قبل الحديث عن المبادرة الامريكية المحتملة والتي قد تكون صدمة اكبر من صدمة زيارة بلير لفلسطين في ذكرى وعد بلفور، ينبغي رؤية التغيير المحتمل للادارة الامريكية وموقفها والذي تهلل له السلطة الفلسطينية. فالامريكيون مازالوا يرون الاعمال الاسرائيلية استفزازا يؤدي الى التوتر، ويرون المقاومة الفلسطينية ارهاباً، الى الدرجة التي تحولت فيها صورة رجل السلام الفلسطيني ياسر عرفات الى رجل ارهاب لانه لم يتخذ اي اجراء بمواجهة حماس والجهاد والشعبية. وتشير تقارير كثيرة الى ان جوهر السياسات الامريكية في أي حل قادم سيستند الى هذه الرؤية، اما خطابات الاسترضاء من بوش وباول فهي لا تعدو كونها جرعات مخدرة في سياق حشد الرأي المؤيد للخطوات الامريكية في المنطقة. ونجد ان مساعد وزير الخارجية الامريكية ديفيد ساتر فيلد يلخص الهدف الحقيقي لكل المبادرات والمشاريع الامريكية بثلاثة امور وفق ما نشرته صحيفة المستقبل الفلسطينية: ـ ان الانتفاضة ارهاب وعلى واشنطن ان تسند اسرائيل في التصدي لها، وهذا ما يبرر تصرف واشنطن الذي يصور الرضا الكامل عن كل الجرائم الصهيونية بما فيها الاغتيال، كما انها ترفض اعتبار العدو قوة احتلال، بل ان ما تقوم به الدولة الصهيونية «مجرد استفزاز قد يؤدي الى زيادة التوتر فقط، ولكن لا بأس من امدادها بادوات حمايتها» ويعني قتل الفلسطينيين. ـ ان الانتفاضة ارهاب ولا بأس من ان تكون من ضمن اهداف التحالف الامريكي التي يسعى الى تحقيقها، اما جرائم شارون فهي مباحة وغير مرفوضة من حيث المبدأ لكن «تنفيذها هو استفزاز يجب تغييره». ـ اذا ارادت السلطة ان تبقى في نظر امريكا سلطة سلام فعليها مواجهة حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية، وهذا الطلب لا ينفصل عن مفهوم الانتفاضة فهذه التنظيمات تمثل الانتفاضة، وعلى السلطة ان تقدم رؤوس هذه التنظيمات فقط من اجل ان تصبح سلطة سلام وليس من اجل استعادة الضفة او غزة او تفكيك المستوطنات او اطلاق سراح الاسرى. التطمينات التي اعطتها امريكا لاسرائيل اكدت هذه النظرة ومنها تأكيد بوش على ان الولايات المتحدة لن تعلن او تملي اي خطة سياسية عليها، بل ستعلن مباديء عامة للتسوية سيسبقها تطبيق ميتشل وتينيت مع اطلاع اسرائيل على هذه المباديء والتشاور معها حتى لا تفاجأ بها. واسرائيل تعلم هذا وتؤكد بدورها ان صيغة الانسحاب الاسرائيلي من المدن الفلسطينية غير واردة بدليل رفضها مطلب مجلس الامن، وقناعتها بان اية مبادرة للحل لن تشمل ذلك، فقد تركت الادارة الامريكية امر ذلك الانسحاب لاسرائيل نفسها وفي التوقيت الذي تراه مناسباً. وفي هذا الحديث عن مبادرة للحل يطالعنا وجه السيناتور الامريكي ميتشل الذي اعد ورقة توصيات طبلت لها السلطة الفلسطينية والعالم الغربي والامم المتحدة وتمنعت عنها اسرائيل، وارتبطت هذه الورقة بورقة تينيت لوقف اطلاق النار وعدت اساسا لاي حل قادم فما هي توصيات ميتشل وماذا حملت ورقة تينيت. تينيت وميتشل كانت زيارة جورج تينيت رئيس المخابرات الامريكية السابق لفلسطين على ارضية تفعيل الدور الامريكي في المنطقة، بعد ان وضح عدم فاعليته وتوقع ان يدفع بالادارة الامريكية الى دفع ثمن باهظ نتيجة التصعيد الخطير في المنطقة. قدم تينيت ورقة مقترحات سميت بالورقة الامنية او وثيقة تينيت ومارس ضغوطا كبيرة على السلطة الفلسطينية للقبول بها، ورأى المراقبون انها من الهشاشة بمكان يجعلها تنهار امام اول عملية فدائية فلسطينية كبيرة او عدوان صهيوني جديد على الفلسطينيين، لاسيما ان تاريخ الاتفاقات والتسوية السياسية لم يتجاوب مع الحد الادنى للتطلعات الفلسطينية شعبا وحكومة. وتجدر الاشارة الى ان بوش حاول دعم هذه الوثيقة لانجاح اول اتفاق يتدخل فيه مباشرة، وذلك لم يعن قط نجاحه على ارض الواقع، فقد استمرت المواجهة ورفضت اسرائيل منطق وقف اطلاق النار وتوغلت في احتلالها للارض الفلسطينية في الضفة الغربية. اقتصرت وثيقة تينيت على الجانب الامني دون السياسي الذي رحلته الى مفاوضات لاحقة، مما عبر عن عدم ثقة الولايات المتحدة الامريكية بامكانية موافقة حكومة شارون عليها بشكل كامل خاصة بما يتعلق بالاستيطان والعودة الى مفاوضات الحل النهائي وهي النقطة التي تمسك بها شارون منذ توليه الحكم حتى الان. وفشلت الورقة في تكبيل يد شارون وحكومته في ملاحقة قادة المقاومة الفلسطينية تحت حجة التصدي للارهاب وكان القيد الوحيد الذي استطاعت وضعه على قوات الاحتلال هو عدم قصف منشآت فلسطينية او مقرات ومراكز السلطة وهو امر لم يصمد كثيرا. موافقة السلطة الفلسطينية بعد تردد على الوثيقة جاءت بناء على اعتقادها بان هذه المقترحات ستشكل المدخل لتطبيق توصيات لجنة ميتشل واعتبار الاتفاق الامني جزءا لا يتجزأ من الدرامة الكاملة التي وردت ضمن توصيات ميتشل رغم ان الامريكيين والاسرائيليين لم يشيروا باي شكل الى ارتباط مباشر بين المقترحين، فما هو مقترح ميتشل؟ وضع السيناتور الامريكي السابق جورج ميتشل الذي قاد لجنة تقصي الحقائق التي اشتهرت باسم «لجنة ميتشل» تقريرا بشأن اعمال العنف الاسرائيلية ـ الفلسطينية وفق ما جاء فيه بعد ثمانية اشهر من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية. ورغم انه امتلأ بالمغالطات المؤلمة التي ساوت بين الضحية والقاتل وخلط بين الاسباب والنتائج الا ان السلطة الفلسطينية قبلته كرزمة واحدة رغم تحفظها على امور مؤلمة فيه. ميتشل اوصى بضرورة تطبيق التوصيات التي وردت في التقرير كاملة لوضع حد للعنف الذي سقط فيه الكثيرون منذ 28 سبتمبر 2000. ونجد منذ البداية الانحياز لاسرائيل فقد اكد ميتشل ان زيارة شارون للاقصى ليست سبب انتفاضة الاقصى لكنها لم تكن مناسبة وانه كان من الممكن تجنب طابعها الاستفزازي. اما ابرز توصيات اللجنة فهي وفق الوكالات: ـ اولا: وضع حد للعنف: ـ على الحكومة الاسرائيلية والسلطة الفلسطينية التأكيد على تعهدهما احترام الاتفاقات الموقعة وعليهما كذلك العمل لوضع حد لاعمال العنف فورا ومن دون شروط. ـ عليهما استئناف تعاونهما في المجال الامني فوراً. ـ ثانيا: اعادة الثقة: ـ على السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية العمل معا لفرض هدنة. ـ على السلطة الفلسطينية ان تؤكد بوضوح بأعمال حسية بان الارهاب مرفوض وغير مقبول وانها لن تدخر اي جهد لمنع الاعمال الارهابية ومعاقبة المسئولين عنها. ـ على الحكومة الاسرائيلية تجميد كل النشاطات الاستيطانية بما فيها توسيع المستوطنات القائمة والمرتبطة بالنمو الديمغرافي الطبيعي. ـ على الحكومة الاسرائيلية ان تحرص على ان يعتمد جيشها اجراءات تدخل غير قاتلة في مواجهة المتظاهرين العزل. ـ على السلطة الفلسطينية ان تمنع اطلاق النار انطلاقا من مناطق فلسطينية مأهولة على احياء سكنية اسرائيلية ومواقع للجيش الاسرائيلي. ـ على الحكومة الاسرائيلية ان ترفع الاغلاق عن الاراضي الفلسطينية وتحول الى السلطة الفلسطينية المبالغ المالية التي تجمع من الضرائب والسماح للفلسطينيين العاملين في اسرائيل بالعودة الى مراكز عملهم. ـ ثالثا: استئناف المفاوضات: ـ تؤكد اللجنة ان وقف أعمال العنف واتخاذ تدابير ثقة لن يستمر في غياب استئناف مفاوضات بناءة. ـ توصي اللجنة بان يلتقي الجانبان ليؤكدا التزامهما ازاء الاتفاقات المبرمة والمبدئية وفي روح شرم الشيخ والاتفاقات الاخرى التي وقعت في 1999 و2000. ميتشل والارهاب وثمن الدولة الذي يمر عبر هذا التقرير الذي يزمع العالم ايجاد الحل به يجد ان التقرير قرن الارهاب بالجانب الفلسطيني ويشار على وجه الدقة الى عبارات مثل: ـ اننا نعتقد ان على السلطة الفلسطينية مسئولية المساعدة في اعادة بناء الثقة عبر الايضاح بان الارهاب مدان وعبر اتخاذ كافة الاجراءات لمنع العمليات الارهابية. ـ المقاومة ضد الاحتلال والاستيطان هي ارهاب ينبغي مطاردته وادانته. ويجد التقرير ان الجنود الاسرائيليين ملتزمون بقواعد «الاخلاق لجيش الدفاع الاسرائيلي والتي تنص في جزء منها على قدسية الحياة الانسانية ويتم تجسيدها في كل الافعال التي يقومون بها»، وهنا يوصى ميتشل بان تنشيء السلطة معايير فعالة للسلوك والمساءلة سواء بين قواتها الموسمية او بين الشرطة على غرار ذلك. اما مشروع المبادرة الامريكية الذي يتخذ من تقرير ميتشل هذا مدخلا له فهو لا يعدو كونه وفق تعليق احد المحللين الى انه «حل آني وليس مطلقا» في صرخة تنبيه للعرب، ومعروف ما هي الدوافع وراء حل يروج له. وجهتا نظر قرأتا في المبادرة المبهمة القادمة رأيين مختلفين، احدهما وجدها خللية من اي ذكر لاخلاء المستوطنات، وان الحديث سيدور عن دولة فلسطينية غير عسكرية تحدد حدودها باتفاق، وفي كل صورها فسوف تكون جزءاً من مسودة سيعرضها شارون على بوش في زيارته المقبلة. اما الاخرى قرأت ان المشروع الامريكي الجديد لا يخلو من ايجابيات منها ايفاد مراقبين دوليين للاراضي الفلسطينية، مع النية الاكيدة لدى امريكا بقيام دولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية قادرة على الحياة الى جانب اسرائيل، رغم ان الامريكيين لم يتحدثوا عن اتفاقات انتقالية جديدة بل عن حل نهائي متكامل. والدولة التي يأمل الفلسطينيون اقامتها تنبني على ثوابت حددت بلاءات فلسطينية شهدتها كامب ديفيد الثانية وهي: ـ لا للتنازل عن اي جزء من الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 بما فيها القدس. ـ لا لقبول شرعية الاستيطان. ـ لا لتأجيل قضايا مثل القدس واللاجئين او القبول باتفاق اطار جزئي. ـ لا لأي تواجد اسرائيلي داخل اراضي الدولة الفلسطينية من حدود نهر الاردن حتى الحدود مع مصر. ـ ولا لسياسة توطين اللاجئين خارج وطنهم واراضيهم. اما الدولة الفلسطينية وفق خطة شارون فهي مشروطة بوقف اطلاق نار فلسطيني احادي الجانب اولاً. ومسودة الخطة التي عرضها بيريز على شارون خلال لقائهما في السابع من الشهر الحالي، وفق ما اكدت هاآرتس، لم تشر الى امكانية اخلاء المستوطنات في قطاع غزة التي يعارضها شارون بشدة، كما كان بيريز وشارون يؤكدان على اقامة دولة فلسطينية في غزة اولا. الصحيفة العبرية اوردت الخطة بالنقاط التالية: ـ وقف اطلاق النار: فاسرائيل لن تجري مفاوضات في ظل استمرار الانتفاضة وقد تبنى بيريز موقف شارون هنا برفض استمرار التفاوض مع الانتفاضة وانما السماح بلقاءات امنية فقط. ـ الغاية: اسرائيل لن تجري مفاوضات مع الفلسطينيين من اجل التوصل الى حل دائم على اساس قرارات مجلس الامن 338 و242. ـ دولة: تقام دولة فلسطينية «غير عسكرية» اي منزوعة السلاح ويتم تحديد حدودها في اتفاق. ـ غزة اولا: الدولة تقام على مراحل والنموذج الاول لتنفيذ الاتفاق سيكون في قطاع غزة الذي يتمتع الفلسطينيون بتواصل اقليمي. ـ القدس: الوضع الراهن في المدينة يبقى كما هو بما في ذلك الادارة الفلسطينية للحرم، واذا لم يكن بالامكان التوصل الى اتفاق مكتوب سيؤجل النقاش في قضية القدس وتجري الحياة بالشكل الحالي. ـ اللاجئون: لن يكون هناك حق عودة للاجئين الفلسطينيين الى داخل اسرائيل، وتقام لجنة دولية لتعويض اللاجئين الفلسطينيين ويهود الولايات المتحدة. ـ العنصر الامريكي: الولايات المتحدة تكفل حدود الدولة الفلسطينية وتنسق اسرائيل خطواتها مسبقا مع الولايات المتحدة. ـ تحالف دفاعي: تطلب اسرائيل من الولايات المتحدة التوقيع على تحالف دفاعي. الحدود التي يتحدث عنها بيريز ـ شارون تقوم على الحدود الامنية الحيوية لاسرائيل وفي مقدمتها منطقة امنية واسعة في غور الاردن وقطاع ضيق قرب غزة، ويطالب شارون ايضا بان يقيم الجيش في الحدود الخارجية للدولة الفلسطينية وان يتمتع سلاح الجو الاسرائيلي بحرية الطيران في مجال الدولة الفلسطينية الجوي. ويتضح هنا ان اسرائيل تتحدث عن انسحاب عن الحدود التي دخلتها مؤخرا لا عن حدود 1967، بمعنى ان احتلالها الجديد كالعادة خلق واقعا جديداً للتفاوض اسقط معه الواقع المفترض السابق. اما مفردات المشروع الامريكي الجديد فلن تخرج عن المسودة الاسرائيلية وان كانت كوندوليزا رايس مستشارة الامن القومي الامريكية قد حصرته بخمس نقاط هي: ـ الانسحاب الاسرائيلي الكامل والفوري من مناطق السيادة الفلسطينية. ـ وقف سياسة الاغتيالات. ـ انهاء الاغلاق والحصار المفروض على الشعب الفلسطيني. ـ العودة الى مواقع ما قبل الثامن والعشرين من سبتمبر للعام 2000. ـ اعطاء افاق سياسية للشعب الفلسطيني تعيد الامل بعملية السلام. الايام المقبلة لا تحمل مفاجآت اكثر سوى احتمالات ليونة امريكية تهييء لضرب العراق مثلا مقابل وعود مجردة للفلسطينيين وعمليات قمع اسرائيلية اكبر، والضحية في كل هذا الشعب الفلسطيني الذي وقع بين نازية شارون وحلفائه وبين حكومة ضعيفة مازالت تخفض سقف تنازلاتها حتى لم يعد هناك ما يتنازل عنه سوى ارواح الفلسطينيين.