الملال من الشيء كثيراً ما يحملك على الأعراض عنه. هذا كان شعورنا بعد انصرام الشهرين مما حدث فى نيويورك وواشنطن فى الحادى عشر من سبتمبر. مبعث الملال لم يكن هو استئثار الحدث بكل صفحات الصحافة فى الوطن العربى، فمن الأحداث ما هو رزء وجلل يستوجب الاهتمام. فما بالك بحدث زلزالى أصبح معه النهار أعمى وصحبته توابع أوهنت أركان الثوابت وهدت بعض المسلمات هديداً. ليس فى جعبة المرء إذن ما يضيف إلى المقالات الموضوعية الرصينة والمعلومات الموثقة الثرة التى تداولت الحدث غير أن الإناء أيضاً طفح بمقالات أخر هى التى أورثتنا الملالة لما فيها من كلام مُبهم، وعدول عن الطريق. من ذلك، التكثيف من لوم الضحية، والافراط في التشكيك في أدلة الاتهام، وتلمس الأعذار للجناة بأسلوب صريح فى بعض الأحيان ومخاتل فى أكثرها، واتخاذ الحدث تكأة لافتعال معارك تضر ولا تفيد. أقرب إلى الصواب أن يدين المعلق الأمين الجناية بلا مواربة ويناقش تداعياتها بأسلوب موضوعى غير ملغوس، ثم يبحث فيما بعد عن الدواعى التى استفزت مرتكبيها للاقدام عليها. فالاستفزاز فى القانون قد يكون سبباً لتخفيف العقاب على الجانى عند الحكومة فى القضية، ولكن لا يمكن له بحال أن يكون سبباً لتبرئته. تساءلت كثيراً عما الذى حمل أولئك المعلقين - ومنهم ذوو باع طويل فى الكتابة - على الاشتطاط فى الأحكام، والتماحك حول القرائن والأدلة، والمواظبة على تمويه الحديث بصورة لا تقود إلا لإباحة الجناية. ليس هذا هو المنهج الموضوعى للاقبال على تحليل أحداث يوم له ما بعده، كما له نتائج لا سبيل لنا للتحصن ضدها أو درئها ان كان منهجنا في تحليل تلك الأحداث هو لي عنق الحقيقة. لا سبيل لنا أيضاً للتأثير على تلك النتائج بالدعاء لله بأن لا يترك لأمريكا شامتة، وإنما عبر حفر موجع في الباطن وحوار مع غيرنا ومع بعضنا البعض نتعلق فيه بحبل العقل. مع هذا، تأنينا الكتابة لعل تلك الكوكبة من المعلقين تُبصرنا بما لسنا به ببصراء. فلعل فيما وقع فى واشنطن ونيويورك خير للإنسانية.أ و لعل تحرير فلسطين يمر عبر نيويورك كما كانت تحدثنا الريطروطيقا القديمة بأن الطريق إلى القدس يمر عبر الرياض. أو لعل الفتية الميامين من جماعة القاعدة -والذين يصطنع البعض لهم المعاذير- سيعودون بأمة الإسلام إلى عهد المأمون الزاهر. أو لعلنا جميعاً فى ديار الإسلام -بفضل من الله تعالى ومن أولئك الفتية من بعده - قادرون على أن نعيش متعازلين عن عالم الكافرين - كما يسميه ابن لادن شيخ أولئك الفتية - حتى وان اصبح حالنا مع أولئك الكافرين كحال الفضل بن العباس بن أبى لهب مع الأمويين: لا تجعلوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم فتؤذونا الله يعلم أنا لا نحبكم ولا نلومكم أن لم تحبونا أسلوب شق العشرة كان واضحاً في مداومة التشكيك في البينات التى أعلنتها أمريكا ضد ابن لادن وقاعدته. الالحاح على التشكيك يوحي بأن أصحابه مغتمون قلقون حزانى لإدانة ابن لادن وجماعته دون دليل يرقى إلى مستوى الأدلة القاطعة التى تقبلها المحاكم في هذا القلق والغم والحزن ما يدعو للريبة. لم نر شيئاً من هذا الاغتمام الذى يكاد يُذهِب اللحم ويُضني الجسد إزاء ما عاناه الاسلاميون فى الوطن العربى. مدن كاملة دكت على ساكنيها الإسلاميين، ومتهمون من نصراء ابن لادن الأقربين اقتيدوا الى محاكم سرية قضت باعدامهم، وتابعون لتابعيه تولت أجهزة الأمن فى بلادهم تصفيتهم بعيداً عن أعين الرقباء . كل هذه الابادة والاحكام والتصفيات لم يعرها اهتماماً الحقانيون الذين يوحون بأنهم لا يبتغون من تشكيكهم فى الأدلة الأمريكية الا العدل والانصاف. ليت المشككين كانوا كالسفسطائيين الإسلاميين الذين عرفوا بالشكاكين اللاأدرية ؛ أولئك قوم ترددوا بين الاثبات والانكار. شكاكو اليوم اتبعوا الارتياب بتخريجات ما أنزل الله بها من سلطان مثل نسبة الحادث إلى الموساد بل إلى وكالة المخابرات المركزية نفسها. بتلك الدعاوى التي لا يسندها دليل استمسكوا حتى بعد أن أعلن من مُدت اليهم أصابع الاتهام ترحيبهم بما وقع وعزمهم على المضى فى المزيد منه حديث ابن لادن لقناة الجزيرة 7 أكتوبر 2001. الموضوع قيد البحث، على كل حال، ليس موضوعاً قانونياً بل هو سياسى بالمقام الأول وان كانت له ذيول قانونية. على المستوى القانونى يطلق على ابن لادن حتى هذه اللحظة اسم المتهم الرئيسى Prime suspect . هذا يعنى أنه بريء قانوناً أمام المحاكم حتى تُثبَت إدانته أن قيض له أن يمثل أمامها. هذا كان أيضاً هو حال أنصاره الذين اتهموا بتفجير سفارتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام، مثلوا جميعاً أمام محاكم كان لهم فيها حق الدفاع عن النفس، وكان لهم فيها محامون. فالقضاء الامريكي مثل القضاء في كل «دول الكفر» الغربية لا يعرف المحاكمات الايجازية المنسوبة بهتاناً للاسلام مثل محاكمة المقاتل عبدالحق. فالاسلام يقول: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر». المحامون البريطانيون كانوا أقرب للموضوعية عندما قالوا بأن الأدلة الظرفية المحدودة التى عرضها رئيس الوزراء توني بلير على البرلمان البريطانى لا ترقى إلى مستوى الأدلة القاطعة أمام المحاكم البريطانية. فأمام تلك المحاكم لا ترقى الشبهات الى مستوى القرائن، كما يجوز قانوناً تفنيد القرائن واثبات ضدها. الواقعة التى أمامنا ليست جريمة عادية قتل فيها عمرو زيداً ويقتضى القانون وما اصطلحت عليه المحاكم بصددها إثبات نية القتل عند عمرو مستقلة عن الجريمة، كما يقتضى اثبات أن عَمراً وقت الاعتداء كان عاقداً العزم على إزهاق روح المعتدى عليه. هذا تقعر قانونى لا مكان له ولا نحسب أن أصحابه جادون فيه. كولن باول وصف الحدث بأنه ليس جريمة فحسب بل هو عمل حربى « act of war». ولم يترك ابن لادن فرصة لنقابة المحامين عنه على صفحات الصحافة العربية لكى يدرؤا عنه الحدود بالشبهات. فمن أقواله المعلنة المشهودة أن مرتكبى التفجير «فتح الله عليهم فتحاً فدمروا أمريكا تدميراً» ، وأن حدث سبتمبر «مِنة من الله مَن بها على طليعة من المجاهدين والمرابطين». وعندما تصبح فلوريدا ونيوجيرسى وسياتل ثغوراً من ثغور الإسلام يرابط فيها المجاهدون يبطل الخيار ويقع السيف. ويمتد اعتراف ابن لادن بالجرم إلى ما لم يكن بحاجة الى الاعتراف به: ما أوقعته جماعته بالأمريكيين فى الصومال. قال كبدناهم خسائر فى الصومال وكنا نصطادهم داخل: «مقديشيو».هذا هو الواقع الذى يجب أن نسلم به، لا لأن باول وحكومته يريدان هذا، ولا لأن هناك ثمة مواصفات دولية ابتدائية للارهاب قبلتها الدول العربية نفسها، وإنما لأن المتهم المظلوم ما فتيء يفاخر بالجناية. وعلى أى، ما هى هذه المواصفات؟ التعريف العربي للإرهاب من الجانب العربى أقرت الدول العربية فى القاهرة أبريل 1998 الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب معرفة اياه بأى فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه بهدف القاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الطبيعية للخطر. ـ نصت الاتفاقية أيضاً على أن جريمة الارهاب هى أى جريمة أو شروع فيها ترتكب لتنفيذ غرض إرهابى فى أى دولة من الدول المتعاقدة أو على رعاياها أو ممتلكاتهم أو مصالحهم يعاقب عليها قانونها الداخلى كما تعد من جرائم الارهاب الجرائم المنصوص عليها فى الاتفاقيات الدولية عدا ما استثنته منها تشريعات الدول المتعاقدة أو التى لم تصدق عليها. من جانب آخر، أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة الارهاب فى قرارها الصادر فى 29 ديسمبر 1985 دون الاتفاق على تعريف له. بيد أن مشروع القانون الدولى ضد الارهاب يصفه بما يلى: «يعد الارهاب الدولى أو التهديد به عملاً من أعمال العنف الخطيرة يصدر من فرد أو جماعة، سواء كان يعمل بمفرده أو بالاشتراك مع أفراد آخرين ويوجه ضد الأشخاص أو المؤسسات أو المواقع السكنية أو الدبلوماسية أو وسائل النقل والمواصلات أو أفراد الجمهور العام دون تمييز للون أو الجنس أو الجنسية بقصد تهديد هؤلاء الأشخاص أو التسبب فى الحاق الخسارة أو الأذى لهذه الأمكنة أو الممتلكات أو تدمير وسائل النقل والمواصلات بهدف افساد علاقات الصداقة والود بين الدول أو بين مواطنى الدول المختلفة أو ابتزاز تنازلات معينة من الدول فى أى صورة كانت». وبصدد أحداث سبتمبر أصدر مجلس الأمن بالاجماع قراره 1377 الذى أكد فيه حق أمريكا فى الدفاع عن النفس وأبدى قلقه من تزايد الأعمال الإرهابية بدافع من التعصب أو التطرف فى مناطق عديدة من العالم. كما حض على منع تمويل الأعمال الارهابية وتحريم قيام رعايا الدول عمداً بتأمين الأموال أو جمعها بأى وسيلة وبصورة مباشرة أو غير مباشرة لدعم الارهاب. نهى القرار أيضاً الدول الأعضاء عن توفير ملاذ آمن للإرهابيين متبعاً ذلك بتكوين لجنة للمتابعة، أولى قرارات تلك اللجنة هو الطلب من جميع الدول الأعضاء 189 دولة تزويده بتقرير فى موعد أقصاه 27 ديسمبر 2001 عن الإجراءات التى اتخذتها الدول لمكافحة الارهاب فى بلادها وتجريمه وتجفيف مصادر تمويله. ونص القرار على فرض عقوبات على الدول التى لا تجيب على الأسئلة المطروحة عليها بحسن نية in good faith ، فى ذات الوقت الذى طالب فيه الأمانة العامة للمنظمة بتقديم العون الفنى للدول التى تحتاجه حتى تجييء إجاباتها مطابقة لبغية الشارع. الحديث عن الإرهاب، إذن، ليس حديثاً هلامياً بل هو حديث عن جريمة حددت الشرعية الإقليمية والدولية مقاصدها، كما أبانت الاتفاقية العربية ومشروع الاتفاقية الدولية العناصر الأساسية المكونة لها. مع ذلك تترى التعليقات حول الارهاب مصحوبة بالتساؤل لماذا الارهاب الاسلامى وحده؟ ولماذا الصمت عن ارهاب إسرائيل؟ ثم يتلو هذا التساؤل المغرض تنبيه: «حذارى أن تنسبوا النضال الفلسطينى للارهاب». بعض هذه التعليقات مشروع، وبعضها ظنين، وبعضها الآخر إما مُلتبس أو مُلَبِس ولذا فهو متهم فى خبره. المشروع منها هو الاشارة، كلما لزمت الاشارة، الى ارهاب الدولة الذى تمارسه إسرائيل وضرورة ادانته، خاصة إزاء سعى إسرائيل الحثيث للبحث عن كباش فداء عربية. أما الخبر المشبوه فهو اقحام النضال الفلسطينى المشروع فى زمرة الارهاب دون أن يقول بهذا مسئول ذو وزن فى أمريكا، ودون أن تبشر به وسائل الإعلام النافذة فيها بالرغم من جهود إسرائيل المعلنة والخفية لإدخالهم فى تلك الزمرة. الفلسطينيون كانوا أكثر اعتدالاً فى معالجتهم للأمر كله فإدانتهم للحدث كانت دواية، ادناها هو التطوع الرمزى لعرفات بدمه. كما كانت داوية فى مسارعتهم لإنكار مسعى ابن لادن للتنسب بأفعاله إلى نضالهم «تصريحات ياسر عبد ربه وحنان عشراوى». أما اللبس ففى السؤال ولماذا الارهاب المنسوب للإسلام؟. السؤال مراوغ لان لائحة التنظيمات الإرهابية التي اصدرتها الولايات المتحدة عقب الاسبوع الأول من أحداث الحادي عشر من سبتمبر ضمت مجموعات كبيرة من المنظمات غير العربية وغير الإسلامية مثل جيش التحرير الايرلندي، مجاهدي خلق «ايران»، حزب العمل الكردستاني، نمور تحرير التاميل «سريلانكا»، القوات الثورية المسلحة «كولومبيا»، جماعة تحرير وطن الباسك ETA، مجموعة الطريق المضيء Sendro luminoso «كولومبيا». بعض هذه الجماعات جماعات ذات قضايا عادلة «تأكيد الهوية الثقافية، ازالة الظلم الاجتماعي في اوطانها» الا ان ما اتسم به العنف الذي تمارسه من عشوائية هو الذي قاد لوسمها بالإرهاب. وعلى كل، فالإرهاب - بصورته الفردية والجمعية- ظاهرة واكبت مسيرة الإنسان منذ نشأته ؛ منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل حسداً. على أن كلمة ارهاب باللغة العربية لا تعبر تعبيراً كاملاً عن معناها باللغات الأوروبية. فأصل كلمة terror الانجليزية هو terrere اللاتينية والتى تعنى جعل الشيء يهتز اهتزازاً شديداً، أما ارهابى وهى كلمة محدثة فأصلها رهب بكسر الياء كعلم أى خاف، وأرهب واسترهب أى أخاف «القاموس المحيط للفيروز آبادي». لهذا من أسماء الأسد - وهى كثيرة عند العرب - المرهوب . بيد أن الارهاب الذى نتحدث عنه يتجاوز اشاعة الخوف الى الترويع والذعر اللذين يهزان المرء هزاً ويحملانه على الاستغاثة. وفى حديث الدعاء: «اللهم آمن روعاتى». اشكال الإرهاب الفردي والجماعي مع ذلك فالارهاب الذى نتحدث عنه درجات فمن الارهاب ما هو عمل فردى يحقق هدفاً سياسياً لمجترحه، أو يرضى غروره الفكرى مثل الاغتيالات السياسية حتى وان وقعت كتكتيك فى إطار استراتيجية تبرر العنف. بسبب الارهاب الفردى قُتل يوليوس قيصر 41 قبل الميلاد ، واغتيل الخليفة الثانى عمر، واردى الخليفة الرابع على. وبسببه فى العالم المعاصر صُرع في أمريكا الرئيس الجمهورى المحبوب وليام ماكنلى 1901 على يد فوضوى مهووس، وقتل كينيدى 1963 على يد فوضوى آخر، وأندلعت الحرب العالمية الأولى عقب إقدام متطرف صربى على قتل أرشيدوق النمسا فرانسيس جوزيف فى معرض صراع الوطنيين الصرب لتحرير السلاف الجنوبيين من الامبراطورية النمساوية الهنغارية. لذلك للارهاب الفردى نظائر فى السياسة العربية المعاصرة يعلمها الكافة، كما له أشباه فى بلاد أخرى منها مقتل أكبر دعاة السلام والتعايش فى القرن الماضى المهاتما غاندى. فى كل هذه الحالات عومل ذلك الارهاب الفردى باعتباره جرماً عادياً بصرف النظر عن الأسباب أو الأوهام أو المعتقدات التى قادت إليه. إلى جانب هذا شهد العالم نمطاً آخر من الترويع لجأت إليه حركات متطرفة ظنت أنها قادرة على قولبة المجتمع وفق منظور معين للسياسة والحكم مثل اليعاقبة Jacobins فى الثورة الفرنسية «عهد الرعب 1792 - 1794». تلك الفترة الدموية الحقت بالثورة الفرنسية وصمة لا تمحى، استنكرها حتى أكثر أنصار تلك الثورة حماساً مثل مدام جان ميرى رولاند صاحبة المقولة الذائعة عن تلك الحقبة:كم من الجرائم ارتكبت باسمك ايتها الحرية. وعلى نفس المنوال برزت حركات متطرفة أخرى آنست فى نفسها الكفاءة على إعادة صياغة المجتمع الذى تعيش فيها وتطهيره من الأوصاب. من بين هؤلاء العدميون «nihilists» فى روسيا أعداء التقليد والنفاق والتصنع فى المجتمع الروسى. الصورة الأبلغ تعبيراً عن هؤلاء هى شخصية بازاروف فى قصة ايفان تورجينيف «الآباء والأبناء». كما من بينهم فى القرن الماضى جماعات انبرت لتطهير المجتمع من شرور الحضارة الاستهلاكية منزوعة الإنسانية، فيما قَدَرت. من تلك الجماعات بادر ما ينهوف فى ألمانيا، الجيش الأحمر اليابانى، بانديرا روسا الألوية الحمراء فى أيطاليا، والتروتسكيون الأب الشرعى لهذه الجماعات فى كل أوروبا. رسالة هؤلاء كانت موجهة للعالم الرأسمالى فى أوروبا. إلى جانب هؤلاء عرف العالم أيضاً جماعات وطنية صادقة قادها للعنف انسداد أبواب الحوار بينها وبين السلطة النافذة. وبالرغم من أن ترويع هذه الجماعات انتحى منحى عشوائياً حالة نمور التاميل «سريلانكا» وشين فين «ايرلندا» إلا أنها -مع هذا- اكتسبت مشروعية من اللحظة التى بدأت فيها السلطة النافذة الحوار معها للخروج من الأزمات. لهذا لا يحسبن عاقل أن هناك من يصنف حركة التحرير الفلسطينية أو حركة المقاومة في جنوب لبنان بين الجماعات الارهابية إلا إرييل شارون، ومن لف لفه وما هم من العاقلين. جماعة القاعدة إذن ليست لحناً جديداً وإنما هي تنويع في نغم قديم ولكنها - على خلاف كل الجماعات التى ذكرنا - تضم خلاصيين ينشدون المدينة الفاضلة، وفى سبيل ذلك تتوسل بالإسلام وتضعه فى تقاطع وتضاد مع الديانات الأخرى. وفى السياسة لا تقود النقائض المتعادية إلا إلى صراع. هذا النوع من العنف ذى البعد الدينى أمر خطير لأنه ليس عملاً جنونياً بل عمل يحكمه منطق داخلى يبرر العنف ويجعل منه غاية لا وسيلة. مصدر الخطر شيئان الأول هو طبيعة الأديان نفسها. فالدين -أى دين- يقسم العالم الى كيانين، كيان مقدس «sacred» وكيان ينتهك المقدسات «profane». ذلك التقسيم الحدى يقود بالضرورة الى توتر بين الكيانين ويوفر فرصة سانحة لملقحى الفتنة. الشيء الثانى هو أن الكتب المقدسة جميعها - ان قرئت قراءة حرفية- تبيح العنف لمن يسعى إلى اختزال معانيها أو اصطفاء نصوص منها توافق هواه، كما تبيحه لمن لا يأخذ فى الاعتبار عند الاستدلال بها -جهلاً أو تجاهلاً- تبدل الأحوال، فالآيات تفسر وتؤول حسب مقتضى الحال ووفق أسباب النزول وإلا فقد الدين سرمديته. لهذا قال الامام علي عن القرآن «أنه حمال ذو وجوه». منطق ابن لادن لا يختلف عن الصليبيين العنف والارهاب ليسا لصيقين بالأديان عند من يستند فى تفسير الأديان الى أهدافها السامية كالعدل والتسامح والمجادلة بالحسنى. فالحروب الصليبية، مثلاً، قامت على دعاوى تعتمد على نصوص فى الكتاب المقدس. من ذلك الكتاب لم يتلبث البابوات ولو قليلاً عند قول يسوع: «سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك أما أنا فأقول لكم أحبوا اعداءكم، باركوا لاعنيكم، احسنوا الى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم» متى، الاصحاح الخامس، 44. آثروا بدلاً عن هذه السماحة مقولة أخرى ليسوع: أتظنون أنى جئت لأقيم سلاماً على الأرض كلا أقول لكم بل انقساماً» لوقا، الاصحاح الثانى عشر، 51 و 52. وفى القرن الثالث عشر ذهب البابا روما لإبادة كل أهل مدينة بيزيير Beziers فى فرنسا لاتهامهم بالخروج عن الملة اعتماداً على قول يسوع «لا تظنوا أنى جئت لالقى سلاماً على الأرض ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً» متى، الاصحاح العاشر، 34. المنطق الداخلى لرسالة ابن لادن لا يختلف فى كثير أو قليل عن منطق الصليبيين فى اصطفاء نصوص مقدسة يبرر بها حربه ضد العالم. تلك الرسالة تتجاوز حدود الدول بل القارات ؛ ففى حديث لعبد البارى عطوان «القدس العربى، سبتمبر 2001» قال ابن لادن نحن نتعامل مع العالم الإسلامى كأمة واحدة دينها واحد وقبلتها واحدة. وبمسلكه يوحي ابن لادن بأن أمامها أيضاً واحد، أى أسامة بن لادن. لا ريب فى أن لابن لادن وجماعته رغبة صادقة فى تأكيد هويتهم الثقافية وفى نصرة المسلمين مما حاق بهم من ظلم. وبصرف النظر عن أن ذلك الظلم لم يكن دوماً بفعل فاعل خارجى بل أن جزءاً غير يسير منه يعود الى ما صنعناه بأنفسنا، إلا أن تأكيد الهوية لا يتم وفق قوالب تحددها جماعة بعينها، كما لا يمكن أن تنبنى على رؤى يقسر عليها الكافة قسراً. فعلى سبيل المثال تتجه النزعة الخلاصية البنلادينية لإقصاء الحضارة المعاصرة كلها من دار الإسلام ؛ لا لأن الدين عند الله هو الإسلام فحسب، وإنما أيضاً لأنها تمثل فى رأى أولئك المتطرفين نمطاً حياتياً لحقته النجاسة. وكأنا بتلك الجماعة التى هاجرت من العالم المعاصر هجرة مزدوجة هاجرت جغرافياً من أوطانها، وهاجرت زمانياً عن العالم المعاصر، تريد أن تصطحب معها فى هجرتها تلك العالم الإسلامى كله رغم أنفه. فمن الذى قال بأن كل المسلمين يتمنون الهجرة من العالم المعاصر، خاصة أن كانت تلك الهجرة الى عالم الكهوف والمغاور، ونموذجه امارة أفغانستان الإسلامية. ليت الأمر وقف عند هذه الظلامية الكابية، أهل الكهوف والمغاور الذين يزعمون بأن الغرب شر مستطير، وأن كلما أتى به رجس من عمل الشيطان ينبغى على المسلم تركه، هم أكثر المسلمين استغلالاً لذلك الرجس. هم أكثر المسلمين استخداماً لوسائط المعلوماتية مثل البريد الالكترونى، الإنترتت، بما فى ذلك صفحات الفجور والعري الفاضح التى لن يدور بخلد أحد أن يستخدمها أو يلجأ التي تصفحها رجل سوي للتواصل مع أصحابه، ناهيك عن طهراني يحسب المرأة كلها عورة ولهذا يدثرها باللفائف من أعلى الرأس إلى اخمص القدم. ذلكم هو فقه الضرورة الذي اباحوا به الاتجار. استغلوا أيضاً قوانين الهجرة للتحايل للبقاء فى ديار الكفار، واستغلوا القضاء وقوانين حقوق الإنسان لاستنقاذ أنفسهم من التهجير الى ديار الإسلام، خاصة المطالب منهم بواسطة العدالة. هذا يعنى أن المجتمع الغربى ليس كله رجس، إذ فيه التطور العلمى والتقنى الذى لا غنى لأحد عنه، وفيه الوسائط الالكترونية التى كثفت عالمية المعرفة، وفيه قيم التعددية التى سمحت للمتطرفين المهاجرين بالدعوة لما يدعون له طالما نأوا بأنفسهم عن العنف، كما فيه القوانين والمؤسسات التى تحمى حقوق الإنسان ـ أى إنسان ـ بمن في ذلك من لن يرعى ذمة لأحد لو قيض له أن يسيطر على العباد. للانتقال بأمة محمد إلى عالم الكهوف والمغاور، لم تتردد تلك الجماعة فى إطلاق اسم الكفار على كل من اختصمها من المسلمين ؛ ومن لم يكن كافراً منهم فهو منافق. فى زمرة هؤلاء المنافقين يضم ابن لادن كل الحكام العرب والمسلمين، ربما باستثناء من بايع أميراً للمؤمنين الملا محمد عمر. من الجلى أيضاً، أن لا مكان فى إسلام هؤلاء لما يتيحه الإسلام فى أصوله من فرجة للتعايش بين الأديان «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم» آل عمران 64. ولعله آثر بدلاً عن هذا النص قوله تعالى لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين: «أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً» آل عمران، 144 دون وعى أو حرص على وعى بأن ما كان يصح على مجتمع المدينة فى القرن السابع الميلادى، لا يمكن أن ينطبق على عالم اليوم. وتماماً كما استغل الصليبيون الكتاب المقدس للمسيحيين لغزو دار الإسلام أربع مرات البابا أوربان الثالث 1099، البابا يوجينيوس 1148، البابا قريقورى 1191، والبابا انوسنت الثالث 1198 ، وتذرع به البابا آخر مهووس لتدمير بيزيير وكنيسة المادلين فيها، أضفت جماعة ابن لادن على عنفها بُعداً قرآنياً عند ما حسبته جهاداً متذرعة ببعض من آى الذكر لتبريره. صحيح أن القرآن يحض على الجهاد فى أكثر من آية التوبة 24، الفرقان 52، المائدة 54 مثلاً. وصحيح أيضاً أن الجهاد فى بعض هذه الآيات لا يشير إلى جهاد السيف وإنما لجهاد التبصير والتنوير والمجادلة بالحسنى، لا سيما وسلاحه ذلك الجهاد هو القرآن «فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً» الفرقان 52. وما أعظمها حكمة أن يوصف جهاد الفكر بالجهاد الكبير، أى الجامع لكل صور الجهاد. فى الكتاب الكريم أيضاً «فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما مَنا بعدُ وأما فداء حتى تضع الحرب أوزارها» محمد، 4 ، كما فيه أيضاً «لا اكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغَى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم» البقرة، 256. وفيه ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» يونس. الذى لا يصطفى من تلك الآيات البينات أساساً فكرياً لإقامة دولة الإسلام فى عالمنا المعاصر غير تلك التى تتحدث عن ضرب الرقاب وشد الوثاق خارج نطاق زمانها ومكانها لن يخدم الإسلام فى شيء بل يضر به ضرراً بليغاً. عالم اليوم هو عالم تعايش سلمى وتفاعل إيجابى بين كل أهل الملل والنحل. بدون هذا التعايش والتفاعل سيصبح العالم جحيماً لا يطاق، وسيكون المسلمون فيه من الخاسرين لانظلم أهل القاعدة ان قلنا انهم ـ بالمنهج الذي يتبعون ـ لا يريدون للمسلمين ان يأتوا إلى كلمة سواء مع العالم بمن فيه من أهل الكتاب وغير أهل الكتاب. وكثيراً ما يباهي المتطرفون وغيرهم من المسلمين بأن أمة محمد قوة لا يستهان بها إذا انتظم ما ينيف على مليار من البشر هذه حقيقة بين حقائق أخر. فسكان الصين وحدها ينيف عددهم على المليار ونصف المليار أي قرابة ثلث سكان المعمورة. غالبية هؤلاء ليسوا من أهل الكتاب بل أن أقربهم لأهل الكتاب هم البوذيون والكونفوشيون وهم قلة نسبياً بجانب المتمركسين الذين لا يرون فى الأديان جميعاً إلا أفيوناً للشعوب. ما الذى سيصنع دعاة ضرب الرقاب مع هؤلاء حتى يدخلوهم في رحاب الاسلام؟ هذه هى الأسئلة التى يجدر بحماة الثغور الجدد أن يجيبوا عليها قبل أن يغرقوا العالم والمسلمين فى بحور من الدماء. كما يجدر بالذين يريدون للعالم الاسلامى الأمن والاستقرار والتفاعل الايجابى مع العالم دون تنكر لخصائصه الثقافية أن يوقفوا هواس psychosis المتطرفين الذي لا يعدو أن يكون توسلاً ذميماً بالدين لتحقيق مأرب سياسي. كان ذلك في حال. متطرفي القرن الحادى عشر وهو عدة متطرفي الصليبيين كما هو عتاد متطرفي الإسلام فى القرن الحادى عشر والتوسل فى واحد من معانيه فى اللغة هو السرقة مثل قولك أخذ فلان مالى توسلاً، ولذا لا نغالي ان قلنا ان الدين اختطف اختطافاً على يد المهووسين، المسلمين والصليبيين على حد سواء. الصليبية، مع استغلالها للدين، كانت، فى جوهرها، غزوات استعمارية تستر فيها الامبراطور كونراد الثالث المانيا ولويس السابع فرنسا ورتشارد قلب الأسد إنجلترا وراء الصليب. ووراء الهلال والقرآن يتستر اليوم أهل الكهوف والمغاور، فما الإسلام عندهم إلا نهزة مختلس
فرز الصالح والطالح تحت رماد الثلاثاء الدامي (2) ـ كم من الجرائم ارتكبت باسمك ايتها الحرية، جماعة القاعدة تضع الاسلام في تقاطع مع الديانات الاخرى
