الملال من الشيء كثيراً ما يحملك على الاعراض عنه. هذا كان شعورنا بعد انصرام الشهرين مما حدث فى نيويورك وواشنطن فى الحادى عشر من سبتمبر. مبعث الملال لم يكن هو استئثار الحدث بكل صفحات الصحافة فى الوطن العربى، فمن الأحداث ما هو رزء وجلل يستوجب الاهتمام. فما بالك بحدث زلزالى أصبح معه النهار أعمى وصحبته توابع أوهنت أركان الثوابت وهدت بعض المسلمات هديداً. ليس فى جعبة المرء إذن ما يضيف إلى المقالات الموضوعية الرصينة والمعلومات الموثقة الثرة التى تداولت الحدث غير أن الإناء أيضاً طفح بمقالات أخر هى التى أورثتنا الملالة لما فيها من كلام مُبهم، وعدول عن الطريق. من ذلك، التكثيف من لوم الضحية، والافراط في التشكيك في أدلة الاتهام، وتلمس الأعذار للجناة بأسلوب صريح فى بعض الأحيان ومخاتل فى أكثرها، واتخاذ الحدث تكأة لافتعال معارك تضر ولا تفيد. أقرب إلى الصواب أن يدين المعلق الأمين الجناية بلا مواربة ويناقش تداعياتها بأسلوب موضوعى غير ملغوس، ثم يبحث فيما بعد عن الدواعى التى استفزت مرتكبيها للاقدام عليها. فالاستفزاز فى القانون قد يكون سبباً لتخفيف العقاب على الجانى عند الحكومة فى القضية، ولكن لا يمكن له بحال أن يكون سبباً لتبرئته. تساءلت كثيراً عما الذى حمل أولئك المعلقين - ومنهم ذوو باع طويل فى الكتابة - على الاشتطاط فى الأحكام، والتماحك حول القرائن والأدلة، والمواظبة على تمويه الحديث بصورة لا تقود إلا لإباحة الجناية. ليس هذا هو المنهج الموضوعى للاقبال على تحليل أحداث يوم له ما بعده، كما له نتائج لا سبيل لنا للتحصن ضدها أو درئها ان كان منهجنا في تحليل تلك الأحداث هو لي عنق الحقيقة. لا سبيل لنا أيضاً للتأثير على تلك النتائج بالدعاء لله بأن لا يترك لأمريكا شامتة، وإنما عبر حفر موجع في الباطن وحوار مع غيرنا ومع بعضنا البعض نتعلق فيه بحبل العقل. مع هذا، تأنينا الكتابة لعل تلك الكوكبة من المعلقين تُبصرنا بما لسنا به ببصراء. فلعل فيما وقع فى واشنطن ونيويورك خير للإنسانية.أ و لعل تحرير فلسطين يمر عبر نيويورك كما كانت تحدثنا الريطروطيقا القديمة بأن الطريق إلى القدس يمر عبر الرياض. أو لعل الفتية الميامين من جماعة القاعدة -والذين يصطنع البعض لهم المعاذير- سيعودون بأمة الإسلام إلى عهد المأمون الزاهر. أو لعلنا جميعاً فى ديار الإسلام -بفضل من الله تعالى ومن أولئك الفتية من بعده - قادرون على أن نعيش متعازلين عن عالم الكافرين - كما يسميه ابن لادن شيخ أولئك الفتية - حتى وان اصبح حالنا مع أولئك الكافرين كحال الفضل بن العباس بن أبى لهب مع الأمويين: لا تجعلوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم فتؤذونا الله يعلم أنا لا نحبكم ولا نلومكم أن لم تحبونا قلنا للنفس من بعد، أن الملالة يأس واليأس ابطال للهمة. فلا غضاضة إذن فى أن نلقى بدلونا كما فعل نفر كريم فى التناول الموضوعى لذلك الحدث التأريخى. على أن التأريخ لا يدون بشهوة التشفى، كما لاتُشرح وقائع السياسة بوحى الأمانى والأوهام الرغبية (Wishful thinking). الاقتراب الموضوعى من الأمر يدفع بنا إلى التوقف عند مواقع خمسة من مطلع الحدث إلى حيث انتهى: 1 ـ استقبال العالم للحدث؟ واستقبالنا له فى الوطن العربى؟ 2 ـ ردود الفعل العفوية والمفتعلة فى الشارع الأمريكى وظواهر الاستجابة لها على المستوى العربى من ناحية، وعلى مستوى عرب أمريكا من ناحية أخرى. 3 ـ التشكيك فى نسبة الحدث لمن نسب لهم ومحاولات تبرئة الجناة من جرم ما طفق الجناة أنفسهم يتباهون به، وما تبع ذلك من تدليس فى الحديث والاسناد حول الارهاب. 4 ـ أثر الحدث فى اعادة تكييف المنظور الاستراتيجى الامريكى للعالم وليس فقط للمنطقة العربية والى أى مدى سيؤثر اسهامنا السياسى والفكرى بما فى ذلك الأفكار التى تموه الحق بالباطل على اعادة التكييف هذه. 5 ـ العودة الى الحديث عن صراع الحضارات، ما جاء منه ممن سخُف عقلهم فى أوروبا وما تبعه من ردود أفعال عربية لا تقل سخافة. الحدث الكارثي لا مشاحة فى أن أمريكا لم تهتز لحدث منذ الحرب العالمية الثانية التى ساقها اليها فرانكلين روزفلت سوقاً مثلما اهتزت لحدث الثلاثاء الدامى. لم يحالف الصواب، فى تقديرنا، المعلقين الذين قاربوا بين ذلك الحدث وبين مفاجأة بيرل هاربر ؛ فالحدثان لا يتفقان إلا فى عنصر الفُجاءة. بيرل هاربر كانت اعتداءً على رقعة بعيدة عن أمريكا القارية -لا فى قلبها- كما كانت ارهاصاً بحرب وشيكة بين دولة ودولة. العدو فى تلك الحرب واضح القسمات، والأهداف فيها محددة، ومواقع النزال فيها لا تخفى على أحد. فى مثل هذه الحرب يسعى الخصمان لاستخلاص مكاسب معينه ؛ ولهذا ان اصطلحا فهناك أسس للاتفاق، وان انتصر أحدهما على الآخر فهناك شروط معينة يملك المنتصر أن يمليها على المهزوم العدو فى حرب نيويورك عدو زئبقى، ولاتحد وجوده أبعاد جييوبوليتيكية في أهدافه فهو ضد الكفار، ولكن الكفار ليسوا جميعاً فى أمريكا بل منهم كثر فى بلاد العرب والمسلمين. وهو ضد الظلمة وفى زمرة هؤلاء يحشر حكاماً مسلمين وله فى وصفهم تعبيرات نابيات. وهو ضد اليهود وهم أهل ملة يعترف بها الإسلام، وليس ضد الاستعمار الإسرائيلى أو الصهيونى. وهو ضد الاشتراكيين لا لأن له بديلاً أفضل عنها، وإنما لأن الاشتراكية كفر «حديث ابن لادن لعبد البارى عطوان بأن مبعث حربه ضد ساسه اليمن الجنوبى هو أنهم كفار شيوعيون اشتراكيون ظلمة». إزاء هذا الطابع العدوانى الشامل للتطرف الجديد قابل العالم كله ـ من الصين شرقاً والى ايرلندا غرباً ومن بلاد سكاندناوة شمالاً الى التشيلى فى الجنوب ـ الحدث بهلع بالغ واستنكار كبير. جميع الدول التى استنكرت الحدث وأدانته ـ بما فيها الدول العربية ـ فعلت هذا لأنها رأت فيه منهجاً جديداً فى الممارسة السياسية لو سمح له أن يتكرر فلن تكون أى منها بمنجاة عنه. بل أن الدول العربية بالذات ستكون أكثر تأهيلاً لتكراره إذ لها مع هذا اللون من الارهاب سوابق مشهودة. جميع هذه الدول أيضاً لها ضغائن على أمريكا إلا أنها لم تذهب مذهب بعضنا فى اجترار صحيفة السوابق الأمريكية من هيروشيما ونجازاكى الى الفيتنام ومجزرة الديمقراطية فى التشيلى. كان أخلد بشعب اليابان -لا بجماعة القاعدة- أن يستعيد ذكرى هيروشيما، ليجد فيها مبرراً للارهاب الجديد. وكان أحرى بشعب الصين أن يُعيد الى ذاكرة أمريكا جرائمها فى الهند الصينية، ويقول لها ذوقوا مما أذقتمونا. وكان أقمن بأهل تشيلي أن يعتمدوا الارهاب المدعوم من وكالة المخابرات المركزية والـ ITT الذى ذهب معه سلفادور اليندى والديمقراطية سبباً لإباحة الارهاب الجديد على أمريكا تلك مهمة تركوها لغيرهم فى بلادنا. أما هم فقد انصرفوا لمعالجة مشكل راهن سيلحق بهم أذاه طال الزمن أم قصر، والى مجابهة النتائج التى ستترتب عليه حتى لا تقع عليهم تبعات دون أن يكون لهم دور فى التأثير عليها. رد الفعل .. العفوي والمفتعل فى داخل أمريكا كان رد الفعل جامحاً غضوباً مشوشاً، خاصة ضد كل ما هو ومن هو عربى أو اسلامى. من ردود الفعل ما جاء عفواً إزاء حدث بلغ منهم المشقة وهزهم هزاً، ومنها ما كان مفتعلاً. رد الفعل العفوى ـ ككل عمل عفوى ـ اتسم بفقدان الروية والتدبير، وما زال. ففى آخر استطلاع للرأى قامت به مؤسسة جالوب بعد أسبوعين من واقعة سبتمبر أفاد 49 % من المُستَطلَعين بأنهم يريدون للعرب ـ بمن فيهم العرب الأمريكيون ـ أن يوسموا بميسم خاص يميزهم عن غيرهم من الامريكيين، فى حين اعترضت نفس النسبة من المستجوبين على هذا الإجراء فى عالمنا المعاصر. هذا أمر لم يسبق إليه إلا هتلر عند ما أمر بوضع علامات مميزة لليهود ومساكنهم، وسابقة لايشرف دولة تكرارها. وفى استطلاع آخر لشبكة الـ TiMe/ CNN بعد شهر أيضاً من الحدث أفاد 31% من المستجوبين مقابل 65% بضرورة وضع العرب المقيمين فى الولايات المتحدة فى معسكرات منعزلة، مما يعنى أن ثلث مواطنى الولايات المتحدة يريدون للعرب المقيمين فيها أن يعاملوا كما عومل اليابانيون عقب حادث بيرل هاربر. تلك أيضاً سابقة ظلت تؤرق أمريكا وحملت على الاعتذار عنها مؤخراً. طرأ على ذهنى وأنا أتابع ردود الفعل هذه خلال زيارة لواشنطن بعد أسبوع واحد من الحدث، واتسمع مباشرة لروايات ممن لحق بهم آذاها، ما أصاب من كان يطلق عليهم أخوتنا الكويتيون اسم مواطنى دول النون الدول التى آزرت بوجه من الوجوه غزو الكويت مثل اليمن، السودان، الأردن، فلسطين، بجامع النون فى كل. وبالرغم من أن رد الفعل الكويتى نحو هؤلاء لم يبلغ ما بلغه رد الفعل الشعبى الأمريكى من التطرف نحو المواطنين العرب، إلا أن مواطنى دول النون ظلوا مدانين جمعاً فى نظر أهل الكويت حتى وأن اثبتوا براءتهم فرادى. من بين هؤلاء أصدقاء لنا نعرف ان وفاءهم للكويت ونصرتهم له لا يعادلها إلا ولاؤهم للسودان واستماتتهم فى الدفاع عنه. بيد أنا كنا ندرك كل الإدراك أن غزو الكويت قد خلف جرحاً بعيد الغور فى قلوب أهلها. وما موقفهم تجاه من قلبوا لهم ظهر المجن، أو توهموا فيهم ذلك بسبب من مواقف دولهم، الا رد فعل عفوى سيزول يوم يبرأ الجرح. وهذا ما كان. يحضرنى أيضاً ما وقع لأستاذنا الكبير الأستاذ الطيب صالح فى زيارة له لأمريكا بدعوة من إحدى جامعاتها. استوقف ضابط الجوازات الأستاذ الطيب وطلب منه أن يصحبه إلى مكتب خلفى فى المطار بالرغم من وجود سمة للدخول إلى أمريكا فى جوازه السودانى. صعق الطيب عندما طلب منه الضابط أخذ بصمات لأصابعه، وأدرك الضابط الحرج. قال معتذراً للأستاذ الكبير نحن نعرف من أنت ولكن مشكلتك هى جواز سفرك. فالسودان مسجل فى قائمة الدول التى ترعى الأرهاب، وهذا ما نصنع بكل رعايا هذه الدول عندما يفدون إلى بلادنا. مغزى القصة هى أن الأبرياء كثيراً ما يروحون ضحايا لأخطاء غيرهم من الحمقى والمهووسين. مشكلتنا الحقيقية مع المُفتَعَل من ردود الفعل المزعومة. تلك هى التى أخذ يؤجج نيرانها مناصرو دولة اسرائيل بتسريب المعلومات المغلوطة حيناً، وبالاستثارة الخبيثة فى أغلب الأحيان. فى هذا لا نرى جديداً تدق له الطبول، بل هى شنسنة نعرفها من أخزم. المنهج السليم لمعالجة هذه الاستثارة المغرضة ليس هو افتعال معارك يختلط فيها الخاثر بالزُباد، وتصبح فيها الحرب حرباً من الجميع ضد الجميع. فغاية المنى لنصراء اسرائيل هى إفلاح العرب لا إفلاحها هى فى إحباط من تبقى من نصرائهم، واستعداء من يسعى منهم لفهم اكثر عمقاً لقضاياهم. ولكن عِوضاً عن السعى لتعميق الحوار، والتفاعل الفكرى عبر المنابر المتعددة، واغتنام الفرص للتواصل المباشر مع المواطن العادى ، آثر مُلقحو الفتن تنقيب الضمائر والتربص بـ تسليط الهوى على الهنات بعد الهنات ، كما يقول أبو حيان التوحيدي «الصداقة والصديق». فلئن كتب توماس فريدمان مقالاً يؤلب فيه أمريكا على العرب ولا يورد فيه الا ما كان يقول قبل الحادى عشر من سبتمبر وسيقول بعده، يصبح هذا المقال هو رأى الصحافة الأمريكية. لا يضير أن تكتب النيويورك تايمز أو الواشنطن بوست فى افتتاحيتهما ما تدين به الغلواء ضد العرب والمسلمين وتدعوان فيهما الى أن لا يؤخذ البرئ بجريرة المذنب، وتطالبان فيهما بحماية حقوق المواطن الأمريكى العربى أو المسلم فالصحافة الأمريكية عند المتربصين هى فريدمان. ولئن دعا نائب وزير الدفاع بول ولفتز بضرب ما اسماه معاقل الارهاب فى سوريا والعراق يصبح هذا اعلاناً بنوايا أمريكا العدوانية ضد العرب تصحبه استنتاجات هى الى الغيب المُرجم أقرب. لا ضير أن يقول وزير الخارجية كولن باول فى تصريح مباشر ولفتز يتحدث عن نفسه. مع خبرتى بما يدور من صراع بين أطراف الحكم فى دول العالم، لم أحسب يوماً أن الخلاف بين مسئول ومسئول حتى فى حكومة جزيرة نائية يمكن أن يطفو الى السطح بهذا الشكل. ظهور الخلاف بهذه الصورة يبين أن وعياً متأخراً طرأ على صاحب القرار بأن لا مكان للاجندات الخارجية أو الفردية المتطرفة فى قضايا تمس الأمن القومى. ولئن يصدر عن الرئيس بوش قولاً يصف فيه حربه المقبلة بأنها Crusade يدق البعض الطبول وينادون يامعشر المسلمين ها هو كارولوس مارتيلوس شارل مارتل ـ إن لم يكن رتشارد قلب الأسد ـ يطل عليكم من جديد من تكساس. علماً بأن التعبير تعبير شائع فى أدبيات السياسة فى اللغة الإنجليزية مثل قولهم حرب مقدسة ضد الإيدز أو ضد الفقر Crusade ajain st aids/ poverty. صحيح أن للكلمة ظلالاً عندما يطلقها حاكم مسيحي ضد عدو ينتسب للاسلام في هذه الحالة الحيطة أدعى عند استخدام التعبيرات ذات الظلال. مع ذلك، لم يشفع للرئيس الأمريكى سعي مستشاريه لإزالة هذا اللبس، أو حرصه على الذهاب بنفسه للمركز الإسلامى بواشنطن لتأكيد احترامه للإسلام والمسلمين ومن المدهش ان الذين آذت اسماعهم ورود كلمة صليبية وروداً عابراً في خطاب بوش ما انفكوا يلحون في استدعاء تلك الكلمة حتى بعد ايضاح قائلها لما عناه باستخدامها ولكنهم لا يتوقفون عند استخدام الجماعات التي نهضوا للدفاع عنها لاوصاف مثل «الجهاد الاسلامي»، «الجماعة الاسلامية المسلحة» «جيش محمد»، «جيش التحرير الاسلامي» بكل ما توحي به من عنف واستعداء تأذوا ـ وما زالوا يدعون التأذي ـ من استخدام بوش لكلمة صليبية، كمثل من قال فيهم المسيح: يرون القشة في عين الاخر، ولايرون الجذل في عيونهم. هم أيضاً أصحاب منهج في التفكير حلزوني يدور بهم في فراغ. ويظنون في بلاهة انهم سيقنعون الآخرين بذلك المنهج المحلزن يزعمون، مثلاً ان الجهاد في الاسلام لا يعني بالضرورة العنف واكبره جهاد النفس. هذا أمر لاخلاف بيننا وبينهم عليه، ولكنا في هذا المقام لا نحاكم الاسلام او نمتحن القرآن. «جهاد» الجماعة الاسلامية ادرى به السياح الاوروبيين في الاقصر والمتحف المصري في القاهرة، وجهاد الجماعة الاسلامية ادرى به جيش الجزائر المسلمة ونساؤها واطفالها، وسيوف جيش محمد المزعوم ما صقلت الا لجز رؤوس المسيحيين والهندوس في باكستان. هؤلاء جميعاً لن يصدقوا ان الجهاد شيء غير ذلك الذي رأوا وتعرضوا اليه، ولن يفيد في اقناعهم بغير ذلك تهافت فلاسفة التبرير، المستنير منهم وغير المستنير. ويضيف المُلبِسون الى مقولة بوش تخريجاً ساذجاً فحواه أن الرجل رهينة لليمين المسيحى المتطرف ويذهبون فى تلبيسهم للحديث عن يمين أمريكى مسيحى متطرف لن يغمض له طرف حتى يحمل الصليب غازياً بلاد المسلمين. اليمين المتطرف يدعم بلا شك الحزب الجمهورى، إلا أنه أيضاً لا يضم إلا تنظيمات هامشية فى المجتمع الأمريكى الواسع، ولا يلقى غير الاستهجان فى صفوف اليسار الجمهورى، ان جاز التعبير. كما أن حجم هذه الجماعات المتطرفة حجم مجهرى بالقياس الى ما يسمى بالتيار المسيحى العريض فى أمريكا اللوثريون والمشيخاينون والاسقفيون. رسالة تلك الجماعات المسيحية المتطرفة رسالة انغلاقية لا تتجاوز ـ باستثناء واحد ـ حدود أمريكا، وتقتصر على قضايا محلية بطبعها مثل حق الحياة محاربة الاجهاض، تجديد القيم المسيحية فى العائلة، محاربة الشذوذ الجنسى. لتطبيق هذه الأجندة الانغلاقية أنشأ أولئك المتطرفون تنظيماً أسموه جيش الرب يقوده واحد منهم يدعى مايكل براى. وبالرغم من تعدد ميادين العمل لاحياء القيم الأسرية المسيحية التي كادت تنقرض نتيجة لاستشراء ظاهرة الفردية النووية nuciear imdividualism ولم يجد براى هذا فى كل ساحات العمل تلك مجالاً للاحياء غير محاربة الاجهاض والاعتداء على الأطباء الذين يمارسونه. ومن الطريف أن أحد المناوئين لهذا اليمين الدينى من الحزب الجمهورى قال عقب أحداث سبتمبر الارهاب لم يبدأه ابن لادن وإنما بدأه الذين اغتالوا طبيباً فى نيويورك. تلك إشارة لاعتداء واحد من المنتمين لذلك التيار على الطبيب بارنيت ستيبيان فى مدينة أمهيرست بولاية نيويورك وإردائه قتيلاً لإجرائه عملية إجهاض لفتاة. انغماس هذا التيار فى أوهامه وخيالاته انعكس فى تعليقات أقطابه على حادث الثلاثاء، فجيرى فورويل أحد قادة هذا التيار اعتبر الحدث غضباً من الله على الأمة، كما عده بات روبرتسون قائد آخر للتيار الدينى المتطرف ايذاناً بصحوة روحية تعيد المؤمنين الى الكنيسة. ولئن كانت هناك مجموعات دينية ذات رسالة تتجاوز حدود أمريكا وتخلط الدين بالسياسة فهى المجموعات اليهودية. الناشطون من اليهود دوماً كانوا ـ على الصعيد الداخلى ـ فى مقدمة المتصدين للظلم والتعصب المكارثية، إهدار الحقوق المدنية للزنوج ، كما كانت لهم مواقف مشهودة على الصعيد الخارجى ضد حماقات الغطرسة مثل مواقفهم تجاه حرب فيتنام. مع هذا ظلت إسرائيل توالى ضغوطها على كل يهودى لنصرتها ظالمة أو مظلومة حتى وان كان في نصرة الظلم ما يتعارض مع المبادئ التى يبشر بها هؤلاء داخل أوطانهم. إسرائيل تفترض بأن حمايتها ـ ظالمة أو مظلومة ـ واجب تمليه على كل يهودى يهوديته، بصرف النظر عن مصالح الدولة التى ينتمى إليها وبصرف النظر عن القيم التى يؤمن بها. هذه النظرة لليهودى التى تخالف طبائع الأشياء هى التى جعلت جولدا مائير تكتب للمستشار النمساوى برونو كرايسكى مستهجنة ما أسمته تنكره لليهودية عندما أمر بإطلاق سراح عناصر فلسطينية فى النمسا عقب حادث الاعتداء المعروف على قطار بودابست - فيينا. رد كرايسكى على مائير كان بريعاً: سيدتى أنا نمساوى بالدرجة الأولى وهذه هى المرة الثانية التى أنبه فيها إلى يهوديتى المرة الأولى نبهنى إليها هتلر. مهما يكن من أمر، استطاع اللوبى الإسرائيلى اختراق بعض المجموعات الدينية المتطرفة، خاصة تلك التى درجت على قراءة الكتاب المقدس قراءة حرفية تضفى على بنى إسرائيل صفة الشعب المختار وتفترض الصراع الحتمى بينه وبين الآخرين «أقرأ شعب»فلسطين. بل لعلها بقراءتها الساذجة لحدث الثلاثاء توحى بأن ذلك الحدث هو بداية الزلزلة العظيمة فى هرمجدون التى تنبأ بها يوحنا «رؤيا يوحنا اللاهوتى، الاصحاح السادس عشر». هذا يضفى على تأييد بعض متطرفى المسيحيين لإسرائيل بُعداً لاهوتياً. وعلى أى، فلم يكن لليهود - على المستوى الاجتماعى العام - كل هذه السطوة حتى الستينيات، إذ ما زلنا نذكر كيف أنهم كانوا ضحايا لعنصرية بغيضة من جانب غالبية لا يستهان بها من البيض المسيحيين. مثال ذلك أن أصحاب العقارات كانوا دوماً ينصون فى أوامرهم لوكلاء العقارات بأن لا يؤجر العقار لزنجى أو يهودى. تلك العنصرية المنبوذة انتهت عقب انتصار ثورة الحقوق المدنية فى حقبة الستينيات. هذه كلها ظلال للصورة يتجاهلها الذين يظنون أن هيمنة الموالين لإسرائيل على السياسة الأمريكية قدر لا راد له، أو يسبغون على المجموعات المسيحية المتطرفة أهمية مطلقة فى حين يتجاهلون تياراً مسيحياً واسعاً يمكن التأثير عليه فاللف والنشر المشوش الذى نراه لا يترك فرجة لحوار. الأمريكيون العرب في النسيج الاجتماعي مبلغ الظن أن هذا هو الذى حمل الأمريكيين العرب على الدفاع عن أنفسهم ازاء الحملات الظالمة فى وطنهم الثانى، بقدر ما دفعهم لاستهجان ردود الفعل التى اتسمت بالاعتداء على الحقيقة فى وطنهم الأول. الأمريكيون العرب أصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعى الأمريكى وخبروا تضاريسه الفكرية والتزموا بمنظومته القيمية، ولهذا كانوا أكثر دراية بأساليب التأثير على الرأى العام فيه. باسمهم تحدث ادورد سعيد جامعة كولومبيا ورشيد خالدى جامعة شيكاغو وفواز جرجس جامعة ساره لورانس نيويورك تايمز 29 سبتمبر 2001 منددين بالارهاب دون أن يتبعوا الإدانة بحرف استدراك يثبت لما بعده حكماً مخالفاً لحكم سبقه، كما يقول النحاة. فى ذات الوقت لم تنقصهم الجرأة على إبانة جذور المشاكل، وكما قال ادورد سعيد لئن تفهم لا يعنى أنك تتسامح to understand is not tolerate. واحد منهم ذهب مذهباً قصياً عندما كتب يقول أبرز ضحايا الهجوم الجبان كان مكانة ومنزلة المجتمع العربى الأمريكى فى الولايات المتحدة وقدرته ليس فقط على التأثير فى السياسة الخارجية الأمريكية بل أيضاً على الإندماج فى النسيج الاجتماعى للبلاد. ويمكن القول أن وجود التجمعات العربية والإسلامية نفسه أصبح مهدداً لأن ابن لادن وأمثاله من المتعصبين نجحوا فى تدمير هذه التجمعات العربية وإنجازاتها المتواضعة فى الولايات المتحدة على مدى نصف قرن، وليس بسبب الأصوات المناهضة للعرب والمسلمين فى أمريكا الحياة «7 أكتوبر 2001». الإنجازات المتواضعة منذ العشرينات كان من نتائجها تفاعل خلاق بين ثقافة الوافدين العرب والثقافات المتعددة الأخرى التى تُكون فى مجموعها النسيج الإجتماعى الأمريكى، دون أن يعنى هذا القطيعة مع جذورها. فإحصاء المعهد العربى الأمريكى 1990 يوضح أن 51% من النازحين العرب القدامى ما زالوا يتحدثون العربية فى منازلهم. بسبب هذا الانسياب فى النسيج الاجتماعى أصبحت آثار جبران خليل جبران خاصة النبى غذاء روحياً معترفاً به فى المائدة الأدبية الأمريكية بل جزءاً من مقررات الدراسة فى الكثير من الجامعات، كما ترقى العرب الى أرفع المراتب الاجتماعية. وعلى سبيل المثال لا الحصر عبود ونصار وحلبى فى ميدان الأعمال ؛ فيليب حتى، أحمد زويل، إدوارد سعيد، فاروق الباز فى دوائر العلوم والاكاديميات ؛ جيمز أبو رزق، سبنسر ابراهام، جورج ميتشل، سنونو فى حقل السياسة. بل أن الأخير أصبح حاكماً على ولاية نيو هامشير دون أن تكون له فيها قاعدة اجتماعية عربية يرتكز عليها، كما لم تكن لابنه الذى أصبح نائباً في الكونجرس عن احدى دوائر الولاية. العمل المنهجى الدؤوب من جانب هؤلاء الوسطاء للتأثير على الرأى العام الأمريكي أمر ضرورى لأن المواطن الأمريكى ـ بسبب من القوة الاقتصادية والسياسية لبلاده ـ يظن أنه غني بنفسه عمن سواه. فقرابة الخمس وسبعين بالمئة من المواطنين العاديين فى أمريكا يستمدون معارفهم السياسية العامة من التلفاز. كثير من هؤلاء يقتصرون على القنوات المحلية وقلما يديرون أقراص التلفاز أو بالأحرى يحركونها من على البعد نحو القنوات التى تعنى بالعالم الخارجى مثل NBC و CNN. هذا بالطبع لا يشمل الصفوة، ففى أمريكا أكبر عدد من المعاهد المعنية بدراسة ثقافات ولغات الأمم ومنها الثقافة العربية. بل تشير الإحصائيات إلى أن عدد طلاب الدراسات الإسلامية زاد بثلاثة أضعاف بعد حدث الثلاثاء فى جامعة شيكاغو كما زاد الراغبون فى تعلم اللغة العربية بنسبة 40% فى جامعة متشجان. الاندماج فى النسيج الإجتماعى الأمريكى وقبول المنظومات القيمية للمجتمع يصدق أيضاً على المسلمين. ولكيما لا يقع تخليط، يبلغ عدد المسلمين فى أمريكا بمن فيهم الأمريكيون السود سبعة ملايين نسمة لا يزيد عدد العرب منهم على مليونين. الغالبية العظمى من هؤلاء ينتظمهما التحالف الإسلامى الأمريكى الذى يضم 32 منظمة. هذا التحالف عقد مؤتمراً خلال شهر أكتوبر المنصرم فى سان خوزيه، كاليفورنيا كان محور النقاش فيه هو ماذا يعنى أن تكون مسلماً أمريكياً؟ وفى حديث لإحدى الصحف «نيويورك تايمز، 3 أكتوبر 2001» استنكر رئيس التحالف، البروفيسور أغا سعيد تعرضه للتفتيش أكثر من غيره فى مطار بلتمور ولكنه أردف بأن استنكاره للتفتيش انما يعود لتعارض الأسلوب الذى أجرى به التفتيش مع القيم التى أرساها الدستور الأمريكى، وعلى رأسها عدم التمييز بين المواطنين. وفى معرض اشادته بالديمقراطية التى يوفرها له المجتمع الأمريكى استذكر أغا حملته بحكم ما أسماه مسئوليته الأدبية ضد المشاركة الأمريكية فى حرب الخليج ثم أضاف لو كنت مواطناً عراقياً وأدنت غزو الكويت من بغداد لأصبحت فى عداد الموتى فى أقل من نصف دقيقة. هذا أمر تؤكده التظاهرات التى خرجت منها تظاهرة أمام البيت الأبيض قوامها خمسون الفاً معترضة على حرب افغانستان دون ان يرتفع صوت واحد ليقول لها لا صوت يعلو على صوت المعركة. من الواضح أن العرب والمسلمين الذين أصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والكيان المجتمعى الأمريكى يعرفون جيداً سبل الاقبال والادبار فى ذلك المجتمع .. يعرفون حقوقهم وواجباتهم، ويعرفون المنظومة القيمية التى يتوجب عليهم الالتزام بها، ويعرفون طرائق السجال العقلانى فى منابر الحوار والجدل. هذا هو الأسلوب الذى اتخذه اليهود للتأثير على الرأى العام الأمريكى، بل وللسيطرة على مفاصل المجتمع كله ؛ فى الصحافة كما فى مراكز المال، وفى السينما كما فى الجامعات. ولكن بجانب الرعيل الأول من المهاجرين العرب والمسلمين شهدت أمريكا نمطاً آخر من المهاجرين العرب المسلمين، أغلبهم انتقلت بهم إلى أمريكا، الأرض الواعدة Promised Land ظروف اقتصادية قاهرة. ومن بين هؤلاء كان هناك أئمة وعاظ. هؤلاء المهاجرون لم يبتغوا من رحيلهم إلى تلك الأرض الواعدة غير الكسب المادى وتحسين أوضاعهم وأوضاع أهليهم، دون حرص منهم أو رغبة للالتزام بقواعد اللعبة، أى أنهم يريدون حقوقاً بلا واجبات. مع هذا، لو أراد هؤلاء أن يعيشوا متقوقعين داخل محارتهم الاجتماعية لما أثار هذا ثائرة أحد. فقد ظل المورمون فى منتجعهم القصى فى ولاية أوتا منذ عام 1830 يمارسون طقوسهم الناشزة وعباداتهم غير المألوفة لدى بقية المسيحيين. مع ذلك اضطروا اضطراراً للتخلى عن بعض ممارساتهم التى تتعارض مع القانون العام مثل تعدد الزوجات فى عام 1890. بيد أن بعض المهاجرين الجدد لا يقنعون فقط بالحقوق التى يكفلها لهم القانون لممارسة شعائرهم الدينية، والحفاظ على هويتهم الثقافية بل والتبشير بما يؤمنون به، وإنما يريدون أيضاً الأنغماس فى ممارسات تنبو عن الذوق العام، أو يجرمها القانون فى الوطن الجديد. مثال ذلك زواج القصر من الفتيات أو حقوق المرأة بصورة عامة. فقسر القصر من الفتيات على الزواج قد يكون حقاً طبيعياً فى بعض البلاد التى وفد منها هؤلاء المهاجرون حيث يحق لولى الأمر وفق قانون عرفى متخلف أن يقسر الصغيرة على الزواج. ولكن فى أمريكا يعد هذا تحرشاً بالاطفال و يحق للفتاة أن تجرجر صانعه والمحرض عليه للعدالة. وكثيراً ما يظن الجناة أن فى هذا انتهاكاً لتقاليدهم ودينهم، وما تلك التقاليد من الدين في شيء. هذا خلط للأوراق لا يبتغى منه صانعوه غير الابتزاز باسم الدين. وبالطبع هذه حالات فردية لا تقتصر على بعض العرب المسلمين بل تشمل الباكستانيين والأفغان مثلا، وما اشارتنا اليها الا باعتبارها نموذجاً لما يقود إليه التصادم بين منظومتين للقيم. ونضيف بأن بلاداً عربية اسلامية مثل تونس طفرت طفرات واسعة في تطوير قوانين الأحوال الشخصية بالقدر الذي رد للمرأة اعتبارها. وعلى كل، ليس هناك ما يضطر المرء للهجرة إلى فلوريدا وتكساس أن أراد حقاً أن يعيش داخل محارته ووفق النسق القيمي الذى يقبله مجتمعه، أو يؤمن بأن الاسلام يفرضه عليه. نعم هذه حالات فردية، إلا أن هناك ما هو أدعى للقلق أنهماك مجموعات كبيرة من أولئك المهاجرين الجدد ومن الدعاة الإسلاميين فى قضايا لا تفيد الدعوة بشيء ولا تغير من واقع الحال بالنسبة لطالب الفتوى. من ذلك الفتاوى حول حرمة فائدة البنوك وهل هى مثل ربا الجاهلية، أو حول الطلاق والطاعة والنشوز. هذه أمور لا طائل تحتها، فكل ما يقول به المفتون الجدد أو ما قال به من قبل الامام مالك فى النقود، أو القاسم بن سلام فى الأموال لن يغير من سياسات البنك الاحتياطى الفيدرالى حول سعر الفائدة. وكلما جاء به الفقه الإسلامى حول الطاعة والنشوز لا مكان له فى قانون الطلاق الأمريكى إذ هناك حقوق يقرها القانون للمرأة لا تمايز فيها بسبب الدين أو الجنس. الأهم، هو انصراف الدعاة الإسلاميين فى أمريكا لإجلاء صورة الإسلام كدين رحيب ؛ فالإسلام أوسع كثيراً من فقه المعاملات وقوانين الأحوال الشخصية. الإسلام أيضاً يعالج قضايا العدل، والتسامح بين الأديان، والتعارف بين الشعوب والقبائل المتفرقة، وأعمال العقل فى كلما يفعل المرء فى سبيل التفاعل والتلاقح بين الحضارات هذه هى القضايا التى يجب ان يتجه لها الدعاة