سيختلف الناس حول مفهوم مستقبل العالم الاسلامي في ظل المتغيرات الدولية، وما يعرضه هذا المقال قد يختلف عليه وربما يثير جدلا، فما يراه البعض ايجابا قد يراه الآخرون سلبا.. والعكس كذلك. وكلا المفهومين. أي مفهوم «مستقبل العالم الاسلامي» ومفهوم «المتغيرات الدولية» مرتبطان بمفهوم ثالث استجد في الاعوام الاخيرة هو مفهوم «العولمة». ومفهوم العولمة جزء من المتغيرات الدولية الحالية لكن اذا وسع قليلا ربما اصبح مرادفا لمفهوم «المتغيرات الدولية» وتبعا لذلك يمكن ان نقرأ عنوان المقال بصيغة أخرى هي «مستقبل العالم الاسلامي في ظل العولمة». والواقع ان مستقبل العالم الاسلامي مرتبط بالعولمة، ولا يستثنى من ذلك احد من العالم الاسلامي من يريد الدخول في حلقات العولمة او من يرفض ، فهي اصبحت كالاخطبوط يصعب ان ينجو منه احد. العولمة في تعريفاتها الاولية هي محاولة توحيد النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها في العالم على اشكال متقاربة، او توحيدها في شكل واحد لتيسير التواصل بينها، وقد اكتسبت العولمة اسمها عندما حاولت ان تصيغ النظرية في قالب واحد. لكن العولمة عبر التاريخ كانت تطبق بشكل محدود، وكانت تعني دائما سيادة افق واحد على الآفاق الاخرى، كما يحدث عندما تنتصر امبراطورية على امبراطورية وتسيطر عليها فيبسط المنتصرون ثقافتهم وفكرهم وربما ديانتهم على المهزومين، وكلما كانت رقعة المنتصر كبيرة كلما اتسع تأثيرها لتخرج من الشكل المحلي وتقترب من الشكل العالمي. حدث هذا في انتصارات الرومان والاغريق والفرس القدماء على العوالم من حولهم والتي تمكنوا بموجبها من فرض ثقافة المنتصرين على المهزومين، وجاء الاسلام واستطاع ان يبسط ثقافته القائمة على تعاليم الدين الاسلامي على اجزاء كبيرة من آسيا وأوروبا وأفريقيا، فأوجد نوعا من العولمة المحدودة وفرضت المسيحية نوعاً من العولمة الثقافية والسلوكية على أجزاء من العالم، ثم جاءت الحضارة الغربية الحديثة وفرضت ثقافاتها ولغاتها ومن خلالها فرضت انماطا من الثقافة والسلوك على نطاق واسع من العالم. اذن لم تنبت العولمة من فراغ فقط الفرق أن العولمة التاريخية تمت بطريقة أقرب الى الآحادية، ثقافة واحدة تهيمن وتمدد حدودها السياسية والحضارية والسلوكية، ولا يرى غالبية السكان مفراً من تقليد الغزاة في انماط حياتهم وسلوكهم. لكن العولمة الحديثة تمت بشكل مخطط اي بشكل مصطنع، بمعنى ان يد الانسان فصلت حدود التقليد والاتباع، وحددت جوائز لمن يطبع وعقابا لمن يخاف، كما في اتفاقيات التجارة الدولية مثلا. فالذي حدث ان طغيان الحضارة الغربية ارتبط بنمو مصالح اقتصادية جعلت الكثيرين من المفكرين ينظر الى العولمة على أنها شكل من اشكال الاستعمار، ولهذا السبب ولأسباب اخرى تثير العولمة حساسية جهات كثيرة. فعلى سبيل المثال قد ترفضها النظم الملكية والحكومات العسكرية والحكومات ذات التوجه الشمولي لانهم يرون ان الديمقراطية والتعددية يسيران في ركاب العولمة، أو هما من افرازاتها الاساسية. وقد يرفضها رجال الدعوة والتقليديون وأهل الاسلام السياسي لانهم يقدرون ان قيما اجتماعية جديدة ستأتي مع العولمة، وهي القيم التي تشكل قناعات راسخة في حياة المجتمعات الغربية، وهي قيم متقدمة قد تشكل تحديا حضاريا للقيم الاسلامية. والعالم الآخر كله ـ اي العالم غير الغربي ـ سيجد نفسه في خضم صراع طويل مع العولمة، حتى الذين يؤيدونها سيؤيدونها بدرجات فمثلا من يؤيدون قضايا تحرير المرأة في العالم الاسلامي قد يتخوفون بدرجة اقل من الذين لا يسمحون للمرأة ان تقود سيارة، والمتحررون اجتماعيا وسياسيا قد يتقبلون العولمة بدرجات متفاوتة تتناسب طردا مع درجات تحررهم. ـــ من هنا نأتي الى السؤال المهم: اين موضع العالم الاسلامي من المتغيرات الجارية الآن والتي تستخدم سلاح العولمة بالدرجة الاولى؟ من الذي نراه امامنا على مسرح الحياة ان العالم الاسلامي انقسم في حكمه على المتغيرات الجارية الآن، وسيشهد مزيدا من الانقسام، وستختلف اسباب تحديد المواقف، وما دامت العولمة تدخل في صلب هذه المتغيرات، اذن من يؤيدون العولمة والتغيير الذي ستحدثه، يكون تأييدهم مسببا: ـ ستجلب العولمة معها الديمقراطية وقيم الغرب الجديدة: التعددية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، النظر بموضوعية للرأي الآخر واحترامه، احلال الصراع السياسي محل الصراع العشائري والجهوي والاثني والطبقي والايديولوجي السائد في العالم الاسلامي التبادل السلمي للسلطة.. الخ. ـ وستعالج العولمة الكساح الاقتصادي الذي صاحب التقزيم الاشتراكي لحرية العمل الاقتصادي والتقزيم الذي ساد العالم الاسلامي في العقود الثلاثة الماضية. وستوسع العولمة هامش الحرية في المجتمع فمناهج التعليم في العالم الاسلامي مستمدة في غالبيتها العظمى من المناهج الغربية، وحرية الاعتقاد والبحث والتنظيم، والحريات الشخصية مفتوحة في تلك المناهج الى حدودها القصوى، وينتظر ان يصاحب التغيير القائم على بسط مفاهيم العولمة في مجتمعات العالم الاسلامي الى الضغط لتوسيع مواعين الحريات الاساسية، وينتظر ان يؤتي الضغط ثماره لانه سيكون ضغطا منظما ومسنودا من منظمات غربية كثيرة تحبذ تحليل المجتمعات الشرقية من التزاماتها القديمة. لكن في المقابل سيعارضها الآخرون لاسباب: ـ منها على نطاق العالم، والعالم الاسلامي بصفة خاصة سيوسع التغيير المسنود بالعولمة الفجوة بين الاغنياء في الشمال والفقراء في الجنوب، وسيزيد من انسحاق الفقراء امام الاغنياء، وسيجعل من العالم الثالث عالة على العالم الاول، او على احسن الفروض جماعة من الاجراء عند العالم الاول. ـ ومنها، على نطاق الدولة ستتسع قاعدة الفقر على المدى القريب، وستحتاج القاعدة الشعبية الى فترة زمنية للتأقلم مع الانقلاب العالمي الجديد، ولا احد يدري بعد كم من الزمن سيأتي هذا المدى البعيد وما هو حجم الكوارث التي ستترتب عليه. ـ ومنها، على نطاق المجتمع ستغير العولمة من طبيعة الحياة الاجتماعية، وتعرض الموروث للخطر، وسيصبح الحلال والحرام التقليديين موضع تساؤل، وستأتي موازين جديدة للعيب وللأخلاقي واللاأخلاقي. ـــ بالنسبة للعالم الاسلامي هناك عامل آخر ربما لا يهتم برصده احد في هذا السياق، وهو ان جزءاً كبيراً من المتعلمين المسلمين تفاعلوا مع الحضارة الغربية دون ان يفقدوا الثبات على هويتهم الاسلامية، وتقبلوا التطور العلمي الذي صاحب نمو الحضارة الغربية، وهم الآن يحاولون اللحاق بالركب والمشاركة في صنع حضارة العالم. والجاليات المسلمة في اوروبا والولايات المتحدة وأجزاء اخرى من العالم تثبت الايام انها تعيد بسرعة ترتيب حياة مجتمعاتها الداخلية، ويبتكرون وسائل الصمود امام تيار الحياة الاجتماعية الغربية، وكثير من الشواهد تشير الى ان حال المسلمين في المجتمعات الغربية افضل بكثير الآن مما كان عليه قبل عدة سنوات، بل وبدأ تفاعلهم السياسي في بيئاتهم الجديدة يثمر اندماجا وتأثيرا فيمن حولهم. ـــ التغيير الذي تحدثه العولمة في العالم الاسلامي اليوم ليس أول تغيير على النمط الغربي يواجهه العالم الاسلامي، ويرى كثير من المسلمين ان العالم الاسلامي في مجمله يستجيب لايجابيات العولمة كما استجاب من قبل لايجابيات الحضارة الغربية في بدء احتكاكه بها، فلبس البنطلون والساعة و«البرنيطة» واستعمل السيارة والهاتف ونشر الصحيفة والكتاب بنفس الوسائل الغربية، واستخدم المسجل والراديو والتلفاز والطبق والانترنت وجزءاً كبيراً من هذه الآليات عبارة عن أوعية يفرغها من محتواها القديم ويملؤها بمحتوى جديد. لكن في المقابل سيبقى على جانبي التيار العريض هوامش يمكن ان نسميها هوامش التطرف:هامش يرفض هذه المتغيرات وعلى رأسها العولمة جملة وتفصيلا، وهامش ينغمس فيها بلا تمييز.. وهذه سنة الحياة. بقلم: احمد محمد شاموق ـ كاتب سوداني