احتاج الأمر إلى شهر كامل حتى تستطيع الدول الإسلامية أن تعقد اجتماعا لمناقشة أحداث 11 سبتمبر. وعندما التقى الوزراء في الدوحة كانت الحملة الأمريكية على أفغانستان قد بدأت، ورغم بعض الخلافات في المواقف داخل كواليس الاجتماع، فقد حصلت واشنطن على ما تريد، بتأييد الدول الإسلامية للضربة ضد أفغانستان! وإذا كانت الأزمة الحالية قد كشفت الضعف الشديد للتجمع السياسي الإسلامي من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي، فالأمر ليس جديدا، وما يفرق بين الدول الإسلامية أكثر مما يجمعها في الميادين السياسية. وما تعانيه هذه الدول من مشاكل داخلية وحروب أهلية يعطل أي حركة نحو تضامن حقيقي بينها. لقد ورثت معظم هذه الدول عن فترة الاستعمار الغربي مشاكل لا حصر لها، وعندما بدأت -بعد الاستقلال - معركتها من أجل التنمية وقهر التخلف وتعويض سنوات القهر والاحتلال، حاصرتها المشاكل وتحالفت عليها أخطاء التجربة في الداخل مع مؤامرات خارجية تستهدف إبقاءها في دائرة الفقر وإستمرار استنزاف الدول الصناعية الكبرى لثرواتها. والمثير هنا أن أمريكا ودول الغرب كانت تقاتل ضد أي تجمع عربي أو إسلامي حقيقي، وفي نفس الوقت كانت تستخدم الإسلام لضرب مشروع النهضة العربية الذي بزغ في الخمسينيات والستينيات. وفي هذه المرحلة رأينا حلفا عسكريا إسلاميا في الشرق الأوسط تحت رعاية أمريكا، ورأينا حركات ترفع راية الإسلام وتحظى بالدعم الأمريكي لمجرد أنها ستكون خصما لحركة القومية العربية ، وتضاعفت الحركة في هذا الإتجاه بعد رحيل عبد الناصر على يد السادات، وبعدها عرفنا أن الجهاد ليس لتحرير الأرض العربية ولا لبناء النهضة المطلوبة ولا لاسترداد القدس ، بل في أفغانستان ثم ضد الدول العربية الكافرة، وبقية القصة معروفة حتى إنقلاب السحر على الساحر، الأمريكي! الآن ، والحرب ضد الإسلام على أشدها ، ينبغي أن يكون موقفنا حاسما، فالإسلام ليس دين المتخلفين ولا الإرهابيين كما يزعمون، بل هو دين السماحة وعقيدة التقدم الإنساني أما التخلف الذي يعانيه العالم الإسلامي فبفضل الاستعمار القديم والحديث ، وأما الإرهاب فقد زرعته أمريكا لتضرب النهضة العربية التي لابد من إحياء مشروعها مرة أخرى ليكون هو الهدف الأساسي للأمة العربية التي تملك كل مقومات التقدم ، والتي تقف اليوم أمام خيار مصيري: إما أن تكون في قلب الحضارة الإنسانية ومن صانعيها، وإما أن تنزوي على هامش التاريخ. النهضة العربية أولا، وهي لن تكون إلا بإرادة مستقلة ورؤية شاملة تدرك أن وحدة العرب هي سبيل نجاتهم، وبعدها فقط تنفتح أبواب التقدم للعالم الإسلامي كما حدث في منتصف القرن الماضي حين كانت حركة التحرر العربي هي باب الحرية الذي انفتح أمام العالم الإسلامي، وأمام كل المستضعفين في الأرض. جلال عارف