التحولات التي حدثت في شرق أوروبا وادت الى تفكك الاتحاد السوفييتي والاتحاد اليوغسلافي وانقسام تشيكوسلوفاكيا الى جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا لها ايضاً اثارها على المسرح الدولي خاصة في افريقيا التي تصاعدت اخيراً فيها النزعة القبلية والجهوية وارتفعت في دول كثيرة النبرة المنادية بالانفصال!! ربما قلل من هذه النزعة في مراحل سابقة مقررات منظمة الوحدة الافريقية التي دعمت الاستقلال ولكنها وقفت مع استقرار الدولة ووحدة اراضيها برفضها للتوجهات الانفصالية في نيجيريا «انفصال بيافرا» وفي الكونغو «انفصال كاتنقا» كما وقفت بقوة مع وحدة الصومال رافضة تفككه الى دويلات صغيرة متناحرة. التفاعلات المحلية والاقليمية لامريكا يد فيها فهي الدولة الاغنى والاقوى في العالم حسب ما ورد في ادبياتها ومواثيقها الى ان جاءت احداث 11 سبتمبر فأحدثت صدمة عنيفة شككت في امور كانت في الماضي من المسلمات. الاطمئنان لاستمرار امريكا في موقع القوة الدولية الاولى بلا منازع حتى عام 2015 دفع بها للانفراد بادارة عالم ما بعد الحرب الباردة والتفكير في اساليب مبتكرة تمكنها من: أ ـ السيطرة عبر المؤسسات الدولية الأمم المتحدة ـ البنك الدولي ـ صندوق النقد الدولي منظمة التجارة العالمية على النظام الدولي الذي تحدث عنه الرئيس بوش الاب مع نهاية حرب الخليج الثانية وسماه النظام العالمي الجديد. ب ـ تحجيم دور روسيا في الوقت الذي اتجهت فيه السياسة الامريكية إلى تطوير العلاقة مع الصين في اتجاه حوار استراتيجي يمثل مدخلاً للحفاظ على المصالح الامريكية في منطقة شرق اسيا. ج ـ توسيع حلف الأطلسي واعادة صياغته بعد ان انهارت عملياً الأسس الاستراتيجية التي قام عليها بتفكك الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو الا انه استمر استناداً إلى اسس جديدة تعتبر من وجهة نظر اعضائه كافية لبقائه وتوسيعه واعادة صياغة دوره في اتجاه القيام بمهام جديدة غير عسكرية اضافة إلى وظيفته التقليدية «الدفاع الجماعي» تمشيا مع هذه السياسة اهتم الحلف بقضية دعم الامن والاستقرار في القارة الاوروبية اضافة إلى دعم عمليات التحول السياسي والاقتصادي في دول شرق اوروبا واحتواء التهديدات التي يمكن ان تأتي من هذه المنطقة وهي العملية التي توجت بضم عدد من هذه الدول للحلف وبالتدخل لاعادة الاستقرار في دول الاتحاد اليوغسلافي سابقاً. للحلف مشروع شراكة مع دول منطقة جنوب المتوسط توفر الغطاء القانوني والدولي والتسهيلات المناسبة التي تمكنه من حرية الحركة والعمل السريع لمواجهة أي تهديدات مستقبلية. أمريكا والتحولات في افريقيا علاقات امريكا بافريقيا في الماضي كانت محددة في جانب واحد هو انها اي افريقيا المصدر الاساسي للموارد البشرية التي استخدمتها امريكا كآليات لتعمير الارض وتوفير الرفاهية للإنسان الابيض في الولايات المتحدة اما العلاقات مع الدول حديثة الاستقلال فقد تأثرت بعاملين الاول هو ان افريقيا في نظر الامريكان قارة مغلقة اختصر التعامل معها عبر طرف ثالث اكثر دراية بأمورها «الدول الاوروبية الحليفة لامريكا» اما العامل الثاني فهو العمل على احتواء التوسع السوفييتي ومنع انتشار الافكار المعبرة عن الحركات الرديكالية في القارة. مع نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات بدأت الولايات المتحدة تعطي اهتماماً اكثر لافريقيا ولقضاياها الاساسية الاستقلال ـ التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا الأزمة الكنغولية وان كانت لها مواقف سالبة مثل الامتناع عن التصويت أو معارضة مواقف غالبية الدول الافريقية كما كان الحال في قضية الجزائر والالغاء الفوري للاستعمار. تآكل الدور الأوروبي وخوف امريكا من ارتباط حركات التحرير الافريقية بالاتحاد السوفييتي والصين وكتلة عدم الانحياز دفعها للدخول في تعامل مباشر مع الدول الافريقية وتقديم المساعدات المالية لها وفق أسس واضحة هي الوقوف ايديولوجيا مع الولايات المتحدة ومحاربة الافكار والجماعات التي تتبنى ايديولوجية مغايرة. امريكا في علاقتها مع الاخر الفيصل فيها عامل واحد هو مصالحها اما مصالح الشعوب فلا مكان لها في سياساتها الخارجية لهذا وقفت امريكا خدمة لمصالحها مع النظم المستبدة والظالمة لشعوبها مما ادى إلى ردود فعل عاصفة ضد السياسات الامريكية في افريقيا وفي غيرها في بداية التسعينيات بدأت ملامح عالم جديد الغلبة فيه لما تشرعه امريكا للعالم، بدأ الحديث عن الحريات والديمقراطية. قبول الآخر ـ العولمة بابعادها الاقتصادية والسياسة والثقافية، توحيد السوق، فتح الحدود امام السلع ورؤس الاموال، تطبيق سياسات بهذا المستوى من الاتساع والشفافية مرتبط والى حد كبير بالاستقرار السياسي وقدرة الاقتصادي الوطني على الاندماج بفعالية في الاقتصاد العالمي وهي العوامل المفقودة، لهذا بدأت معالم سياسات جديدة هدفها هو ان تتحكم الولايات المتحدة في الدول الفقيرة عبر وسائط محلية واقليمية ومجموعة من السماسرة الدوليين. محلياً شرعت عبر عيونها واذرعها الطويلة في خلق جماعات بعيدة نظرياً عن مراكز صنع القرار ولكنها عملياً مشاركة ومتحكمة فيه. السلطة هنا واجهة واداة للاخراج والإعلان. بهذه السياسة تجاوزت امريكا مرحلة الاعتماد فقط على الحكام ومساندتهم والوقوف ضد رغبات شعوبهم، مع انتشار الوعي وتصاعد موجات العداء لامريكا، في انحاء العالم بدأ الناس يتعرفون على اتجاه السياسة الامريكية الجديد الذي تم بموجبه دعم جماعات لها امكانيات اقتصادية كبيرة ومرتبطة بالمصالح الامريكية كي تكون هي الاداة الراعية للمصالح المشتركة والمؤثرة في صنع القرار على المستوى المحلي في عصر الغلبة فيه للاقتصاد وهو المهيمن على السياسة، ربما تواجه هذه السياسة عقبات في افريقيا وان لاقت بعض النجاح في دول اخرى لهذا اتجهت الولايات المتحدة في مرحلة سابقة الى ما عرف بالشراكة الامريكية الافريقية مع التركيز على افريقيا جنوب الصحراء. عوامل عديدة ساعدت في دعم هذا الاتجاه اهمها: 1 ـ الفراغ الذي نتج عن ابتعاد الدول الاوروبية عن افريقيا اذا استثنينا فرنسا وهي الدولة الوحيدة التي حافظت على علاقاتها مع مستعمراتها السابقة وان تعارضت سياساتها مع التوجه الامريكي في افريقيا الذي يسعى لاستئصال الوجود الفرنسي في القارة. لملء هذا الفراغ اختارت امريكا زعماء لهم خلفية يسارية ولكنهم وصلوا للحكم بمساعدة امريكا وفق معادلات محلية واقليمية الهدف من ورائها اعادة صياغة بعض المناطق المهمة بالنسبة للاستراتيجية الامريكية في افريقيا في مقدمتها القرن الافريقي الذي تسعى دول في القارة ومن خارجها إلى اعادة هيكلة دوله وتوسيعه جغرافياً ليضم دولاً جديدة جنوب السودان، يوغندا رواندا اضافة إلى دوله المعروفة، الصومال، اثيوبيا اريتريا، جيبوتي تحت مسمى جديد هو القرن الافريقي الجديد، المشروع سيرتبط مستقبلاً بمصالح امريكا واستراتيجيتها على المدى البعيد للتحكم في افريقيا والجزيرة العربية، القرن الافريقي له موقع استراتيجي لقربه من مناطق البترول في الخليج والممرات المائية المهمة ـ قناة السويس ـ باب المندب ومن المناطق الملتهبة في العالم ـ الشرق الاوسط ـ شرق اسيا ـ افريقيا. هناك حديث عن امكانية تحويله إلى قاعدة عسكرية عملاقة وبديلة للوجود الامريكي في الجزيرة العربية ودول الخليج بعد ان بدأت حملة شعبية معادية لوجوده صاحبها عدم ارتياح من قبل العسكريين الامريكيين للبقاء في منطقة طبيعتها وطبيعة مجتمعاتها رافضة لهم ولسلوكياتهم. القرن الافريقي هو المكان الانسب جغرافياً واجتماعياً لهم ولتنفيذ مشاريعهم في المنطقة والعالم. 2 ـ الشراكة الامريكية الافريقية وتمركزها فقط في دول افريقيا جنوب الصحراء مشروع للفصل عملياً بين العرب في افريقيا وغير العرب. خوفاً ان تتوحد رؤية كل ابناء افريقيا في اتجاه تعميرها وتنميتها وابعاد النفوذ الاجنبي من اراضيها. ربما عمق هذا التوجه المصالح الاسرائيلية في القارة وهي مصالح من الصعب فصلها عن مصالح امريكا عموما، كما هو معروف لإسرائيل لوبي قوي ومؤثر في السياسة الامريكية وفي توجيهها لتصب في مجرى المصالح الاسرائيلية وافريقيا واحدة من الساحات المفتوحة لليهود كي يمارسوا فيها لعبتهم المفضلة لعزل العرب وضرب مصالحهم في أي مكان في العالم. اهتمام اليهود بافريقيا سابق لوجود الدولة «اسرائيل» ولكنه تبلور في شكل سياسات واضحة بعد قيام الدولة، تمشياً مع سياسة اسرائيل الرامية التي توظيف اليهود في كل انحاء العالم لدعم الدولة العبرية تصاعدت في افريقيا حركتهم المتنوعة خاصة في المناطق المرتبطة بمصالح الدول العربية لضربها وزرع بذور الفتنة بين هذه الدول والشعوب العربية. 3 ـ خوف امريكا من اهتمام دول اسيا المتزايد بافريقيا ـ المساعدات المقدمة من الهند واليابان لافريقيا وهو امر لا يزعجها فاليابان حليف لها ولكن الخوف من الوجود الصيني المتنامي في القارة الافريقية. بدأ اهتمام الصين بافريقيا بعد مؤتمر باندونق 1955 وارسال أول بعثة دبلوماسية للقاهرة علم 1956، زيارة «شوان لاي» التاريخية لعشر دول افريقية. «ديسمبر 63 ـ فبراير 64» ووضع موجهات عامة لسياسة الصين في افريقيا يمكن اجمال خطوطها العريضة في: أ ـ تأييد الشعوب الافريقية في نضالها ضد الامبريالية والسيطرة وفي نضالها للمحافظة على استقلالها الوطني. ب ـ تأييد سياسة الحكومات الافريقية السلمية للمنازعات بين الدول الافريقية. ج ـ احترام سيادة الدول الافريقية ومعارضة المساس بها من أي قوة غير افريقية مع تأييد الوحدة الافريقية والوحدة الافرو اسيوية. قدمت الصين معونات اقتصادية وفنية لحوالي 45 دولة افريقية وفق أسس هي. أ ـ ارتباط الصين بمبدأ المساواة والمنفعة المتبادلة في تقديم المساعدات للدول الاخرى. ب ـ احترام سيادة الدول المتلقية للمعونة وتجنب ربط المعونة بأي شروط أو طلب ميزات. ج ـ المعونات المقدمة عبارة عن قروض بدون فوائد أو بفائدة قليلة مع مد مدة السداد لتخفيف العبء على الدول المستفيدة ما امكن. د ـ بهذه السياسة المختلفة عما اتبعته امريكا في افريقيا اصبح للصين وجود مؤثر بدخولها في مشاريع كبيرة «البترول» ربما لهذا السبب تخوفت امريكا من ان تتمدد الصين مستقبلاً في افريقيا وتتحكم في أهم سلعة تسعى الولايات المتحدة للتحكم في انتاجها وتسويقها في الخليج وبحر قزوين وفي امريكا اللاتينية وافريقيا، الخوف من الصين وهي الدولة المرشحة كي تكون المنافس الأول لها افرز اهتماماً غير مسبوق من الإدارة الامريكية بالأزمة السودانية ـ امريكا رغم انشغالها بقضية لها الاولوية المطلقة. بعد احداث 11 سبتمبر وهي قضية الإرهاب عينت مبعوثاً لها لمتابعة الأزمة السودانية وبعثت بوفود إلى السودان تمهيداً للمساهمة في مشاريع الحلول التفاوضية. الجديد في الموقف الامريكي تجاه السودان هو هل موقفهم المعلن مع وحدة السودان وقبولهم لمبدأ ان القضية في المقام الأول قضية سودانية وعلى الاطراف السودانية قبل غيرها الشروع في الحوار بجدية اما الاطراف الاقليمية والدولية فلها دور مساعد. الاهتمام بوقف الحرب الاهلية وبوحدة السودان امر له أهميته بالنسبة لافريقيا، فالسودان الدولة الجامعة لكل افريقيا شعباً وتراباً يمثل النموذج للتعايش والتماذج الافريقي. نجاح ابناء السودان في معالجة قضيتهم سلمياً وتوفير البيئة المناسبة لسودان موحد سابقة لدعم الوحدة الوطنية في كل دول افريقيا وهو اشارة ايجابية كي تسعى الشعوب الافريقية لإدارة أزماتها بأسلوب جديد الغلبة فيه للحوار والحلول التفاوضية تجاوزاً لمراحل ماضية ساد فيها العنف وعدم الاستقرار، افريقيا اليوم مطالبة بقراءة الواقع الذي تعيشه شعوبها من جديد والعمل بأسلوب جديد ومبتكر لاعادة تشكيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها وتقويم علاقتها الاقليمية والدولية بهدف خلق مناخ جديد لتنمية القارة وتطويرها. بقلم: د. ابراهيم الأمين