بعد نضال مستميت استمر خمسة عشر عاماً حققت الصين حلماً من احلامها العزيزة بدخولها اخيراً في منظمة التجارة العالمية، بعد ان وافق اعضاء المنظمة ال- 142 بالاجماع على دخولها، الامر الذي اكد ان دخولها كان امراً طبيعيا بل حتمياً وان حوائل مصطنعة بقصد الضغط عليها، وابتزاز التنازلات منها، والعمل على عرقلة نهضتها، كانت وراء التأجيل اثر التأجيل في السماح للصين بدخول تلك المنظمة. العضوية المستعارة كانت الصين عضواً اصيلاً في منظمة «الجات» وهي المنظمة التي انحلت في 1995، ونشأت على انقاضها منظمة التجارة العالمية، ولكن عندما نشأت الصين الشعبية في 1949 وانفصلت عنها تايوان قررت الدول الكبرى منح مقعد الصين لتايوان، وهكذا ظلت الصين محرومة من التمثيل في تلك المنظمة مثلما ظلت محرومة من التمثيل في منظمة الامم المتحدة، ومجلس الامن الدولي وكانت الصين قد استعادت تمثيلها الدبلوماسي في الجمعية العامة للامم المتحدة ومجلس الامن في 1971 إلا انها لم تستعد تمثيلها بمنظمة التجارة العالمية إلا هذا الاسبوع، فكان ذلك ثاني اكبر انتصار دبلوماسي للصين خلال ثلاثة عقود وسيكون ذلك انتصاراً دبلوماسياً ثالثاً في 2008، عندما تستضيف الصين العاب الاولمبياد العظيمة، وتمهد بذلك لنفسها مدخلاً اجتماعيا وثقافيا وحضاريا يصلها بعامة شعوب الارض، وربما يتلو ذلك انتصار دبلوماسي رابع في 2011 اذا تمكنت الصين من عقد تحالف اقتصادي ضخم مع جاراتها من دول جنوب شرق آسيا، لانشاء منظقة اقتصادية حرة بعرض ذلك الاقليم تشمل قرابة البليونين من المستهلكين وتشكل اكبر منطقة اقتصادية حرة في العالم اجمع. دفعة للنهوض الاقتصادي ان دخول الصين منظمة التجارة العالمية يعطي دفعة قوية لنهوض الاقتصاد الصيني، واقتحام البضائع الصينية لاسواق العالم، وقد قطفت الصين بالفعل كثيراً من الثمار لمجرد ابداء حديثها في طلب عضوية المنظمة طوال السنوات الخمس عشرة الماضية، وتمثل ذلك في تزايد معدلات تدفق الاستثمارالاجنبي على الصين والذي بلغ العام الماضي نحو 45 بليون دولار. ومن المنتظر ان يتضاعف في الاعوام المقبلة عندما تبدي الصين مزيداً من التواؤم مع شروط الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وحينها ستفضل كثير من الشركات عابرة القارات ان تنقل استثماراتها الى الصين، بدلاً من استثماراتها الحالية في المكسيك وغيرها من الاقطار متوسطة الجحم حيث لا تستطيع تلك الاقطار منافسة قطر قاري ضخم كالصين في مجال الاستهلاك وهو الامر الذي يهم تلك الشركات بالدرجة الاولى على المدى الطويل، اذ هي تستهدف قطراً مستهلكاً لانتاجها الضخم من البضائع والمعدات. من هذا المدخل تراهن الصين على ان تستخدم رأس المال العالمي لكي تبلغ غايتها في النمو الاقتصادي، ومنافسة الغرب والوصول الى مصاف الدول العظمى، وفي سبيل الوصول الى ذلك الهدف تتغاضى الصين حاليا عن اعتبارات كثيرة، وتتنازل عن بعض الامتيازات، وتسمح ببعض التدخلات السياسية الغربية في شئونها الداخلية، وتكيف سلوكها في مجلس الامن الدولي بحيث لا يتعارض ولا يتماشي مع مصالح الدول الكبرى، وانما يبدو متميزاً نوعاً ما، وفي ذلك ما فيه من تمهيد لمطلع قوة دولية جديدة ذات مسلكية مختلفة عن مسلكيات الدول الكبرى المتحكمة حاليا على مسرح الفعل الدولي. خسائر في الطريق وهكذا من منطلق فعل براجماتي تتصرف الصين حتى تنال مكاسب عظمى كنيلها عضوية منظمة التجارة العالمية، وهي العضوية التي ستفتح معظم اسواق العالم لاستقبال انتاجها الصناعي الممتاز برخص الاسعار، وهو مكسب ضخم ولكنه مكسب غير صاف اذ لا يعني دخول الصين منظمة التجارة العالمية انها لن تخسر شيئا، انها ستخسر على المدى القصير والطويل الكثير من ميزاتها التجارية وستخضع صناعاتها المحلية لكثير من المنافسات العالمية التي ستجلب الى عقر دار الصين بضائع اجود وان لم تكن ارخص، وستمتد المنافسات التجارية لتشمل الزراعة الصينية نفسها، وواردات المنتجات الزراعية الاجنبية الى الصين، لاسيما الفواكه على انواعها، وان تكن اغلى، إلا انها اجود كثيرا من منتجات الصين الزراعية المحلية، وهنا ستشتعل، ولا ريب، منافسات رهيبة بين المزارعين الامريكيين والصينيين، ايهم يستطيع ان يستأثر بأذواق ورغائب المستهلكين الصينيين. وخذ ابسط مثال لذلك، العنب الامريكي الذي يتلهف سكان جنوب الصين الاثرياء على شرائه ويبذلون عن طيب خاطر ثلاثة اضعاف سعر العنب المحلي لشرائه، فهو في نظرهم اطيب واجود، كما تراعي في تعبئته النواحي الصحية بصورة افضل وان شحنات ذلك العنب تصل بعد ثلاثة اسابيع من شحنها من كاليفورنيا الى جنوب الصين إلا انها تصل سالمة عكس شحنات العنب الذي يرد من شمال الصين الى جنوبها، والغريب ان العنب الصيني يصل متأخرا ايضا، مع انه يقطع اقل بكثير من مسافة السبعة آلاف ميل بين كاليفورنيا والصين، وتفسد كميات كبيرة منه قبل ان يقطع فيافي الصين. ان هذا واحد من انماط المنافسة الحرة التي قد تلحق اضراراً فادحة بالاقتصاد الصيني على المدى القصير والوسيط، وهو امر يزعج القيادة الصينية كثيراً، لان العلاج الوحيد المتاح هو العلاج الجذري الشامل لامراض الاقتصاد الصيني، والعمل على انهاضه ليواجه البضائع الاجنبية التي ستضطر الصين بموجب دخولها منظمة التجارة العالمية، ان تخفض الرسوم الجمركية التي كانت تفرضها عليها من 21 بالمئة الى 8 بالمئة فقط وبعض تلك البضائع معروف برخص ثمنه. ومن هنا تبدو الصعوبة مزدوجة امام الصين اذ تعترضها بضائع جيدة ورخيصة بنفس الوقت. وهذه المتاجر قد تستمريء رفع الحواجز الجمركية لتستوطن في الصين، وتنشيء مئات او آلاف الفروع، تستوعب بها سوق الصين الضخم وقد بدأت سلسلة متاجر وول ماري الامريكي، بالفعل في انشاء عدة فروع لها في الصين كما انشأت سلسلة متاجر كارفور الفرنسي نحو ثلاثين فرعاً لها في الصين، وتفكر المتاجر الخمس الكبرى في اليابان بالتوسع بالصين وهذه المتاجر تستطيع ما لم ينافسها الاقتصاد الصيني ان تكتسح شركات القطاع العام الصيني، وكذا متاجر القطاع الخاص الصيني، التي هي بالاساس محدودة الانطلاق. هذا عن شركات البضائع العادية لكن الادهى من ذلك هو شأن الشركات الاحتكارية الكبرى، التي سيفتح لها مجال الاستثمار في الصين، كشركات الاتصالات العاملة في مجالات الهاتف والانترنت، وهذه تمتاز على الصناعة الصينية بميزتين ساحقتين هما التفوق في التكنولوجيا وفي رأس المال، وذلك مما يمكنها من الانفراد بالسوق الصينية في مجال الاتصالات، اذ ان مواثيق منظمة التجارة العالمية تعطي لهذه الشركات حق تأسيس اعمال لها في الصين بدون مشاركة في رأس المال مع الحكومة الصينية او شركات القطاع العام الصيني، وهنا ينبثق خطر آخر، يتعلق بطبيعة النظام الشمولي في الصين، وهي الطبيعة التي لا تسمح بمشاركته في العمل في مجالات الاتصالات التي هي وثيقة الصلة بالمعلومات، والتجسس، وقضايا الأمن القومي، وهي مسائل سياسية لا تسمح الحكومة الصينية بالمنافسة فيها، حتى لو سمحت بحرية التنافس في المجال الاقتصادي. مغزى الموافقة من هذه الناحية يراهن كثير من السياسيين الغربيين على اقتحام الصين، والتغلغل في خصوصياتها ونقلها تدريجيا من نظامها الاشتراكي الشمولي، الى نظام اكثر انفتاحا وديمقراطية، وانسجاما مع النظام السياسي العالمي، تماما كما تم مع اليابان التي نقلت عبر نصف قرن الى كثير من الالتصاق بالنظامين السياسي والاقتصادي العالمي. والصين بالتأكيد غير اليابان فهي اعرق حضارياً من اليابان بكثير اذ لا تعتبر الثقافة اليابانية إلا مجرد فرع هامشي للحضارة الصينية، كما ان اليابان كانت رأسمالية التوجه حتى قبل ان يهيمن عليها الغرب، اما الصين فاقتصادها الضخم لايزال نصفه محكوما بنظام التخطيط الاشتراكي، وستظل قطاعات كبرى منه محكومة بنمط التخطيط الاشتراكي لامد طويل، وسيظل الجزء الشيوعي مسيطراً ولا بديل لذلك سوى حالة فوضى عارمة بسبب عدم تهيؤ الوسط السياسي الصيني لاعداد اي بديل لسيطرة الحزب، وبسبب عدم وجود بوادر تمرد او حتى اعتراض جدي على سيطرة الحزب، بل يسود الرضا عن ادائه في المجالين السياسي والاقتصادي في معظم طبقات الشعب الصيني. من هنا تبدأ مراهنة الغرب على تحويل الصين عن خطها بمجرد فرض شروط رأسمالية الطابع على اقتصادها مراهنة غير مضمونة النتائج، اذ ان الارجح ان تظل الصين على خطها الراهن اذا ثبتت جدواه في تحقيق جملة اهداف منها الارتقاء بالاداء الاقتصادي، والمحافظة على الاستقرار السياسي وتأكيد الاستقلال القومي، اضافة الى ترجيح احتمالات بروز الصين كدولة عظمى في العقود المقبلة. د. محمد وقيع الله