احيا الجزائريون في الفاتح من نوفمبر ذكرى مرور سبعة وأربعين عاما على اندلاع ثورة التحرير الكبرى في مثل هذا التاريخ من عام 1954 من جبال الأوراس الشامخة لتعم كل أرجاء القطر وتزرع الذعر في صفوف المحتلين لأكثر من سبع سنوات. ولم تتوقف عن المواجهة إلا بعد دحر قوات الاحتلال وتحقيق الاستقلال الكامل في عام 1962م. وتدوم الاحتفالات أسبوعا كاملا تتخلله ندوات تاريخية وفكرية ونشاطات تربوية للأطفال ذات علاقة ببطولات أسلافهم وألعاب عسكرية رياضية وغيرها من الفعاليات المخلدة لما يعتبره الجزائريون أعظم حدث في تاريخهم. وجاءت احتفالات هذه السنة متزامنة مع المستجدات التي تشهدها الساحة الدولية لاسيما ما تعلق بمكافحة الارهاب في كل مكان باعتباره آفة العصر. وبالنظر الى كون الكفاح التحرري الجزائري كان نبراسا لإصرار الشعوب على الانعتاق من هيمنة العبودية ونير الاستعمار، وكان في نفس الوقت مسلحا عنيفا، حرص معدو الحصص التلفزيونية والمتدخلون في الندوات السياسية والتاريخية والفكرية المنظمة على إبداء الفرق الكامن بين العمل المسلح الهادف لتحرير الأرض والإنسان من الغزو الأجنبي والعمل الهمجي الذي تمارسه الجماعات الارهابية التي رمت بها تناقضات المجتمعات والتناقضات التي يشهدها عالم اليوم الى السطح لتصنع الحدث بارتكاب الجرائم وتبريرها بمشروع بناء مجتمع مخالف لما هو قائم. ثورة الجزائر إذن كانت من أجل التحرر والشرف والحق في الحياة، فكيف كان المسار؟ بداية العمل السياسي الثورى كانت الثورة المسلحة تتويجا لمسار نضال سياسي منظم بدأ في العشرينيات بتأسيس أول حزب سياسي في البلاد عام 1926 باسم «نجم شمال افريقيا» بمبادرة من نخبة من المثقفين والنقابيين الواعين يتقدمهم عبد القادر حاج علي ومصالي الحاج، كان بعضهم منظما في نقابات العمل الفرنسية التي كانت وقتها أقوى النقابات في العالم وبعضهم الآخر في لجنة المستعمرات التابعة للحزب الشيوعي الفرنسي. وكانت هذه الصفوة من السياسيين والنقابيين قد تعاطت مع مبادرات الأمير خالد حفيدالأمير عبد القادر الجزائري قائد المقاومة ضد الاحتلال بين 1930 و 1948 القاضية بالتأسيس لفكر جزائري معاصر ومتفتح لكن بروح التميز عن الاوروبيين. والحال أن الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية كانت حاسمة بالنسبة للجزائريين لترجيح اختيار العمل السياسي المتميز في ظل تنظيمات سياسية ونقابية خاصة بهم مع تسجيل تعاون مع المنظمات الفرنسية والأوروبية الأخرى المعارضة للاستغلال الرأسمالي الذي يمارسه الحكام وملاك الأراضي على الأهالي الجزائريين. فمشاركة عشرات الآلاف من الجزائريين في المجهود الحربي الفرنسي ضد ألمانيا وحلفائها واحتكاكهم مع غيرهم من الأوروبيين أكسبهم ذهنية عقلانية ومنحهم قوة تحليل الأوضاع والتعامل معها بأهداف محددة وأبعدهم عن عقلية رد الفعل التي سيرت الانتفاضات والثورات المتفرقة التي فشلت كلها وكرس فشلها هيمنة الفرنسيين وتقوقع أهل البلد في عالم من التخلف والجهل قلما وجد له مثيل. باختصار كانت مشاركة الجزائريين في الحرب العالمية الأولى انطلاقة لعقلية جديدة كانت الأساس الذي مهد للعمل السياسي المنظم. وكان طبيعيا في ظل هذه المستجدات أن يرد الجزائريون على الاحتفالات التي اقامتها فرنسا عام 1930بمناسبة الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر أكبرمستعمراتها وأغناها وأقربها الى التراب الفرنسي، باقامة منظمات مكافحة جديدة وليس بانتفاضة آنية ستنتهي الى ما انتهت اليه سابقاتها. فتحرك علماء الدين يتقدمهم الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الجزائرية الحديثة وأسسوا «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» عام 1931 وحددت أهدافها في الحفاظ على مقومات الأمة الجزائرية من دين ولغة أمام عمليات التنصير والفرنسة التي تقوم بها الادارة الاستعمارية لمسخ الأجيال الجديدة من الجزائريين فأنشأت المدارس في كل المدن والقرى أعدت في ظرف سنوات قليلة عشرات الآلاف من الرجال القادرين على تأطير الشعب كان من بينهم عدد كبير ممن فجروا ثورة الفاتح من نوفمبر 1954. الخدعة الكبرى وظل العمل السياسي للجزائريين في تطور ونشأت أحزاب عديدة أطرت الجماهير وحفزتها على النضال الوطني واستوعبت بشكل متزايد قواعد النشاط الحزبي والنقابي والجمعوي وما اليها. حتى أنها أدركت أهمية دحر النازية خلال الحرب العالمية الثانية وكان عدد الجزائريين في صفوف الجيش الفرنسي ثاني قوة بعد الفرنسيين الأصليين وسقط منهم في ميدان المعارك نحو 300 ألف جندي. وحين كانت فرنسا ترزح تحت الاحتلال النازي عبأت الشباب الجزائري لنجدتها ووعدت بمنح الجزائريين حقوقا واسعة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في حالة الانتصار على المحتل، لكن حين تحقق المبتغى ردت على مسيرة سلمية بمدينة سطيف غداة استسلام ألمانيا بمجزرة راح ضحيتها أكثر من 45 ألف جزائري برصاص العساكر الفرنسيين في ظرف أسبوع من القمع الأعمى. واعتقلت الأجهزة البوليسية أكثر من ألف ناشط في الأحزاب الوطنية والمواطنين العاديين. وكانت الحادثة بمثابة زلزال في صفوف التنظيمات السياسية دفعها الى اعادة النظر في قواعد تعاملها مع الوضع وتأسس ميزان قوى داخلها يرجح تبني الكفاح المسلح باعتباره اللغة الوحيدة التي يفهمها الاستعمار باتساع رقعة اليقين أن «ما أخد بالقوة لايسترد الا بالقوة » وكرس هذا التوجه لجوء الادارة الاستعمارية الى تزويرانتخابات عام 1947 التي كانت ستمرغ وجه فرنسا في التراب. ولم يبق في الميدان غير الاستعداد لحرب التحرير فتأسست في نفس العام «المنظمة السرية » وهي الجناح المسلح لحزب الشعب الجزائري أكبر أحزاب البلاد و أكثرها اصرارا على الاستقلال التام، وحضرت وفق الشروط الصعبة المفروضة وكانت النواة التي فجرت ثورة نوفمبر1954. في بداية الأسبوع الأخير من أكتوبر 1954 التقى ستة رجال بمنزل في الجناح الغربي للعاصمة الجزائر وقرروا انطلاق حرب التحرير ليلة أول نوفمبر بهجمات على مواقع الاستعمار بجميع جهات القطر. وهؤلاء الستة هم: محمد بوضياف ـ محمد العربي بن المهيدي ـ ديدوش مراد ـ رابح بيطاط ـ كريم بلقاسم ـ مصطفى بن بوالعيد تقاسم الستة المهام واتفقوا على الانتشار في البلاد لقيادة العمليات التي قرروها كل في منطقته، وعلى اصدار بيان للشعب يدعوه الى احتضان الثورة التي لن تتوقف الاعند باب الاستقلال. وخلال الأسبوع تشكلت الفرق التي تنفذ الهجمات ووزعت الأسلحة وتحددت المواعيد بدقة متناهية. وجرى كل شيء في سرية تامة كون البوليس الفرنسي كان يراقب عددا كبيرا من الشباب الجزائري فيما كان يبحث عن آخرين وضعهم على قائمة «الخارجين على القانون» وهم كلهم من «المنظمة السرية» التي حلت نفسها قبل مدة حين اكتشفتها مصالح الأمن الفرنسية. وفي الليلة الموعودة انطلقت الأفواج في العاصمة والأوراس والقبائل و وهران وسطيف وغيرها ونفذت عشرات من العمليات الجريئة منها المسلحة ومنها التخريبية بإضرام النار في المصالح الادارية والاقتصادية التابعة للحكومة الفرنسية ولرجال المال الفرنسيين. وغرق المجتمع الفرنسي في بحر من الخوف والحيرة. وبموازاة العمليات المسلحة أطلقت المجموعة المبادرة بالثورة بيانا سمي «بيان أول نوفمبر» أعلن انطلاق الكفاح المسلح وحدد معالم الدولة الجزائرية المستقلة «دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الاسلامية ». وبقدر ما كانت الثورة كابوسا على الفرنسيين كانت مجال تعبير راقياً للجزائريين فانخرطوا فيها وقووا عضدها بالرجال والمال والسلاح وانتزعت في سنتها الأولى ولاء أعداد متزايدة من الجزائريين. وكان القرويون يستقبلون المجاهدين ويقاسمونهم الرغيف وانخرط الرجال والنساء في العمل الفدائي بتفجيرات يومية بمواقع الفرنسيين لاحداث الرعب وزعزعة ثقتهم في عقيدتهم الراسخة بأن «الجزائر فرنسية » وحقق الثوار انتصارات كبيرة باتباع طريقة حرب العصابات التي لم تستطع مقاومتها الآلة الحربية الفرنسية المدعمة بتجهيزات وخبرة الحلف الأطلسي. فقد كانت أكبر الطائرات التي تقصف القرى يوميا من صنع فرنسي وكانت فيالق «اللفيف الأجنبي» تتكون من مرتزقة من دول الحلف ومن بلدان افريقية واسيوية انخرطوا في الجيش الفرنسي خصيصا لتوظيفهم في العمليات المعقدة ضد الثورة الجزائرية. وألقى الطيران الفرنسي مئات الأطنان من القنابل على المدنيين لحملهم على عزل الثوار وقطع الصلة بهم. وأقام عشرات الآلاف من الجنود الفرنسيين المجهزين بأحدث أدوات الفتك حصارا على منطقة الأوراس التي شهدت انطلاق أول رصاصة في ليلة الفاتح من نوفمبر، وكانت أكثر مناطق الجزائرالتهابا في الأيام الأولى للثورة. وقدمت جوائز مالية خيالية لمن يبلغ على «الخارجين عن القانون» أو يقتل منهم. وسنت قوانين جديدة للتعامل مع الجزائريين كونهم جميعا «ارهابيين محتملين». التنظيم والاحتكام الى مرجعية وفي 20 أغسطس 1955 قاد الشهيد زيغود يوسف هجوما كاسحا على مصالح الاستعمار في الشمال القسنطيني أوقع فيه مئات من القتلى والجرحى في صفوف جيش الاحتلال، وكان الهدف هو فك الحصار على منطقة الأوراس التي حولها الجيش الفرنسي الى ساحة واسعة للمجاعة والموت. ونجح الهجوم مئة بالمئة واعترف الفرنسيون بمحدودية خططهم فاستنجدوا بخبراء من الحلف الأطلسي لدراسة الوسائل التي من شأنها الحد من «الحرب المباغتة » التي يشنها الجزائريون يوميا. حتى أن أحدهم قال «ان هؤلاء يقومون كل يوم بحروب عديدة في حرب واحدة » في اشارة الى أن الذي يجري ليس حربا مباشرة يمكن للقوة الفرنسية المتفوقة عدداً وتكنولوجيا أن تحسب لها وتضع لها خطة المجابهة. فما يقوم به الجزائريون كانت هجمات متقطعة ونتاج مبادرات محلية من مختلف المجموعات المسلحة المنتشرة في كل مكان. كان الجميع يعلم أنه إن أتيحت له فرصة قتل جندي فرنسي أو عميل أو أي شخص يستفيد منه الاستعمار لابد له انه لايتردد لأن ذلك يخدم الثورة ويعجل بالحرية. ولما صارت الثورة قد انتشرت في كامل الأرجاء واحتضنها قررت القيادة العامة إقامة نظام عام وضوابط حتى لاتنحرف وتتحول الى عصابات مختلفة الأهداف فعمدت الى عقد أول مؤتمر عام للثورة في 20 أغسطس 1956 بمنطقة ايفري الواقعة بجبال القبائل، سمي «مؤتمر الصومام » نسبة الى نهر الصومام الذي يخترق المنطقة ليصب في البحر على أبواب مدينة بجاية. وطرح فكرة عقد المؤتمر قائد منطقة الشمال القسنطيني زيغود يوسف وقبلتها القيادة وحضّر لتجسيدها غبان رمضان أهم رموز النخبة المثقفة في الثورة مع مجموعة من رفاقه. ويستند اختيار المكان الى معطيين هامين أولهما أمني كون المنطقة احتضنت الثورة وجبالها وعرة وكثيفة الغابات ما لا يسمح لقوات الاحتلال بالهجوم المفاجئ وثانيهما تاريخي كون جنرالات الجيش الفرنسي عقدوا قبل قرن من الزمان اجتماعا على الضفة الشمالية لنهر الصومام لتكريس الحكم العسكري في الجزائر وتقسيمها الى ثلاث مقاطعات ادارية هي الجزائر و قسنطينة و وهران. وكان عقد مؤتمر الثورة الأول هنا بمثابة إلغاء للمخطط الاستعماري واستبداله بنظام جزائري. ووافق المؤتمر على وثيقة المبادئ العامة المسيرة للثورة والقانون الداخلي لمؤسساتها وشكل المجلس الأعلى للثورة وفوض القيادة للسعي الى ايجاد الآليات التي من شأنها تعزيز الكفاح المسلح وربط علاقات بالمحيط الخارجي لاسيما البلاد العربية والاسلامية ودول شرق أوروبا المناوئة للمعسكر الغربي الذي يدعم المجهود الحربي لفرنسا، وهذا بغرض خلق مناخ دبلوماسي مساعد على التعريف بالقضية وايجاد مصادر التموين بالسلاح. وتم تنظيم الثورة اداريا وعسكريا في ستولايات تسير بشكل شبه مستقل. الحكومة المؤقتة وفي عام 1958 كانت الثورة الجزائرية قد وصلت الى مستوى جعلها حاضرة باستمرار على أعمدة الصحف الكبرى في العالم وتناولتها محطات الاذاعة والتلفزيون يوميا ودخلت أروقة الأمم المتحدة من خلال أنصارها من البلاد العربية والاسلامية ودول آسيا و افريقيا المستقلة، كما ساندتها دول محايدة في أوروبا الغربية والحركات النقابية والطلابية الديمقراطية. وكان لابد من توفير مؤسسة قيادية عصرية مؤهلة للتفاوض واسماع صوت الجزائر، فتشكلت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية برئاسة الطبيب الصيدلي فرحات عباس الذي التحق بالثورة بعد اندلاعها وهو رئيس سابق لحزب البيان وعضو في البرلمان ذي الأغلبية الفرنسية. وانطلقت مرحلة جديدة في عمر الثورة تركزت ـ فضلا عن المواجهة المسلحة التقليدية ـ على عدة أعمدة رئيسية: 1- تأسيس قوة دبلوماسية نافذة باعطاء أهمية لوزارة الخارجية وممثلي الحكومة المؤقتة في الخارج وبناء شبكة قوية من المناصرين في كل العالم، وكان الهدف هو تدويل القضية الجزائرية التي حرصت فرنسا وحلفاؤها على اعتبارها مسألة داخلية، والوصول الى فرض مفاوضات الاستقلال على الفرنسيين موازاة مع استمرار الحرب التحريرية المسلحة. 2ـ تعزيز التغلغل في أوساط الجماهير بتنفيذ برنامج اجتماعي والتكفل بأسر الشهداء والمجاهدين واقامة المدارس وتوفير العلاج للمحتاجين والشروع في بناء نواة الادارة والقضاء، وقطع الصلة بين الجزائريين والادارة الاستعمارية حيثما كان ذلك ممكنا، حيث تدون عقود الزواج والبيع والشراء وغيرها من قبل قضاة الثورة بدل مصالح العدالة الفرنسية، كما باشرت المحافظات السياسية نشاطا مكثفا وسط المواطنين لرفع معنوياتهم وتقوية صبرهم واعدادهم للمواجهة. 3 ـ تأسيس جهاز مخابرات قوي باسم وزارة التسليح والاتصالات العامة بقيادة عبدالحفيظ بو الصوف واحد من الرجال الثلاثة الأقوياء في الثورة الى جانب كريم بلقاسم و الأخضر بن طوبال. وتمكن الجهاز من اختراق صفوف المصالح الفرنسية المختلفة كما استطاع تأمين حاجة الثورة من السلاح. 4ـ نقل الحرب الى التراب الفرنسي، بتكثيف العمليات الفدائية على مراكز الشرطة والجيش والمخابرات في المدن الفرنسية الكبرى لحمل الشعب الفرنسي على ممارسة الضغط على قيادته وإدخاله عنصرا هاما في معادلة الصراع في الكفة المعادية لاستمرار الاحتلال. وخاض الفدائيون الجزائريون معارك دامية في باريس ومرسيليا وليون وتولوز وغيرها سقط خلالها مئات من الشهداء وعدد غير معروف من عناصر جيش وبوليس فرنسا. وكان ذلك بالفعل عاملا هاما في الثورة بتأليب الشعب الفرنسي على الحكومة، ونظم الطلاب والعمال وعامة الناس مظاهرات ضد استمرار حرب الجزائر. الترهيب والترغيب اعتلى الجنرال شارل ديجول الرئاسة الفرنسية عام 1958 فشكل حكومة حرب حقيقية، وكان أكبر «مشكل فرنسي» وقتها هو الجزائر. فقبله سقطت ثلاث حكومات بفعل فشلها في وضع حد لما يسمونه التمرد، وخسرت تلك الحكومات جميع مستعمراتها، بمنحها الاستقلال حتى دون مقاومة لحشد قواها لاحكام السيطرة على الجزائر وتفلت جميع جيوشها الرابضة في مستعمراتها الى الجزائر حتى صار العدد 1.4 مليون جندي. وجندت نحو 300 ألف جزائري في الجيش والشرطة وعددا كبيرا من المخبرين تعذر إحصاؤهم وضاعفت رواتبهم لاستمالة الناس الى التجند في صفوفها. بيد أن مجموع وسائل الترهيب هذه عجزت على إخماد نار الثورة فعمد الجنرال ديجول الى أسلوب الترغيب فزار الجزائر وأعلن فيها انطلاق إصلاحات واسعة تسوي بين الجزائريين الأصليين والسكان المنحدرين من الأصول الأوروبية، وسمى مبادرته «مشروع قسنطينة» نسبة المدينة قسنطينه عاصمة شرق الجزائر القريبة جدا من منطقة الأوراس التي انطلقت منها أولى رصاصات الثورة ليلة الفاتح من نوفمبر 1954. وتحولت البلاد بالفعل الورشة عملاقة حيث بنيت مئات الآلاف من الشقق والمصانع والمدارس وتم توحيد بطاقة الهوية بين جميع المقيمين في الجزائر من الأصليين والوافدين الفرنسيين وألغيت عبارة «فرنسي مسلم » التي تحملها بطاقات التعريف للتمييز بين الجزائريين من عرب وبربر وغيرهم من الأوروبيين. و وزعت المساعدات والوظائف في القطاعات الحكومية والخاصة. وكان الغرض هو عزل الثوار عن باقي الشعب وخنقها باعتبار العلاقة بين الثوار والشعب كالعلاقة بين السمك والماء. لكن الثورة ازدادت قوة وصار صوتها مسموعا لدى أمم الدنيا قاطبة. و تسبب فشل المخطط الديجولي في أزمة عميقة داخل الحكومة الفرنسية. فحاول التيار اليميني المتطرف في الجيش قلب نظام الجنرال، ثم حاول فصل الجزائر عن فرنسا واقامة نظام بها يشبه نظام البيض في جنوب افريقيا وشهدت عاصمة الجزائر وقتها مواجهات مسلحة بين فصائل من الجيش والشرطة موالية للرئيس وتلك التي يسيرها الانقلابيون وكان على رأسهم الجنرال سالان. وبقدر ما أربك ذلك الوضع المجتمع الفرنسي والطبقة السياسية والحكومة الفرنسية كان بالنسبة للثورة الجزائرية عامل قوة كون الذي يجري دليل على أزمة في مؤسسات الدولة الاستعمارية سببها اندلاع الثورة في الجزائر والضربات الموجعة التي وجهتها للجيش الفرنسي، وهو بالضرورة مؤشر هام لهزيمة فرنسا في نهاية المطاف، وظهرت نتائج هذا الاتجاه حين فر المئات بل الآلاف من الجزائريين المتعاونين مع جيش الاحتلال وانضموا الى صفوف جيش التحرير وجبهة التحرير الوطني مع أواخر عام 1958م ليقينهم أن رهانهم كان خاسرا ولابد من تدارك الموقف .. وتحقق النصر النهائي وأدت الأزمة العميقة داخل أجهزة الدولة الفرنسية وحالة التعبئة العامة التي أحدثتها الثورة في صفوف الشعب الى تكريس نظرة دفاعية جديدة في أوساط الحكم بفرنسا، وقاد الجنرال ديجول التيار الذي يرى أن البقاء في الجزائر مسألة تهدد فرنسا. وأن التفريط في الجزائر يعني انقاذ فرنسا. فقد وصلت الأزمة الاقتصادية التي فرضها المجهود الحربي حدا دفع بالبلاد الى الانهيار الكامل، و وصلت سمعة فرنسا في المحافل الدولية الى الحضيض خاصة بعد انسحاب وفدها من الجمعية العامة للأمم المتحدة حين طرح المسألة الجزائرية لاعتباره ذلك تدخلا في الشأن الفرنسي. وظهرت الانقسامات واضحة في صفوف الجيش وأصبحت أعداداً متزايدة من العائلات الفرنسية ترفض التحاق أبنائها بالخدمة العسكرية الإجبارية خوفا عليهم من الموت برصاص المجاهدين، بعدما تأكد أن آلافا لقوا حتفهم في المواجهات. فيما هربت أخرى كانت مقيمة بالجزائر منذ عقود. ولقد كسرت هذه العوامل مجتمعة تطاول الدولة الفرنسية على الثورة الجزائرية، ورضخ المسئولون للجلوس الى طاولة المفاوضات حول مستقبل الجزائر. وجرت تلك المفاوضات في حلقات صعبة، تألقت فيها الدبلوماسية الجزائرية الناشئة بمجموعة من العقول الكبيرة منها كريم بلقاسم ومحمد الصديق بن يحيى ورضا مالك ومحمد يزيد والطيب بولحروف وغيرهم. وبقدر ما كان الفرنسيون يرغبون في انهاء الحرب لأنهم لم يعودوا قادرين على أعبائها كانوا حريصين على إبقاء مصالحهم قائمة. فطرحوا فكرة «الاستقلال المحدود» بإنشاء حكومة جزائرية. دون مواصفات الدولة المستقلة، بحيث تكون منزوعة السلاح وتتولى فرنسا الدفاع عنها كما يحتفظ الجيش الفرنسي بجميع قواعده في الجزائر. وسخر الجزائريون من هذا الطرح كما سخرت الصحافة منه في عدد كبير من دول العالم، وقدم الفرنسيون فكرة أخرى تؤدي الى إقامة دولة جزائرية كاملة السيادة لكن في شمال البلاد مع بقاء الجنوب بيد الفرنسيين لوجود النفط والغاز فيه. ورفض الجزائريون الطرح وطالبوا بالاستقلال التام لجميع الأراضي الجزائرية المحصورة بين حدود البلدان المستقلة المجاورة لها تونس وليبيا والمغرب وموريتانيا والنيجر ومالي. وأمام استمرارالكفاح المسلح وبفعل قدرة المفاوضين الجزائريين رضخ الفرنسيون للمطلب ووقعت اتفاقيات وقف النار في 18 مارس 1962 ببلدة ايفيان على الحدود الفرنسية السويسرية،على أن يسري مفعولها يوم 19 مارس، الذي أصبح يسمى في الجزائر يوم النصر. وفي بداية يوليو من نفس العام نظم استفتاء عام لتقرير المصير فصوتت الأغلبية الساحقة من الجزائريين على الاستقلال. وأعلن في الخامس من يوليو 1965عن قيام الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وانتخب المناضل أحمد بن بلا أول رئيس للجزائر بعدما خرج من سجن كان قد دخله عام 1956 حين أقدمت المخابرات الفرنسية على أول قرصنة جوية في التاريخ بتحويل طائرة بين تونس والمغرب كان على متنها خمسة من قادة النضال السياسي الجزائري هم أحمد بن بلا وحسين آيت أحمد ومحمد بوضياف ومحمد خيضر والمفكر مصطفى الأشرف ورمت بهم في سجون فرنسا الى غاية الاستقلال. ثورة كل العرب ولقد كانت ثورة الجزائر من الأحداث البارزة في العالم في الخمسينيات والستينيات القرن الماضي، وكانت مثالا لعدد كبير من الشعوب التي انتفضت ضد الاستعمار وكسبت معاركها وتحررت وعادت الى ذاتها. ومع كل الصعوبات التي أفرزتها التحولات العميقة السارية في المجتمع الجزائري خاصة في السنوات العشر الأخيرة وما أصاب البلد من ويلات من جراء العنف المسلح وسقوط أكثر من مئة ألف ضحية، فإن الثورة الجزائرية تبقى شعلة تضيء الطريق لمن يبحث عن الحرية والانعتاق وصيانة الكرامة الإنسانية. وكانت قيادتها مثالا للصبر والتحدي والإصرار على تحقيق النصر النهائي وتجسيد إرادة الجماهير. وكانت الشعوب العربية من المحيط الى الخليج تهتز طربا حين الاعلان عن تحقيق انتصارات ميدانية وكانت الثورة الجزائرية في مقدمة أخبار الاذاعات في البلدان العربية وعلى الصفحات الأولى لصحفها. وفي كثير من الأقطار نظمت الحكومات والمواطنون حملات للتبرع بالمال لتغطية احتياجات الثورة وأدت إذاعة صوت الجزائر الحرة من تونس ومن مصر دورا بارزا في نقل وقائع الثورة الى كل البيوت العربية وجعل الشعوب العربية تعيش واقعا ثوريا يوميا من خلال انتصارات وتضحيات مجاهدي وشعب الجزائر. وحين اعتلى الرئيس أحمد بن بلا منصب أول رئيس للجمهورية الجزائرية أعطى أهمية خاصة لعلاقة الجزائر مع محيطها العربي كونها علاقات أخوة ومودة وتكامل قبل أن تكون علاقات مصالح مادية عابرة. الجزائر ـ مراد طرابلسي: