تقول الأرقام والاحصائيات أن هناك أكثر من تريليون دولار فوائض عربية وإسلامية في البنوك الأمريكية والأوروبية يتم استثمارها لخدمة اقتصادات هذه الدول كما تقول ان العالم الإسلامي يمتلك كل المقومات التي تكفل نجاح التكامل الاقتصادي بين أعضائه، ففيه تتوافر الموارد الطبيعية، وعدد سكانه يقتربون من ربع عدد سكان العالم، ومساحته تقترب من هذه النسبة. ويمتلك نحو 73% من الاحتياطي العالمي للبترول الخام وتنتج 35% منه، كما لديها 39% من الاحتياطي العالمي للغاز وتسيطر على 90% من الصادرات السلعية في شكل مادة خام، هذا في الوقت الذي لا تزيد فيه حصة الدول الإسلامية في التجارة العالمية عن 12% للصادرات و11% للواردات، أيضا عدد البنوك بالعالم الإسلامي التي صنفت ضمن أكبر ألف بنك بلغ نحو مائة بنك ومؤسسة مالية تعمل في العديد من الأنشطة والخدمات المصرفية والمالية والغريب أنه ورغم كل هذه الإمكانات والمقومات التي تكفل نجاح التكامل الإقتصادي بين دول العالم الإسلامي، فإنه لم يكتب لهذا التكامل الوجود حتى الآن، وحتى تجربة مجموعة الثماني الإسلامية التي تضم عدداً من الدول الإسلامية الكبرى لم تحقق حتى الآن نجاحا يذكر، رغم اجتماعها أكثر من مرة، وهو ما يطرح بعض التساؤلات حول أبرز المشاكل والأزمات التي تواجهها الدول الإسلامية، وحجم المصالح المشتركة والعلاقات الاقتصادية التبادلية بين هذه الدول، وتأثير الأزمات الاقتصادية العالمية على العالم الإسلامي، والظروف التي تهيئ التكتل والعمل المشترك. «الملف» التقى الخبير الاقتصادي د. سمير رضوان، وأحمد السيد النجار الخبير الاقتصادي بمركز الأهرام للدراسات ورئيس تحرير التقرير الاقتصادي العربي لإلقاء الضوء على هذه التساؤلات. تنوع في الهياكل بداية يرى أحمد السيد النجار الخبير الاقتصادي ورئيس تحرير التقرير الاقتصادي العربي أن إمكانيات ومقومات وجود تكتل اقتصادي إسلامي فاعل موجودة بالفعل فالدول الإسلامية تتميز بوجود تنوع في قاعدة الموارد الطبيعية وتنوع وتكامل في الهياكل الإنتاجية في العديد منها، بمعنى أن هناك بلدانا أكثر تطورا مثل ماليزيا وتركيا وبلدان في وسط القائمة كل مصر وباكستان وإيران والسعودية، والجزائر وأندونيسيا وهناك بلدان أكثر فقرا مثل السودان ونيجيريا، كما توجد بلدانا إسلامية مستوردة بكثرة للطاقة مثل تركيا والمغرب وباكستان وبنجلادش، في حين توجد دول إسلامية تعد من أكبر الدول المصدرة للنفط والغاز مثل السعودية وبقية الدول الخليجية وليبيا والجزائر. هذا من ناحية الهياكل الإنتاجية أما بالنسبة للهياكل الصناعية يضيف أحمد السيد النجار، هناك بلدان إسلامية مصنعة لسلع صناعية كبيرة مثل السيارات وهي ماليزيا وتركيا، كما يوجد تكامل في السلع الصناعية بين الدول الإسلامية فمثلا سوريا تصنع المنسوجات والغزل والملابس الجاهزة، ومصر تصنع الأحذية والمنسوجات والملابس وبعض السوفت وير وصناعات أخرى غذائية، كما أن 70% من صادرات دولة مثل أندونيسيا سلع صناعية. أما بالنسبة للقطاع المالي في الدول الإسلامية فالملاحظ أن هناك دولا إسلامية تقوم فعلا بدور المركز المالي مثل البحرين وماليزيا والإمارات ممثلة في إمارة دبي، كما توجد دول مؤهله للقيام بمثل هذا الدور مثل لبنان ومصر، وهذا القطاع حيوي ويستطيع القيام بدور فاعل في خدمة التعاون والتكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية وذلك بتجميع المدخرات والاستثمارات وإعادة تدويرها لتنمية اقتصاديات الدول الإسلامية. ويرى أحمد السيد النجار أن هناك فرصة ذهبية أوجدتها أحداث 11 سبتمبر الماضي التي وقعت في الولايات المتحدة فيما يتعلق بإمكانية جذب الأموال العربية والإسلامية المهاجرة فهناك الآن موجة من الأحقاد والعنصرية تجاه هذه الأموال وأصحابها في الغرب بعد الأحداث ومن هنا يمكن سحبها إلى الداخل واستثمارها في الدول الإسلامية وهو ما سيساعد على تنمية اقتصاديات هذه الدول وخاصة إذا عرفنا أن الأموال العربية فقط الموجودة في الخارج تقدر بنحو تريليون دولار وهو رقم ليس بسيطا ومن الممكن أن يساهم في إحداث نهضة تنموية شاملة في كل الدول الإسلامية إذا تم إعادة تدويره فيها بدلا من تركه في البنوك والمصارف الأجنبية. الإرادات السياسية وفيما يتعلق بالأسباب التي تعوق وجود تنسيق وتعاون اقتصادي بين الدول الإسلامية يقول النجار: لاشك أن الإرادة السياسية الحقيقية هي التي يمكن أن تحقق مثل هذا التعاون والتكامل، وغياب هذه الإرادة هو الذي يعوق قيام هذا التكتل الاقتصادي حتى الآن، فالإرادة السياسية مطلوبة لتجاوز الاختلافات الموجودة بين غالبية النظم السياسية والاقتصادية في دول العالم الإسلامي، ولذلك فالمطلوب الآن وأكثر أي وقت مضى أن يكون هناك تحاور حول الإختلافات السياسية بين الدول الإسلامية ووضعها جانبا وتغليب التعاون الإقتصادي باعتباره يحقق مصلحة كبيرة للعالم الإسلامي كله، كما لابد من وجود قناعه لدى الدول الإسلامية بأن التعاون الاقتصادي فيما بينها سيساعدها على تحسين تعاملها الاقتصادي مع العالم الخارجي ولن يعوقها أو يعرقل هذا التعاون، وبالتالي تكون هذه الدول حريصة على وجود التعاون فيما بينها خاصة من الناحية الاقتصادية. ويعود النجار فيؤكد أن المشكلة الاساسية تكمن في الدول الإسلامية التي تفتقر إلى الإرادة السياسية القوية والتي تبحث عن مصالح شعوب هذه الدول، فإذا وجدت هذه الإرادة فمن الممكن أن نرى على المدى البعيد تكاملا اقتصاديا قويا ينافس التكتلات القوية الأخرى الموجودة على الساحة العالمية. ويرى أنه لا داعي لالقاء اللوم على الآخرين وعلى الجهات الأجنبية على أنها هي التي تعرقل هذا التعاون، لأنه لو خلصت النوايا فيما بين الدول الإسلامية لن يستطيع أي طرف خارجي أن يعرقل التعاون حتى ولو حاول وبذل مجهودا في هذا الإتجاه ويجب ألا ننسى في هذا الصدد مجموعة الثماني الإسلامية والتي تضم مجموعة من الدول الإسلامية القوية ولكنها لم تحقق النتائج والتعاون الملموس حتى الآن وهذا كله لأن الإرادات السياسية لم تسع لذلك حتى الآن رغم الاجتماعات واللقاءات المتعددة التي تمت بين دول المجموعة. عجز كبير أما الخبير الاقتصادي د. سمير رضوان فقد أظهر تشاؤما كبيرا فيما يتعلق بمستقبل العالم الإسلامي اقتصاديا وسياسيا فهو يرى أن هناك عجزا كبيرا واضحا الآن من جانب العالم الإسلامي على فعل أي شيء إيجابي في اتجاه تحقيق التكامل الإقتصادي فيما بين دوله المختلفة، وخاصة في ضوء الأوضاع والمتغيرات الدولية الحالية وفي ظل السيادة الأمريكية على العالم والتي ترى أن من لم يكن معي فهو ضدي وما الحرب التي تقودها الآن ضد ما يسمى الإرهاب إلا خير دليل على ذلك، وعندنا أيضا تهديدها لغالبية الدول الإسلامية بأوراق متعددة وخاصة أنها تمتلك العديد منها ونستطيع أن ندرك ذلك من قيامها بإدراج دولة مثل مصر ضمن الدول التي تغسل أموالا رغم كل ما يسبب ذلك من أضرار للاقتصاد المصري ومطالبتها الحكومة المصرية بإصدار قانون لمنع غسيل الأموال، في حين تترك إسرائيل تفعل ذلك دون أن تحرك ساكنا وتغمض الأعين عنها. مساهمات ضئيلة ويضيف د. سمير رضوان:كل الدول الإسلامية تدرك أهمية وجود التكتل الاقتصادي بين دول العالم الإسلامي ومع ذلك فلا أحد يسعى لتحقيق ذلك ومن ينظر إلى حجم المساهمات بين الدول الإسلامية وبعضها البعض سيرى العجب لضآلة هذه المساهمات، فكل من الدول الإسلامية يعمل لمصلحته ولحسابه ودون أن يضع في اعتباره مصالح الآخرين، هناك نزوع لدى هذه الدول عن التعاون الاقتصادي فيما بينها وتفضيل للتعامل مع الأطراف الخارجية، لقد وصل الأمر إلى استيراد الدول الإسلامية لسجاجيد الصلاة والسبح والفوانيس وغيرها من الصين وتايوان ودول أخرى، رغم أن ذلك كان من الواجب أن يتم مع دول إسلامية. ويشير د. سمير رضوان إلى وجود فوائض ضخمة من الأموال العربية والإسلامية الناتجة عن عمليات تصدير البترول يتم تدويرها في الدول الغربية، وهذه الدول تعيد إقراض هذه الأموال لنفس الدول مرة أخرى، وقد كان من الأولى والأجدر أن تصل هذه الأموال إلى الدول الإسلامية لتستفيد بها وخاصة أن وجود كل هذه الأموال في الخارج يترتب عليه خطورة كبيرة تمثل في إمكانية قيام الدول الغربية وفي حالة حدوث مشكلة ما بتجميد هذه الأموال كما حدث مع العراق وإيران وليبيا وغيرهم من الدول، والغريب ورغم هذه النماذج الواضحة للعيان التي توضح مخاطر وجود الأموال العربية والإسلامية لدى الدول الغربية فمازال هناك إصرار على ذلك من جانب غالبية الدول العربية والإسلامية. القاهرة ـ مكتب «البيان»: