يمر العالم الإسلامي بمرحلة تاريخية، ويحتاج الكثير في شتى مجالات بناء القدرة الشاملة لدوله حتى يحقق تغييرات مستقبلية إيجابية توحي بأن هذا العالم سوف ينهض من جديد على وجه يماثل نهضته خلال سبعة قرون ماضية امتدت من بداية القرن الثامن إلى نهاية القرن الرابع عشر. وخلالها استطاع الإسلام - في رأي ديبورانت في كتابه قصة الحضارة في جزئه الثاني - أن يتزعم العالم كله في القوة والنظام وبسطة الملك وجميل الطباع والأخلاق، وفي التشريع الإنساني والعلوم والطب والفلسفة، والجغرافيا والفلك، والجبر على أيدي الخوارزمي والكندي والفرجاني، والكيمياء ثم الزخرفة والموسيقى. بل لقد علم العرب بوجه خاص، وعبر حضارات إشبيلية وقرطبة وصقلية، أبناء أوروبا السلوكيات الشخصية الراقية. وكانت حضارة الأندلس وبيت الحكمة في بغداد معينا لا ينضب لعلماء وأدباء أوروبا. وكان العرب أيضا أول من اخترع الأرقام وأول من استعمل البارود القاذف كمادة دافعة للصواريخ. ومن اللغة العربية اشتق أهل الغرب أسماء القطن والمهير شعر الماعز والساتان الخ. ولم تُفرض الحضارة الإسلامية على الشعوب أو الأمم بالقوة أو بحد السيف كما يزعم بعض كتاب الغرب أو المستشرقين بل انتشرت بالحجة والمنطق والإقناع. وقد استمرت الفتوح الإسلامية عبر التجارة والثقافة لمدة طالت إلى القرن الرابع عشر الميلادي. وفي الفترة من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر تم انتشار الإسلام في الفتوحات على الأغلب على أيدي أقوام أخرى من غير العرب مثل الأتراك والفرس والمغول سواء في آسيا الصغرى أو أفريقيا، وهناك دول عديدة اعتنقت الإسلام، ولم يدخلها بالقوة مثلما حدث في إندونيسيا. لقد كانت الفتوح الإسلامية إذن دعوة صادقة لنقل الناس من التخلف إلى الازدهار ولم تكن توسعات استثمارية. ولم يستغل الإسلاميون المصالح الاقتصادية ليبرروا الغزو والسيطرة مثلما يفعل الغرب الاستعماري. وكان المسلمون هم الذين جعلوا من البندقية فينيسيا ومن جنوا مركزين تجاريين اعتبارا من القرن العاشر الميلادي، وإن كان المليونير الإيطالي المتعصب بيرلسكوني يجهل هذه الحقيقة الثابتة. بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت حركات قومية ويسارية واشتراكية، وتراجع الاتجاه الإسلامي كأيديولوجية لعمل كل الحركات الوطنية، واستمر ذلك الوضع طويلا حتى انبثاق الثورة الإيرانية في نهاية السبعينيات، وبدا أنه يقوى ويتدعم من بعدها، وكان ذلك متزامنا مع بدء التحول إلى نظام دولي جديد. وتطرف بعض السياسيين والكتاب الغربيين ليطالبوا بإضعاف البلدان الإسلامية بسبب دينها واختلافها الحضاري عن الغرب الاستعماري الذي ينتمي إلى حضارة ودين آخرين. وبدأ الاتجاه العدائي للعرب والمسلمين يتصاعد في العقد الأخير من القرن الماضي، ويؤثر على الجاليات العربية والمسلمين في أوروبا والغرب، تارة بسبب صراعات البلقان، ومطالبة مسلمي البوسنة وكوسوفا بالحرية والاستقلال، أو بفعل تداعيات الإرهاب الدولي، وتارة أخرى نتيجة مشاكل هجرة المغتربين، وتزايد البطالة، أو بسبب الاختلاف الثقافي، والسلوكيات الاجتماعية، وعجز كثير من المهاجرين عن الاندماج الفكري والاجتماعي مع مواطنيهم في بلاد المهجر. وتقاعس الإعلام العربي والإسلامي طويلا عن مواجهة من يشوهون جوهر العقيدة الإسلامية، ويروجون لسوء الفهم المتعمد، ويرون أن المفاهيم الفكرية التي أدت للحروب الصليبية، وإلى الهيمنة الاستعمارية الأوروبية، ثم للعولمة أو الهيمنة الأمريكية يجب أن تُخضعَ العالمَ الإسلامي على الدوام للغرب المسيحي وتستضعف شعوبه. ولم يكن إعلامنا العربي مطلقا على مستوى المسئولية أو القدرة لمواجهة التزييف المتعمد لتعاليم الإسلام ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وتجاسر البعض على اتهام الإسلام بأنه مزيج من الفلسفات القديمة!! ومع أن المسيحية دين شرقي، والمسلمون متسامحون إلى أقصى حد، ودينهم يعترف بالأديان والحضارات الأخرى، وعلى الرغم من أن الغرب هو الذي اعتدى على ديار الإسلام في الحروب الصليبية، ومع أن الاستعمار الغربي وراء تخلف المسلمين علميا وتكنولوجيا وحضاريا في التاريخ الحديث، فإن بعض ساسة ومفكري الغرب عادوا لتذكير شعوبهم بصدام الإسلام مع الرومان منذ غزوات تبوك واليرموك، وفتوحات العرب في صقلية والأندلس وجنوب فرنسا قبل أن تبدأ حضارة العصور الوسطى في أوروبا. ونادى هؤلاء الكتاب بالثأر لهزائم الحروب الصليبية، ولسقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين، ولوضع حد للتنافس السياسي بين الغرب والمسلمين الذي اصطبغ بالأمس وسيتصف في الغد بالصفة الإيديولوجية والصراع الاقتصادي. وهكذا تصاعدت الدعوة لفرض الهيمنة الثقافية والاقتصادية الغربية على العالم، وتزامنت هذه الدعوة مع الحديث عن أن مصدر العداء لحلف شمال الأطلسي هو الإسلام بدءا من عام 1992. وبدأ بول وولفو فيتز نائب وزير الدفاع الأمريكي منذ ذلك العام يدعو إلى «الاستراتيجية التامة» للسيطرة على مناطق المصالح الحيوية الأمريكية في دول العالم الثالث. ويدعو بول وولفو فيتز صراحة إلى ضرب القوى الإيديولوجية الصاعدة في العالم إذا كانت مناوئة للولايات المتحدة في فترة التحول الحالية إلى نظام دولي جديد، وبخاصة الصحوة الإسلامية ونهضة الثقافة الكونفوشوسية.وقد أكد المسلمون دائما دعوتهم إلى حوار الحضارات ، وبخاصة بعد أن اختلقت صراعات الحاضر عن الماضي، وتطورت إنجازات الثورة العلمية التكنولوجية الثالثة، وتعددت التهديدات المشتركة التي تواجه المجتمع الدولي من بطالة ومخدرات، وإرهاب وجريمة منظمة، وايدز، وانتشار أسلحة الدمار الشامل. وكانت بعض مواقفنا العربية مجرد ردود فعل مباشرة وغير مؤثرة لآراء المفكر الأمريكي الشهير صمويل هنتينجتون عن صدام الحضارات وإعادة صياغة النظام العالمي. إن هنتينجتون يؤكد أن المصدر الرئيسي للصراعات في العالم كان ولا يزال الإيديولوجيا أو الاقتصاد، وأن تحولات النظام الدولي ترتبط بنتائج صراعات الحضارات، وأنه لم يعد كافيا تقسيم العالم إلى عالم أول وثان وثالث، وطالب بنهاية الفكرة السياسية للعالم الثالث التي سادت في عهد القطبية الثنائية!! واعتبر هنتينجتون أن أهم الحضارات البشرية ثماني هي الغربية، والسلافية الأرثوذكسية، والكونفوشوسية، واليابانية، والإسلامية، والهندوسية، والأمريكية اللاتينية، والإفريقية. ويتصور هنتينجتون أن الحضارة الغربية بشقيها الأوروبي والأمريكي قد أفادت من الحضارات الصينية والهندية والإسلامية، وتجاوزتها، وآن لها أن تقود العالم في نظامه الدولي الجديد، كما أن الولايات المتحدة يجب أن تحتفظ بمكانة القوة العظمى الوحيدة في العالم، وأن تفرض المفاهيم والمقاييس الأمريكية المتصلة بحقوق الإنسان والديمقراطية والحريات الدينية والاقتصاد الحر والعولمة الأمنية العسكرية ما استطاعت على دول العالم، واعتبر أن الرؤية الأمريكية للصراعات الإقليمية والدولية هي الأفضل والأصوب اليوم وغدا!! وتلك هيمنة أمريكية مرفوضة من جانب الشعوب الحرة، ونظم الحكم التي تستند إلى تأييد غالبية الشعب كالصين والهند مثلا. وأكد هنتينجتون أن تحريك الصراع وإدارة الأزمات في المرحلة المعاصرة الحالية للتحول إلى نظام دولي جديد سيكون من خلال الثقافة والإعلام والتأثير الفكري والعقلي على صناع القرار والرأي العام في آن واحد في شتى الدول الحليفة أو المعادية وبخاصة في العالم النامي، كما تنبأ - منذ عام 1993 - بصدام متوقع في بدايات القرن الحادي والعشرين الميلادي بين دول الصحوة الإسلامية والصين الكونفوشوسية من جانب، والغرب بقيادة الولايات المتحدة من جانب آخر. ووجهة النظر هذه تفسر إصرار الأمريكان على التدخل العسكري في أفغانستان منذ يوليو 2001، وقبل تفجيرات الثلاثاء الدامي 11 سبتمبر بشهرين كاملين، بهدف وقف جهود التحالف التي تحركها الصين مع باكستان ذات القدرة النووية الفعلية وإيران ذات الطاقة النووية الكامنة، ولمنع قيام نظام إسلامي يحكم سيطرته على أفغانستان بكاملها أو يمتد إلى دول آسيا الوسطى الإسلامية، ولإيجاد نظام موال للغرب في كابول يهدد إيران والعراق معا وهما دولتان مارقتان ومشاغبتان في التصنيف الأمريكي للعدائيات المحتملة ضد الغرب، ولا ننسى هنا توقعات هنتينجتون بأن يستمر ويشتعل الصراع الشامل بين العرب واليهود، حتى لو أمكن تطويقه بتسويات سياسية مرحلية أو انتقالية في المدى القريب، وبخاصة في ضوء سعي دول عربية معينة، في مقدمتها مصر والسعودية إلى مشروع نهضة عربية جديدة تعتمد على التراث الحضاري العربي والإسلامي، وعلى استيعاب بعض جوانب الحضارة الغربية لصالحها مثلما فعلت اليابان التي استعادت مكانة القوة الكبرى عالميا. ويرفض المسلمون على استحياء آراء من يرون أن حرب الحضارات هي جوهر النظام الدولي الجديد وإدعاء حتمية الصراع بين الإسلام والغرب بوجه خاص، وكذا أراجيف العلاقة المباشرة بين الإرهاب والدين الإسلامي الحنيف. إن كلمة الإسلام قد اشتقت من السلام، والجهاد في ديننا يعني طاعة أوامر الله على المستويات الشخصية والاجتماعية والسياسية، والإرهاب في عرفنا ردع نفسي ومعنوي لا يشمل ممارسة العنف أو القتل والتدمير، وتهديد حياة الأبرياء. ويرفض الإسلام مواجهة عنف الأفراد أو الجماعات ببطش الدولة وبقمع جموع الأبرياء كما تفعل إسرائيل في فلسطين أو الولايات المتحدة في أفغانستان. مستقبل العالم الإسلامي في المعادلة الدولية لاتزال دول العالم الإسلامي ضمن دول العالم الثالث بغير استفتاء ، وهي تعاني جميعا من درجات متفاوتة من التبعية السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية للدول العظمى والكبرى ، ولايملك بعضها استقلالية القرار السياسي ، حتى أن باكستان التي امتلكت القدرة النووية خضعت لكافة المطالب الأمريكية بشأن إدارة العملية الأمريكية في أفغانستان ، وعرضت منشآتها النووية لمخاطر جسيمة إذا اهتز الاستقرار الداخلي في باكستان ذاتها ، وهناك دول في العالم الإسلامي قد فقدت كيان الدولة كأفغانستان ، والصومال أو تمزقها الحروب الأهلية والتوجهات العرقية التي تستغلها القوى الأجنبية مثل السودان والعراق ولن يتغير وضع الدول الإسلامية في معادلات التوازن الدولي ما لم تحقق تقدما حقيقيا في مجالات القوة العسكرية والاقتصادية والقدرة التكنولوجية ، وتبني علاقات تحالف وتعاون استراتيجي حقيقية فيما بينها بإحياء دور المنظمات الإقليمية كجامعة الدول العربية ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، ومجموعة الدول الثماني الإسلامية في مجال الأمن الجماعي بشقيه الاقتصادي والدفاعي. ولابد أن تعيد الدول المحورية في العالم الإسلامي النظر في علاقات التحالف التي تربطها بالغرب ، وأن تبدأ تعاونا وثيقا مع القوى الكبرى الصاعدة كالصين وروسيا ، وأن تدعم علاقات نقل التكنولوجيا من أوروبا وتوطينها في الدول الإسلامية الرئيسية فلا شك أن تخلف العالم الإسلامي عن مواكبة الثورة العلمية التكنولوجية الثالثة يضرب أمن دوله في مقتل ، ويهدد كيانات دوله اقتصاديا وأمنيا. وفي الجانبين السياسي والدبلوماسي لابد من دعم كيان الأمم المتحدة ، ورفض تهميش دورها سواء في مكافحة الإرهاب الدولي أو حل النزاعات الإقليمية أو مقاومة الفقر ومصاعب التنمية المتواصلة. وينبغي كذلك أن يتمسك المسلمون بحوار الحضارات ، وأن يملكوا المبادأة في هذا المجال في مواجهة الصهيونية التي تربط إسرائيل بالغرب ، وتستعديه ضد الحضارة الإسلامية إن الحرب في أفغانستان ، ومخاطر توسيع نطاقها تتطلب حركة سياسية أفضل على مستوى العالم الإسلامي الذي يواجه بمحنة تسلط وهيمنة جديدة تعيد إلى الأذهان تاريخ الاستعمار الأوروبي لرجوع بلاد المسلمين في القرن 19 الميلادي. بقلم: اللواء أ. ح/ صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط