هل تصبح مصر قريبا مركزا من مراكز الانتاج لكبريات الصناعات الاوروبية.. قد يتصور البعض ان هذا نوع من العبث أو الخيال أو الطموح المبالغ فيه أو نوع من التفاؤل المفرط ولكن الامر له مؤشرات ودلائل واقعية يرصدها كل من يتابع ويحلل توجهات السوق المصرية. فقد شهدت السوق المصرية بالفعل اقبالا من شركات أوروبية عملاقة على العمل في السوق المصرية لانتاج نفس منتجها الأوروبي بنفس الجودة والمواصفات ولكن بأيد عاملة مصرية وبخطوط انتاج مصرية. الظاهرة بدأت منذ سنوات وتزداد يوما بعد يوم بدخول شركات أوروبية جديدة للسوق المصرية من خلال علاقة شراكة مع رجال أعمال مصريين يتولون تصنيع المنتجات الأوروبية في مصانعهم بالاستعانة بخبرات أوروبية ويعاد تصدير الانتاج إلى الدولة الأم ويصدر إلى جميع الاسواق الأوروبية. ـ من المستفيد أكثر في هذه الظاهرة هل هو الجانب الأوروبي الذي يبحث عن تكلفة مخفضة لمنتجه من خلال ايد عاملة ومواد انتاج ارخص خاصة بعد الارتفاع الجنوني في تكلفة الايدي العاملة الأوروبية؟ أم أن الجانب المصري هو المستفيد أكثر من خلال نقل الخبرة والتكنولوجيا الأوروبية اليه وانفتاحه علي الصناعات الأوروبية المتقدمة؟ ـ فى البداية يقول د. مصطفى الرفاعى وزير الصناعة: الحقيقة ان الجميع مستفيدون وهذا اساس اي عمل ناجح خاصة إذا ادركنا عمق العلاقات الاقتصادية المصرية الأوروبية، فالاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لمصر. ولعل التوقيع النهائي لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يساهم بشكل واسع في تنمية التجارة والاستثمار على نحو واسع خلال السنوات القادمة بين مصر ومختلف دول الاتحاد الأوروبي. ومما اثار هذه القضية من جديد هو ما حدث من اعلان عن اتفاق بين شركة رودييه العالمية الفرنسية للملابس وشركة بيلادونا المصرية على بدء تصنيع المنتج الأوروبي في مصر بنفس مواصفاته العالمية وبخطوط انتاج مصرية وبأيد عاملة مصرية وإعادة تصدير المنتج الفرنسي إلى فرنسا وبقية دول أوروبا. وقد سبق هذه التجربة عدة تجارب مشابهة منها تصنيع قطع غيار سيارات ستروين الفرنسية في مصر عبر شركة الفا أوتو وايضا تصنيع سيارات النقل مرسيدس الألمانية العالمية في مصنع مصري بالصالحية بالخبرة الالمانية وبالطاقات الانتاجية المصرية وايضا تصنيع منتجات بيكا الألمانية العالمية لأدوات المطبخ في مصر عبر مصنع مصري في مدينة السادس من أكتوبر. والحقيقة أن السوق المصرية من الاسواق الواعدة التي تجذب المستثمرين الأوروبيين نظرا لاتساعه الشديد وتباين انماط وأذواق المستهلكين وهو في نفس الوقت اقرب إلى أوروبا من اسواق اخرى. ـ اما فؤاد حدرج رئيس شركة بيلادونا وعضو مجلس إدارة جمعية الصداقة المصرية اللبنانية لرجال الاعمال فيقول: أوروبا اصبحت الان من ابرز القوى الاقتصادية في العالم ولابد ان نسعى في مصر والعالم العربي إلى تعميق علاقات التعاون الاقتصادي معها خاصة في ظل توقيع اتفاق الشراكة المصرية الأوروبية. كما ان تعاونا ناجحا يقوم على الاستفادة المتبادلة من المزايا التي يتمتع بها كل جانب ونحن في حاجة إلى الاستفادة من الخبرة الصناعية الأوروبية ومن الارتباط بالتكنولوجيا المتقدمة وعلى الجانب الاخر يمكن ان نقدم الكثير من المزايا الانتاجية إلى الجانب الأوروبي التي تجعله يختار مصر كقاعدة انتاجية مهمة بدلا من التوجه إلى دول شرق اسيا التي تتمتع بمزايا واسعة في انخفاض تكلفة الايدي العاملة ومستلزمات الانتاج. كما يجب الا نقلل من ظاهرة الشراكة بين شركات أوروبية ومصرية لتصنيع المنتج الأوروبي في مصر باستثمارات مصرية على اعتبار انه ليس استثمارا أوروبيا مباشرا برؤوس اموال أوروبية ولكنه شكل جيد من اشكال التعاون البناء والفعال بين الجانبين والطرفان مستفيدان بشكل كبير. نمو ضطرد ـ اما «روزلييه» رئيس شركة رودييه الفرنسية العالمية فيقول: الحقيقة ان الاستثمارات الأوروبية في مصر آخذة في النمو بشكل كبير وان السوق المصرية هو سوق مهم في الشرق الأوسط كما انه شديد الاتساع ويتمتع باستقرار ملموس سياسي وامني وتشريعي كما انه يعد من الاسواق الدولية الصاعدة التي تجذب المستثمرين الألمان. كما ان الاقتصاد المصري خطا خطوات جيدة في السنوات الاخيرة في طريق الاصلاح والتنمية واصبح السوق المصري يتسم بأنه جاذب للاستثمارات الاجنبية نظرا لضخامة هذا السوق وامكانياته المرتفعة. اما المهندس كريم غبور العضو المنتدب لشركة MCV فيقول: هناك كثير من الشركات الأوروبية العملاقة ادركت ان مزيدا من التسويق الناجح يتطلب تخفيضا في تكاليف الانتاج وخاصة بالنسبة لتكلفة العمالة حيث انه من المعروف ان العمالة الأوروبية وخاصة الألمانية من اغلى انواع العمالة على مستوى العالم. وهذه الظاهرة الجديدة على السوق المصرية ظاهرة ايجابية تخدم المصالح الاقتصادية للجميع فأوروبا ستصل إلى تصنيع منتجاتها بتكلفة اقل لان اجور العمالة المصرية والتي سيتم الاعتماد عليها بشكل اساسي تقل كثيرا عن العمالة الأوروبية وسيحقق نفس الامر فوائد جمة للاقتصاد المصري من خلال انتعاش ملموس في الاستثمارات الاجنبية وزيادة في فرص العمل الجديدة. كما أن انتاج المنتج الأوروبي في مصر هو اضافة اقتصادية مهمة ومؤثرة للاقتصاد المصري ولن تكون هناك أية عوائق علي التصدير بأية كمية لأوروبا ولن تفرض اي من القيود الأوروبية المعروفة على دخول هذا المنتج. ـ واخيرا يقول د حاتم القرنشاوى استاذ الاقتصاد وعميد كلية تجارة الازهر: اقدام الشركة العالمية على تصنيع منتجات قطع الغيار اللازمة لسياراتها في مصر يعتبر شهادة ثقة في مناخ الصناعة والاستثمار في مصر وسيشجع مزيدا من الشركات العالمية على الاقتداء بنفس التجربة. والحقيقة ان الاستثمار الاجنبي بدأ يتنبه بشدة للاقتصاد المصري وهو ما جعل شركة ستروين العالمية تفكر في الاستفادة بالميزات النسبية في مصر من رخص الايدي العاملة وتوافر المواد الخام حيث وقعت اتفاقا مع بعض الهيئات الصناعية المصرية للتعاون في تصنيع قطع غيار سيارات ستروين في مصر واعادة تصديرها لفرنسا وهو ما يعني ان مصر ينظر إليها حاليا باعتبارها من الاسواق الواعدة. كما ان ذلك يعد خطوة متميزة نحو جذب الاستثمارات وانعاش عجلة التنمية في مصر ونأمل المزيد لان المشاركة المصرية في التجارة الدولية والاستثمار مازالت محدودة بالرغم من الجهود الهائلة التي بذلت مؤخرا في مجال التنمية وتوسيع مشاركة القطاع الخاص. وفى تصورى انه من الضرورى الاهتمام بتفعيل وتطوير التكتلات الاقليمية التي تنتمي اليها مصر والاهتمام بشكل خاص بقضية التصدير باعتبارها البوابة الحقيقية لتحقيق اقتصاد قوي والمشاركة الفعالة في التجارة الدولية ودعم وتقوية التكتلات الاقليمية التي تضم الدول النامية وتجعلها قادرة على مواجهة التكتلات التي تضم الدول الكبرى، كما ان مصر تعطي اهمية خاصة لتطوير وتفعيل التكتلات الاقليمية بين الدول النامية ومنها مجموعة الـ 15 وتجمع الكوميسا وتسعى لتطوير مساهماتها فيها وهذا التحرك سليم نحو تأكيد دور الدول النامية في الاقتصاد الدولي وتعزيز مساهمتها فيه. القاهرة ـ ناجي حسين: