يشغل مستقبل العالم الاسلامي حيزا كبيرا في بؤرة اهتمامات المفكر والباحث والداعية، كما ان دواعي القلق والمخاوف على امة الاسلام تتزايد يوما بعد يوم، ويشترك كل صادق امين غيور على مصالحها، بجانب اهل الحل والعقد في هدف واحد، بحثا عن وسائل عصرية تنقذه من طوق الضغوط التي تمارس عليه من جهات خارجية، وتأخذ بيد أبنائه في الداخل للعمل على دفعه نحو التقدم، والرقي بشعوبه لتحقيق مكانة تليق به. فاضافة للنزاعات التي تنخر في قوى الدول الاسلامية، يواجه الاسلام دينا ودولة عداء العصر بجذور تاريخية قديمة، وعلى الرغم من ان عدد شعوب العالم الاسلامي تناهز ربع سكان المعمورة، وامتلاكها لاراض زراعية خصبة، وطاقات بشرية لاتقل علما وقدرات عما يطلق عليه «بالعالم المتقدم»، وثروات طبيعية اشهرها النفط الخام والغاز الطبيعي، الذي يشكل عصب وشريان الطاقة للتصنيع والانتاج، الا ان واقع حياة الامة الاسلامية بمحاورها الثلاثة، يؤكد وجود ازمات سياسية، وتردي الاوضاع الاقتصادية، تجعل الحياة الاجتماعية لاترقى للمستوى المنشود، لامة عريقة افرزت علماء وعلوم، دفعت بالغرب للتقدم والرخاء، بينما ابناء الامة الاسلامية في معاناة من اجل المحافظة على الذات والوجود، بسبب هذه المشاكل. حول واقع ومستقبل العالم الاسلامي التقى «الملف السياسي» في العاصمة السياسية لهولندا ـ لاهاي ـ بالهولندي المسلم عبد الواحد فان بومل داعية وباحث بالمركز الاسلامي للاعلام في هولندا، والمتحدث الرسمي باسمه، في حوار صريح وكان من الطبيعي ـ لكونه اوروبي الاصل اعتنق الاسلام، ان نبادره بالسؤال الاول عن مدى تواؤم مشاكل مسلمي اوروبا مع نظرائهم في اسيا وافريقيا وامريكا؟ فقال: ـ مسلمو اوروبا في الوقت الحالي هم من الاوروبيين الاصليين، ابناء المنطقة ويضاف اليهم من اعتنق الدين الاسلامي بعد الحرب العالمية الثانية، اي نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، وهي تلك الحقبة الزمنية تقريبا التي شهدت هجرة العمالة من الدول الاسلامية للعمل في القارة الاوروبية بمختلف دولها، وانظمتها السياسية المتنوعة، التي تصبغ المسلمين في اوروبا بانواع من المشاكل ذات خصوصية، تتباين وتتجانس حسب ظروف وقوانين كل بلد على حده، فان تشابهت وتجانست لا تتشابه في المضمون الكلي، وحينما تتباين نجدها ايضا لا تختلف في الاسس، وانما في تطبيق نظام حياتي اجتماعي ذي سمة اقتصادية كانت او سياسية. فمسلمو هولندا على سبيل المثال، باعتبار انهم مسلمو اوروبا، لكون هولندا دولة اوروبية، نجد ان نسبتهم العظمى من غير الهولنديين الاصل، فهم من المغرب، تركيا، واعداد قليلة من تونس، مصر، العراق، سوريا، ومن اندونيسيا، وجزر البحر الكاريبي، المستعمرات الهولندية القديمة، وغيرهم من اماكن اخرى متفرقة، فهؤلاء اخطر مشاكلهم هي الانقسام، حيث تتمسك كل جالية بعاداتها القطرية وسلوكياتها في بلادها، فنجد مساجد ومؤسسات للمغاربة، ونظيرة لها لكل جالية، وما قصدته بالانقسام ان الاسلام لايعرف مسجدا للصلاة والعبادة، وتعلم اصول الدين يتبع لجنسية بعينها، اذن فعدم وحدة مسلمي هولندا، واتفاقهم في الرأي، هما امران في الحقيقة يشكلان حجر الزاوية واخطر المشاكل داخل المجتمع الاسلامي، والمشكلة الثانية هي في علاقة المسلمين بالدولة وقوانينها واعرافها، وهي بالنسبة للمشكلة الاولى تعتبر ضئيلة الحجم، لان معظم انواع التصادم مع اجهزة الدولة هي نتاج فرقة المسلمين في البلد الواحد. اما عن علاقة مسلمي هولندا بغير المسلمين فهي تتأثر في معظم الاحوال بجودة، او سوء علاقة هولندا السياسية والاقتصادية والثقافية بدول العالم الاسلامي مجتمعة او فرادى، وغالبا ما تكون مسألة وقتية مرتبطة بحدث ما، فالوضع الحالي في هذه العلاقة مثلا نجده متأثرا بحرب امريكا ومعها قوات التحالف الغربية ضد دولة اسلامية هي افغانستان، ولو نظرنا بموضوعية لاسباب سوء او توتر هذه العلاقة، اذا صح التعبير نجد ان الطرف الهولندي «اي المجتمع»: ـ يستقي معظم معلوماته من وسائل الاعلام الهولندية التي تؤيد الحرب ضد الارهاب، في وقت يحدث فيه خلط خطير للاوراق لا يستطيع معها المواطن العادي، اي رجل الشارع، التفريق بين شخص مسلم ارتكب جرما ما، او جماعة تنتمي للاسلام، ليضع الكل في سلة واحدة وقد يتهم الاسلام كله والمسلمين مثلا بالارهاب. ـ لا ننكر وجود جماعات او منظمات اخرى قد تكون صاحبة مصلحة في استعداء غير المسلمين في هولندا على المسلمين، وأليس من المستبعد استعداء السلطات ايضا. ـ كما اننا على يقين من وجود عنصرية وتمييز نسبي في شرائح المجتمع. اما الطرف الاخر في القضية وهم المسلمون: ـ اضافة لعدم وحدتهم، نجد ان الجاليات الاسلامية تفتقر لوجود شخصيات تتمتع بقدرات في درء الظلم عن المسلمين وسمعتهم، وتستطيع مخاطبة المجتمع الهولندي بلغة عقلانية مقنعة ومفهومة، لتوضيح الصورة الحقيقية للاسلام والمسلمين. ـ لا يقبل المسلم بالقدر الكافي المطلوب على الانخراط في الاوساط السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها تلك التي تسير مجريات الامور وتؤثر فيها بهولندا، وهذا الغياب هو قصور واضح، الوجه الآخر له انه يمنح الفرصة للاطراف التي ترغب في النيل من المسلمين لتحقيق مآربها، وتظهر فعاليتها في المجتمع الهولندي. هذه هي صورة لواقع المسلمين في هولندا، فبهذه الوضعية هل ننتظر منهم تمثيلا فعالا؟ وكما قلت في بداية حديثي عن التباين والتشابه، فلو انتقلنا الى بلجيكا جارة هولندا التي تبعد فقط حوالي 220 كيلومترا، وارضها تكاد تكون واحدة، ويتحدث حوالي نصف سكانها ذات اللغة ونظامها الملكي والسياسي يتشابه لحد كبير مع هولندا، نجد ان مشاكل المسلمين هناك تختلف وتتجانس، فالمملكة البلجيكية منحت الاجانب «ومنهم المسلمون طبعا» حقوق الانتخاب والترشيح للمجالس النيابية بعد هولندا بسنوات، الا اننا لا نجد فروقا كبيرة تستحق الذكر، من حيث استفادة المسلمين بمثل هذه الحقوق، ونستطيع القول ان وضعية مسلمي اوروبا من الاصول غير الاوروبية تكاد تكون متشابهة، باستثناء بعض الفروق. اما مسلمو اوروبا الاصليون، وربما يكون اقربهم لذاكرة القاريء العربي هم مسلمي الشيشان، ومنطقة البلقان سواء شعوب البوسنة والهرسك، البانيا، او كوسوفو، فدعني اوجز بان الظروف التاريخية لهؤلاء، والتي وضعت يوغسلافيا الاتحادية فاصلا من ناحية النمسا، بين الشرق الشيوعي والغرب الاوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، جعلت مشاكلهم وصراعهم القديم مع الصرب ثأرا مؤجلا تفجر بعد سقوط حائط برلين، ونهاية الاتحاد السوفييتي السابق، وحل الاتحاد اليوغسلافي، حيث عادت للسطح الصراعات ونمت العرقية السلافية، حيث تجدد لديهم حلم صربيا الكبرى، وكانت النتيجة الثأر من المسلمين بعد ان انعشت جمع التطرف والشوفونية ذاكرة الصرب، واعادت لهم مرحلة الوجود العثماني التركي في هذه المناطق، فكان المسلمون هم الضحية، لحرب وعمليات قتل وتصفيات عرقية تابعناها جميعا، فلو كان الغرب السياسي واعفى نفسي من قول المسيحي لكي لا نفعل ما نرفضه في اساليب الغرب وقف منذ البداية بعدالة وصدق لما قتل عشرات الآلاف من المسلمين، وذات الوضع الآن ايضا تتحكم المصالح في الصمت على مايحدث لمسلمي الشيشان، فهم حتى هذه اللحظة ضحايا الجيش الروسي وفي ظل صمت غربي مشغول بضرب المسلمين في افغانستان. ولننتقل لنموذج آخر في آسيا حيث انطلق من هولندا، التي استعمرت اندونيسيا تلك الدولة الاسلامية التي يبلغ تعداد سكانها 200 مليون نسمة، وهي تعيش الآن اصعب ظروف لها منذ طرد الاحتلال الهولندي ومن بعده الياباني، حيث تتعرض لتوجهات غربية تهدف تقسيم وحدتها. فمن حيث المبدأ لا يريد نظام العولمة الاقتصادية، ان تلعب اندونيسيا الاسلامية دورا استراتيجيا في جنوب شرق اسيا، ولا ان تؤثر في شعوبه وانظمته، فهذا البلد الذي سيطر على ثرواته رئيسها الراحل «سوهارتو» اكثر من 30 عاما، واستفاد هو واسرته من مصادر النفط والغاز والمعادن الغالية واهمها الذهب والنحاس، واستعان في ذلك بشركات عالمية، وفرت له الثراء والبقاء له ولاسرته في الحكم، الامر الذي جعل حوالي نصف الشعب يعيش حالة فقر شديدة، نفهم من ذلك ايضا ان تردي وضع اكبر البلاد الاسلامية سببه طرفا الفساد الداخلي والتدخل الاجنبي الخارجي، الامر الثاني والذي لا يجب اغفاله، هو مساعدة الغرب ودعمه قيام دويلات صغيرة مسيحية في قلب اندونيسيا، وقد ادت اخطاء رئيسها «حبيبي» الى منح فرصة ذهبية للغرب، لايقاظ مسيحيي تيمور الشرقية، للمطالبة بالاستقلال، فما اشبه اليوم بالبارحة، وهذا يذكرنا بتاريخ احتلال هولندا لهذه الجزيرة، حينما طردت منها اهلها المسلمين، ومكنت المسيحيين منها. نستخلص مما ذكرته للنموذج الاندونيسي، ان الصدام الحضاري بين الغرب والشرق له جذور تترعرع من وقت لآخر، ومن وجهة نظري انها اخطر المشاكل التي تواجه الدول الاسلامية في العصر الحديث، هذا اضافة لقضية سياسية داخل معظم دول العالم الاسلامي، وهي الخصومة بين اهل الدعوة والسياسة، تلك الخصومة التي تتوارى احيانا، وتطل برأسها أحيانا اخرى، فجزء مهم من النهوض بأمة المسلمين هو القضاء على هذه الخصومة، في شكل مشاركة سياسية بنظام يرضي كل الاطراف، وليس بالضرورة استيراد النظم الديمقراطية الغربية، فلدينا كمسلمين نظام الشورى، الذي يضمن التواجد وتحقيق الذات في ظل حكم جماعي، لا تستأثر جماعة بعينها او فئة بمقاليد الحكم، واعتقد ان مشاكل افريقيا تتشابه الى حد كبير مع معظم الدول الاسلامية. أجرى الحوار في لاهاي: د. سعيد السبكي