: «العرب في الأمم المتحدة كفروا بما انزل على محمد، والذين يحيلون الأمور إلى الشرعية الدولية كفروا بشرعية الكتاب الكريم وبسنة المصطفى» «حديث لقناة الجزيرة نوفمبر 2001». أو نظلم أصحاب هذا التفكير ان قلنا ان بينهم وبين عالم اليوم مئات السنوات الضوئية. هناك من أهل الذرائع من هو حانق بحق على سياسات الإدارة الأمريكية التى تمالئ إسرائيل ممالأة عمياء أخلد بهؤلاء أن لا يستعدوا المجتمع الأمريكى كله بل ينفذوا إلى مواقع التأثير على صانع القرار فيه، فى نفس الوقت الذى يفيدون فيه من المراجعات الاستراتيجية للسياسة الأمريكية التى أخذت تبرز فى استحياء. فللعرب عدة «كروت» قد يُبدل الاستخدام الرشيد لها من نتائج اللعبة، كما للولايات المتحدة مصالح استراتيجية كبرى فى المنطقة لا يكفى التذكير بها، وإنما يلزم استخدامها بجدية ووعى فى لعبة الأمم. الريطروطيقا النزالية القديمة لم تجلب علينا إلا الخيبة فى الماضى، وآن لها أن تترجل عن منابرها. أثر الحادث في تكييف المنظور الاستراتيجي الأمريكي تحت كل سحابة داكنة غلالة فضية الغلالة الفضية لغيمة سبتمبر هى أنها جعلت ـ حتى الأمريكى العادى ـ يتساءل لماذا يكرهنا البعض كل هذا الكره؟. صحيح أن الشعوب دوماً تكره الأقوى إما غيرة أو خشية. كرهت أوروبا كلها نابليون لمنهجه التوسعى الذى تجاوز الحد، كما كره العالم بريطانيا يوم أن كانت سيدة البحار. على أن الهيمنة الأمريكية على العالم ـ بخلاف تلك التى مارستها كل الامبراطوريات السالفة ـ هى هيمنة شمولية عسكرية، سياسية، دبلوماسية، اقتصادية، ثقافية. هذا التسيد المطلق لم يُرض حتى بعض حلفاء أمريكا الأقربين دون أن يحسبوا أمريكا من كرائه الدهر. ففرنسا مثلاً دفعتها غيرتها على ثقافتها من جراء اندياح الثقافة الأمريكية على الثقافات الأخرى عبر مشروعات تحرير التجارة لإصدار القوانين حماية لثقافتها الوطنية وتجييش الدول الفرانكفونية للدفاع عن تلك الثقافة. هذا البعد الثقافى للعولمة لا يغير بحال من طبيعتها الأساسية كظاهرة مادية استهلاكية ولهذا فلا محالة من أن يبقى صراع دول الجنوب ضدها صراعاً من أجل العدل والتكافل الاجتماعى. غطرسة القوة أصبحت سمة لازمة للسياسة الأمريكية خاصة فى عهود الإدارات المحافظة ذلك الوصف ابتدعه السناتور وليام فولبرايت رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في الستينيات وأوائل السبعينيات في كتابه المستبصر ْArrogance of Powe . صوت فولبرايت ـ خاصة ابان حرب فيتنام ومحاولة غزو كوبا ـ كان صوتاً وحيداً حتى فى داخل لجنته. زاد من حدة نزعة الهيمنة هذه انهيار الاتحاد السوفييتي الذى جعل من أمريكا سيدة العالم اقتصادياً وعسكرياً بلا منازع، بل أصبح لها فلاسفة يصوغون الايديولوجيات لتبرير بل لتأبيد الهيمنة. ودون أن نعطى حادث الثلاثاء حجماً أكبر من حجمه كما يفعل أصحاب بعض المقولات الشائعة «سقوط امبراطورية السى أى آيه»، «هزيمة أمريكا»، إلا أنه بلا شك كان صدمة كبيرة للكبرياء الوطنى ولأجهزة الأمن. فما كان لأحد ـ مهما بلغ به الخيال ـ أن يتصور أن طائرة مدنية يمكن أن تتحول لصاروخ. هموم استراتيجيى الدفاع الأمريكى يومذآك كانت تسبح فى الفضاء الخارجى حيث ستقيم درعاً صاروخية تقى الولايات المتحدة من صواريخ الروس والصينيين والدول المارقة .Rojue State حال هؤلاء الاستراتيجيين كان كحال استراتيجيينا عقب حرب يونيو انتظرناهم من الشرق جونا من الغرب. شعور أمريكا بقدرتها منفردة على امتصاص كل الصدمات زاد حدة فى عهد إدارة بوش الأصغر، لا سيما آزاء ضغوط المجموعات الانغلاقية التى لا تريد لأمريكا إلا أن تنكفئ على نفسها بحسبانها قادرة بدون غيرها على حماية نفسها. وكأن هؤلاء المنغلقين قد أرادوا العودة بأمريكا إلى نظرية جيمس مونرو «الرئيس الأمريكى الخامس 1817 ـ 1825» بعد توسيعها. نظرية مونرو ـ فى مبادئها الأربعة ـ نادت بعدم التدخل فى شئون أوروبا، عدم التدخل فى المستعمرات القائمة فى نصف الكرة الغربى، عدم السماح بإنشاء مستعمرات جديدة أو التدخل فى ذلك الجزء من المعمورة. أما المونروية الجديدة، فمع رغبتها فى أن يكون لها رأى فصل فيما يدور فى العالم كله ـ وليس فقط فى نصف الكرة الغربى ـ لا تبغى أن يتدخل الآخرون فى تكييف ذلك الرأى رغم انعكاساته عليهم. رأيها ينبغى أن يكون هو الفصل حتى فى القضايا ذات الطابع الأممى البيئة كاتفاق كويتو مثلاً، أو فى تلك التى تعنى حلفاءها أو يثير الاستفراد بها ثائرة منافسيها الدرع الصاروخية الواقية وإلغاء الاتفاق ضد الصواريخ الباليستية، 1972، أو مناهج العمل داخل المنظمات الدولية المعترف بها «الأمم المتحدة». هذا الانكفاء صحبه على الصعيد الداخلى جهد جهيد لتقليص دور الدولة حتى يُطلق العنان لآليات السوق، حتى فى الأمور التى ليس للسوق فيها من دو التعليم، الصحة، الرعاية الإجتماعية. كل تلك المسلمات سقطت بعد يوم الثلاثاء، وسقط معها الاحساس بأمان افتراضي ٌirtua. استفاق أيضاً المونرووين الجدد أن أمريكا ـ حتى فى حماية نفسها داخلياً ـ لا تستطيع أن تبقى بمعزل عن العالم. ذلك واقع أصم الانغلاقيون آذانهم عن سماعه من قبل، واغمضوا اعينهم عن رؤيته. بجانب ذلك أدرك حزبهم الحاكم بأنه فى حاجة إلى تحالف داخلى واسع «مع الديموقراطيين»، أن كان له أن يجابه النازلة الجديدة بأى درجة من النجاح نتاج هذه المراجعات ـ إعادة النظر فى السياسة المتشددة نحو روسيا والتى ظلت تبشر بها كوندوليزا رايس، مستشارة الرئيس لشئون الأمن القومى. لغة كوندوليزا الجديدة أصبحت هى ضرورة التعاون مع روسيا لأن قيماً مشتركة تجمع بيننا. لغة جديدة وتوجه جديد من بعد توتر حاد بين البلدين زاد من حدته اصرار الإدارة على إقامة درع الصواريخ الواقى والذى تعنى به أولاً روسيا ثم الصين، كما فاقمت منه إدانة أمريكا للعنف الذى تجابه به روسيا الشيشان. ـ رد الاعتبار للأمم المتحدة باللجوء إليها للحصول على غطاء شرعى دولى لحربها ضد الارهاب «القرار 1373» وسداد كل المتأخرات الأمريكية بعد أن سحب النواب المشاكسون جلهم من الحزب الحاكم اعتراضاتهم على دفع المتأخرات. ـ السعي لقيام تحالف دولى عريض لمحاربة الارهاب يشمل حتى بعض الدول التى صنفت فى قائمة الدول الارهابية. فلولا الحرص على ذلك التحالف العريض لما أيدت الولايات المتحدة دخول سوريا فى مجلس الأمن، خاصة مع توالى ضغوط إسرائيل حتى اللحظة الأخيرة على أمريكا للحيلولة دون ذلك باستخدام حق الرفض فى مجلس الأمن. ـ المراوغة فى الحديث عن الدرع الدفاعية في الخطاب الداخلى بالرغم من نفوذ دعاته بين الجمهوريين وكلهم ينتمى الى ما أسماه الرئيس ايزنهاور الحلف أو المركب العسكرى ـ الصناعى مٌٍُِك military - industrial ـ الاصطلاح مع الديمقراطيين على زيادة الدعم لمشروعات التعليم مع ما فيه من خروج على مسلمات الحزب الحاكم تقليص دور الدولة فى الإدارة والرعاية الاجتماعية مما تمثل فى التوسع فى نفوذ الدولة بإنشاء إدارات جديدة مثل إدارة الأمن الداخلى ومضاعفة الدعم للمؤسسات الحكومية «40 بليون دولار للطوارئ». ـ إنهاء هيمنة جماعات الضغط الفاعلة على قرارات ذات أثر على صحة أسواق المال العالمية مثل الحد من عمليات غسيل الأموال والحفاظ على سرية الودائع المصرفية حتى وأن جاءت من مصادر مشبوهة تجارة المخدرات، انتهاب بعض الرؤساء لأموال شعوبهم. المصارف الأمريكية وأنصارها فى الكونجرس ما انفكوا حتى حادث سبتمبر يعترضون على أى إجراء يفرض رقابة على المصارف ـ خاصة تلك التى تعمل فى المرافئ الآمنة . off-shore الودائع من الدولارات الأمريكية فى جزر الكيمان وحدها تبلغ 800 مليار دولار وتزيد بأكثر من مئة مليار كل عام. كل تلك المقاومة اصبحت فى خبر كان يوم أن قررت الإدارة متابعة مصادر تمويل الإرهاب. ـ بداية الإدراك بأن التراخى فى إيجاد حلول للقضايا الملتهبة مثل قضية فلسطين وقضية كشمير يضر بالسلام الدولى هذا الادراك الجديد يصبح بلا معنى ان كان الهدف منه هو تطييب الخواطر لا المضي به إلى نهاياته المنطقية، ولاشك في أن لنا دوراً في التأثير على امريكا حتى تمضي به إلى تلك النهايات.