تشهد الايام المقبلة تحركات اوروبية ـ امريكية ـ روسية مشتركة بدعوى ايجاد حل سياسي لمشكلة الشرق الاوسط وضع تحت عنوانه قرارات مجلس الامن كإطار له او كقاعدة سيستند اليها. وكما هو معروف فان لكل طرف من أطراف هذه التحركات مصلحة سياسية في ايجاد هذا الحل، والجميع يطرح تصورا فضفاضا مبهما لدولة فلسطينية مستقلة معروف انها منزوعة السلاح وتحت اشراف اسرائيل لضمان امن وسلامة الاخيرة اقليميا وامريكيا وأوروبياً. وأول شروط هذا التحرك كان: «بحث أفضل السبل والوسائل لطمأنة الاسرائيليين اقليميا حول امنهم وسلامة دولتهم بتعهد كافة الدول العربية بعدم السعي لتدمير اسرائيل وعدم الاعتداء عليها او تهديد أمنها وسلامتها»، اما كيفية وظروف هذا التعهد فهي غير معروفة. مستشار الرئيس الفلسطيني بسام ابو شريف قال انها مقترحات معقولة لان في جوهرها اقامة دولة فلسطينية مستقلة على الارض التي احتلتها اسرائيل في الخامس من يونيو عام 1967، ووضع ابو شريف تصورا لهذا الاستقلال وتلك السيادة فأشار الى انها «كاملة على الارض والحدود والثروات الباطنية والمياه الاقليمية وان تكون القدس الشريف عاصمتها وتحت سيطرتها الكاملة ضمن اطار القدس الموحدة والمفتوحة والتي يمكن ان تكون ايضا عاصمة لاسرائيل». وبالطبع فان هذا القول ينقلنا الى اكثر من مستوى للرؤية منها الحلم الذي يبتغي تطبيقه الفلسطينيون منذ صدور القرارين 338 و242، ثم منذ توقيع اوسلو التي انتهكتها دولة العدو الصهيوني حتى اسقطتها برمتها. ومستوى اخر ينظر اليه على انه غير معقول، فكيف تكون مدينة واحدة عاصمة لدولتين ثم ترتبط بعبارة «القدس الشريف عاصمة الدولة الفلسطينية وتحت سيطرتها» والتي تلحقها عبارة «يمكن ان تكون ايضا عاصمة لاسرائيل». والذي ينضح من هذه العبارات هو حقيقة واحدة بات يعرفها الجميع وتنص على ان: ـ عملية استغفال كبيرة تمارس لاقناع الشعوب العربية والفلسطينيين بما سينضح من حل. ـ القيادة الفلسطينية قبلت بالحلول الاسرائيلية. ـ القدس قد افلتت الى الابد من ايدينا. ودلائل ذلك كثيرة منها ان اسرائيل رفضت تماما وعبر اكثر من مبادرة او جلسة مفاوضات مناقشة وضع القدس، واعتبرته امرا محسوماً فهو «متفق عليه منذ اتفاق خروج الفلسطينيين احياء من بيروت» ويعيدنا ذلك الى عام 1986 حيث وقع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اتفاقا مع اسرائيل عبر وساطة غربية ونشره «زئيف شيف وايهود ايعاري» في كتابهما «الحرب المضللة» والذي حملت بعده الطائرات الغربية القيادة الفلسطينية حية من بيروت. اما الدليل الثاني فان كل ادارة امريكية او اوروبية سعت لايجاد منفذ يخترق العناد الاسرائيلي في هذا الشأن فشلت، ولعل آخرها كان كلينتون الذي رفضت مبادرته، وورقة تينيت التي رغم هشاشتها ورغم انها فرضت فرضا على السلطة الفلسطينية الا انها رفضت من قبل اسرائيل بدعوى الدفاع عن أمنها، حتى تقرير ميتشل الذي يأخذ شهرة واسعة اليوم ويعد هيكلا للحل القادم، رفضته اسرائيل ويمكن عده دليلاً اخر على حسم موضوع القدس. وعلى صعيد سيادة الدولة الفلسطينية الكاملة، نجد ان ذلك امر غير مقبول اسرائيليا وكان مدار نقاش وتفاوض استمر قرابة عقد من الزمان وارتهن بوقف النضال الفلسطيني الذي يمكن وصفه بانه دفاع حقيقي عن النفس والارض ضد الاحتلال الصهيوني، كما ان هذه الدولة التي اقيمت في التصريحات الغربية والعربية اكثر من اقامتها على ارض الواقع ستحتوي، شئنا ام ابينا، المستوطنات السرطانية بين احشائها، فكيف نقرأ الوضع الفلسطيني والوضع الاسرائيلي في اطار المبادرات وأوهام الحلول المنقوصة؟ تغير قائمة الأولويات عاش النظام الاقليمي العربي بعد حرب الخليج حالة تمزق وشلل وفقدان للثقة والتكامل بين مكوناته، وعبثا راحت مساعي المصالحة والتوحد لمواجهة التحديات الخطيرة التي تحيق فعلا بالشعوب والدول العربية. وكانت عملية التسوية التي انطلقت من مدريد في اعقاب حرب الخليج عام 1991 اساسا لانقسام اعمق، اوجد حالة من الانسياق في اطار نظام عالمي جديد اعاد تشكيل الخارطة السياسية العالمية وفقا للمصالح الامريكية ـ الاسرائيلية. ونجد ان مصطلح «الصراع العربي ـ الاسرائيلي» قد تحول الى مجرد «النزاع العربي ـ الاسرائيلي» الذي اوحى بان ما بين العرب واسرائيل مجرد نزاع حول نسبة او اخرى من الارض والموارد او مشكلة اخرى مما يحدث داخل الاسرة الواحدة، وسميت المقاومة ارهابا والعمليات الاستشهادية، عمليات انتحارية وهكذا. ومضت عملية التسوية من مطب الى مطب وكلما خطت خطوة الى الامام نزفت تنازلات وخسارات فلسطينية وعربية كثيرة وتحول الامر، كما هو عليه اليوم، الى قضية امن اسرائيل اكثر من كونه قضية حقوق وطنية لشعب محتل وقضية تطبيق الشرعية الدولية. ونجد ان سيطرة اللوبي الصهيوني على قرارات الادارة الامريكية ان لم يكن على الادارة نفسها قد حسم الطريق نحو جميع المفاوضات التي تمت بين الفلسطينيين والاسرائيليين او تلك التي ستنعقد. كل ذلك دللت عليه مسيرة السنين العشر الماضية، وعود على محطة شارون في القرار العالمي الاخيرة بشأن الحقوق الفلسطينية نستطيع ان نرى بوضوح تأثير القرار الاسرائيلي على القرار الامريكي، فقد كان دائماً يتغير القرار الامريكي لصالح اسرائيل، وكلما اعلنت واشنطن موقفا تراجعت عنه وصححت سيرها بما يتلاءم مع المصالح والمطالب الاسرائيلية ويمكن في هذا الاتجاه تعداد اكثر من موقف خاصة منذ مجيء حكومة شارون: ـ طالبت الولايات المتحدة اسرائيل بسحب قواتها من المدن الفلسطينية على الفور، وتراجع الموقف بعد لقاءات شيمون بيريز مع اركان القيادة الامريكية، الى المطالبة بالانسحاب في الوقت المناسب وهو ما اعلنه بيريز واكده بوش نفسه. ـ استجابت الولايات المتحدة للمطلب الاسرائيلي بادراج منظمات المقاومة الفلسطينية مع حزب الله في قائمة المنظمات التي تعتبرها واشنطن ارهابية، وجاء ذلك بعد زيارة بلير الذي اصبح مبعوثا لبوش ليعلن بعدها ادراج ثماني منظمات عربية في قوائم الارهاب الامريكية البريطانية بينها الجهاد الاسلامي وحماس والجبهة الشعبية وحزب الله، ويشار الى ان شارون احتج مرارا وطالب امريكا ادراج المنظمات الفلسطينية ضمن قوائم الارهاب الفلسطينية. ـ الحملات الاعلامية التي قادتها اسرائيل موجهة الاعلام الامريكي ضد دول عربية معروفة بدعمها المادي الكبير للمنظمات الفلسطينية وخصت بذلك السعودية التي رفضت تزويد واشنطن بالمعلومات مثلما رفضت ان تكون قاعدة لانطلاق حرب الارهاب الامريكية منها، عدا عن مصر والدول العربية الاخرى التي رفضت منطق مساواة العمل الفدائي وتحرير الارض بالارهاب. نجد سيطرة اللوبي الاسرائيلي فيما افردته الصحف الاسرائيلية من حقائق وما اطلق شارون من صرخات تهديدية تذكرنا دائما بالابتزاز الصهيوني لضحايا الـ «هولوكوست» فتنشر «يديعوت احرونوت» صرخة «شارون» الذي اتهم العالم الغربي وعلى رأسه امريكا بتسليم رأس اسرائيل للإرهاب مثلما فعل الغرب مع تشيكوسلوفاكيا حين سلمها لهتلر عام 1938. وتشير الى ان شارون قال لوزرائه: «هناك لحظة معينة تكتشف فيها انهم يكيدون من خلف ظهرك، سأوقف ذلك، فبعد قليل ستبدأ الحرب»، وقد نشر هذا التقرير في السابع من اكتوبر الماضي. وحسب الصحيفة الاسرائيلية فان شارون طلب من الامريكيين «ادراج حماس والجهاد الاسلامي وحزب الله في قائمة الارهاب، لكن الامريكيين رفضوا بدعوى انها موجودة في قوائم سابقة»، وقد فهم شارون الرفض بشكل مغاير، فشرع بالترويج الى ان «امريكا غيرت فجأة من شأنها فاصبح لها جدران خاصة بها»، وان الضحيتين الحقيقيتين للمعركة الدولية ضد الارهاب هما «افغانستان واسرائيل» وفق الصحيفة العبرية. ازمة شارون التي امتصها اللوبي اليهودي مع الادارة الامريكية الجديدة ووصفت بانها محض سحابة عابرة في مسيرة علاقة استراتيجية لا تنفصم عراها، ويمكن في هذا الشأن تذكر ازمة بوش الاب ووزير خارجيته جيمس بيكر مع اسحاق شامير، وازمة نتانياهو مع الرئيس السابق كلينتون، والتي أفضت جميعها الى مكاسب لاسرائيل. اما الازمة الاخيرة التي مرت اعطت لاسرائيل اكثر مما اعطته الازمات السابقة، ونجد مراسل «هاآرتس» العبرية «عكيفا الدار» يعلن عن ذلك بقوله: «طالما بقي اصدقاء الجمهوريين في الطائفة اليهودية واليمين المسيحي يؤيدون اسرائيل، يبقى شارون هو القاضي الوحيد في شئون وقف اطلاق النار والاستيطان والتصفيات وينسحب ذلك بالطبع على مشاريع التسوية الجديدة او المبادرات التي كثر عنها الحديث مؤخراً، والتي روجت لها زيارات المسئولين الغربيين». حلول منقوصة لا يخفى ان مستوى التوتر الذي بلغته المنطقة في الفترة الاخيرة قد بلغ ذروته في الازمة المستحكمة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، ورغم ان هذا التوتر الذي بلغ مستوى الخطر صمتت عنه الولايات المتحدة عندما لم يكن هناك ما يبرر اندفاعها للتدخل، اما بعد احداث 11 سبتمبر وبدء حرب الارهاب، صار الامريكيون يتحدثون عن وجوب ايجاد حل لاحلال السلام في «الشرق الاوسط» عندما احتاجوا لدعم دولي من اجل حربهم الجديدة. سعت الجهود الاوروبية والامريكية من ناحية والبلدان العربية من ناحية اخرى الى تعزيز حظوظ التهدئة مروجة لخطاب الرئيس الامريكي جورج بوش الذي اشار ان الولايات المتحدة تمتلك ورقة الضغط الكفيلة باقناع اسرائيل فيما سيبقى الموقف الاوروبي مكملاً. وقد رأى المحللون السياسيون ان اي حل قادم ينبغي ان يضع في الاعتبار امورا كثيرة منها: ـ التمييز بين تسويق مصطلح الارهاب الامريكي وبين الانتفاضة او المقاومة التي تدافع عن حقوق وطنية مشروعة. ـ نبذ الانحياز لاسرائيل وفي ذلك قال الخبير الاستراتيجي صموئيل هنتنجتون «ان الولايات المتحدة بحاجة الى ان تباعد بينها وبين اسرائيل». ـ ان تتخلى الولايات المتحدة عن سلبيتها ازاء القضية الفلسطينية وتشارك في الجهود التي تستهدف اقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس وسيراعى ان يقبل العرب اقتسامها مع اسرائيل. ورغم ان كثيرين تفاءلوا بما أسموه «اول مرة تعترف فيها حكومة جمهورية امريكية باقامة دولة فلسطينية»، وبزيارة بلير التي ربطت بوعد بلفور المشؤوم والذي أمل الفلسطينيون ان يحصلوا على مثله باقامة دولة فلسطينية، الا ان الواقع يدفع الى تصور ان اي حل لا يمكن ان يكون بعيدا عن المطالب الاسرائيلية. ويمكن ملاحظة الخطاب الامريكي الذي حاول ان يضع عرفات في قفص الاتهام لأنه «لم يفعل شيئا لطمأنة الاخوة الاسرائيليين والذي عززه قول بوش لبلير «ليست هناك حاجة لسلام في الشرق الاوسط من اجل الانتصار على ابن لادن وتنظيم القاعدة»، رغم انه عاد فأكد على «ضرورة اقامة دولة فلسطينية» رأى المراقبون انه مجرد مفردات خطاب سياسي لتسويق خطوة قادمة. وعلى عكس كل التحليلات والرؤى، رأت قيادة السلطة الفلسطينية ان التفجيرات التي هزت امريكا كانت مناسبة لاعادة تقييم الانتفاضة مراهنة على حدوث تغير كبير في السياسة الامريكية الجديدة دعمه تصريح الادارة الامريكية بوجود مبادرة جديدة، وكما حصل مع حرب الخليج التي افرزت اوسلو، توقع الفلسطينيون ان تفرز الحرب الاخيرة اتفاقا افضل يرونه في الاطار الاتي: ـ رد كل الاراضي الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل سواء من الدول العربية او من فلسطين. ـ ان تعلن اسرائيل بصيغة قانونية انه ليس لديها اية نوازع توسعية في المستقبل على حساب جيرانها من الدول العربية. ـ ان تتخلى عن التفوق العسكري على الدول العربية. ـ ان تتفق اسرائيل مع الدول المجاورة على انهاء برنامجها النووي في فترة زمنية معينة. وبينما يرسم الفلسطينيون حدود احلامهم نجد ان هناك ضغطا دوليا على ايقاف الانتفاضة، ورغم ان الفلسطينيين يؤكدون على ان هذا غير ممكن، نجد ان اي حل سيقدم لهم سيفرض اجراءات لابد منها وفق الامريكيين والاوروبيين لضمان امن اسرائيل. ولابد من قراءة وجهة النظر الفلسطينية في عدم جدوى اصرار اسرائيل وحلفائها على وقف المقاومة الفلسطينية، اذ يرى القادة الفلسطينيون انها اصبحت اسطوانة مشروخة وتكرارا لفظيا لشيء لا يمكن تطبيقه لسببين: ـ الاول هو ان شارون يمارس الابتزاز السياسي من خلال شن العدوان اليومي على الشعب الفلسطيني رغم مطالبة الولايات المتحدة الامريكية واوروبا العلنية وغير العلنية بوقف اعادة احتلال قوات الاحتلال الاسرائيلية لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية. ـ وثانياً استمرار شارون في عمليات الاغتيال والتدمير المنهجي لبيوت ومزارع الفلسطينيين، وهذا لا يدع مجالا لاحد ان يطلب من الفلسطينيين الا يدافعوا عن انفسهم بغض النظر عن هشاشة وضعف امكانياتهم في وجه الطائرات F16 والدبابات والاباتشي الاسرائيلية. ونجد ان هناك رأيا اخر عبر عنه عمرو موسى امين عام الجامعة العربية عندما اعلن: «ان عملية الضحك على ذقون الزعماء العرب متواصلة من قبل واشنطن تحت عناوين كثيرة منها المساعدات الاقتصادية او الشطب من قائمة الارهاب وجدولة الديون وغض الطرف عن قضايا حقوق الانسان... الخ». يمكن القول اذن ان هناك ما ينبغي التخوف منه، فان خروج واشنطن منتصرة من معركتها، يعني مزيدا من الانحياز لتل ابيب ومزيدا من محاولة اخضاع الوضع العربي لشروطها لانجاز تسوية جديدة لاسيما اذا وقع المحظور، وهو متوقع، بجعل العراق وسوريا وحركات المقاومة هدفا من أهداف المعركة المذكورة، ويعني ايضا اعواما اخرى من التيه التي ستكون بانتظار القضية الفلسطينية. لهيب عبدالخالق