من المؤكد ان المتغيرات الكبيرة والمتسارعة التي يشهدها العالم الآن والتي تعد من ابرز تداعيات الحرب الأمريكية على أفغانستان ستكون لها تأثيرات وانعكاسات جذرية على العالم الاسلامي كدول وشعوب ومنظمات وحتى أفراد. ذلك أن ثمة من يرى أن هذه الحرب، تستهدف الدول الاسلامية كلها وليس أفغانستان فقط والمتتبع لمواقف وتصريحات المسئولين الأمريكيين خاصة والغربيين عامة يستنتج بسهولة ان أفغانستان هي مجرد محطة أو مرحلة وأن الخطة التالية ستكون دولاً إسلامية أخرى يجري تحديدها من قبل دوائر البنتاجون ووزارة الخارجية. إذ أن الحدث يتواتر عن احتمال تعرض العراق ومن ثم دول أخرى في الشرق الأوسط للضربات الأمريكية الأمر الذي يبرز بوضوح حجم الأخطار والتحديات المحدقة بالدول الاسلامية وتكمن الخطوة أساساً في تلك الأصوات المرتفعة في عواصم الغرب والتي تتحدث عن «حرب صليبية» ومواجهة بين الإسلام والمسيحية وما اتفق على تسميته بصراع الحضارات والثقافات ففي هذا السياق يمكن فهم أبعاد هذه الحرب الشاملة التي تتعرض لها أفغانستان، فالواضح أنهم يريدون إعادة رسم خارطة سياسية وأمنية جديدة للعالم الاسلامي تمكن القوى الغربية من التحكم بكل شيء في هذه الدول بما في ذلك الماء والهواء والمخاوف التي يبديها البعض من هذه المشاريع والسيناريوهات الغربية لها ما يسوغها من الناحية الواقعية لأنه إذا كان على الصعيد الرسمي في الدول الغربية لا تزال المسألة في طور الدراسة والتأمل فإن الموقف الأصلي أو الشعبي يطرح الكثير من الاعتبارات والتسريبات التي تتحدث عن مواجهة شاملة وطويلة الأمد مع العالم الاسلامي. ويرى الكثير من المحللين أن تلك الأصوات ليست سوى تغيير واضح مما يتفاعل داخل المجتمعات الغربية. إذ لا مناص من الاعتراف ان الغرب عموماً بات بعد أحداث 11 سبتمبر الماضي ينظر الى العالم الاسلامي بطريقة مختلفة وبالتالي فهو بات اكثر عدائية في وسائل التعامل مع البلدان والشعوب الاسلامية فقد بات واضحاً انهم في الغرب يتهمون كل المسلمين بأنهم إما ارهابيون ـ بشكل مباشر ـ أو مساندون للإرهاب عن بعد. مخاطر استراتيجية والواقع أن المخاطر التي تواجه العالم الاسلامي تبدو ذات طبيعة استراتيجية الأمر الذي يرفعها الى مستوى التحديات السياسية والأمنية المباشرة فعلى سبيل المثال فإن دولة مثل افغانستان معرضة للاحتمالات المتداخلة كأن يتم تقسيم هذا البلد الى كيان في الشمال تسيطر عليه قوات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة أو أن يسقط فيها النظام السياسي ويحل محله نظام جديد أكثر قرباً من الغرب واستعداداً لتحقيق مصالحه ومهما تكن الطريقة التي ستنتهي بها الحرب الأمريكية الحالية فإن افغانستان في المرحلة المقبلة لن تكون على الاطلاق كما كانت قبل عدة اشهر وفي أحسن الأحوال فإن هذا البلد الاسلامي قد يتحول الى «لغم موقوت» في آسيا الوسطى يمكن ان يطال عبر شظاياه العالم الاسلامي كله. ومن هنا فإن الحرب الامريكية هنا بدأت تأخذ مسارات جديدة الأمر الذي يؤكد بأن هدفها الاستراتيجي أبعد بكثير من مجرد أفغانستان. فالولايات المتحدة تريد الانطلاق من كابول وقندهار لإقامة نظام سياسي وأمني جديد في جنوب آسيا تتولى هي مباشرة قيادته والإشراف عليه والتدخل في أدق تفاصيل الحياة اليومية للدول والشعوب التي تشكل النسيج العام لمثل هذا النظام وإذا ما نجحت واشنطن في تأسيس نظام كهذا وهو أمر وارد بالفعل فإن صورة العالم الاسلامي كلها ستتبدل وستتحول الى «موزاييك» لا يعرف له لون ولا طول وعرض وعندما يتحدث وزير الدفاع الأمريكي ـ دونالد رامسفيلد ـ عن حرب طويلة الأمد في أفغانستان فإنه يقصد بالضرورة الوصول الى نظام أمني وسياسي جديد في جنوب آسيا لأن القاعدة تقول ان انشاء مثل هذا النظام لابد ان يستغرق وقتاً طويلاً إذ انه من المؤكد ان المسألة بحاجة الى ترتيبات عسكرية وأمنية واستراتيجية محددة لابد أن تطال كل الدول الاسلامية الواقعة في آسيا الوسطى وجنوب آسيا. وقد يكون ما جرى في أفغانستان الآن هو مجرد «بروفة» للمشهد الاقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة لعرضه على هذه المنطقة من العالم. وهناك رأي استراتيجي تقليدي في الغرب يقول: ان من يريد السيطرة على منطقة الخليج العربي فعليه ان يفرض سيطرته على جبال افغانستان الشاهقة ومن ثم المنحدرات المؤدية الى الخليج وهذا معناه ان الحرب الامريكية في أفغانستان ليست «عينية» كما يتصور البعض وليست وليدة الساعة بل هي جزء من مشروع استراتيجي كبير وخطير جرى الاعداد له منذ سنوات. والدليل على ذلك انه سبق للولايات المتحدة ان تلقت عروضاً من دول عربية وإسلامية لتسليم ابن لادن وقد رفضت كلها فقد أعلن مؤخراً وزير خارجية السودان ان الخرطوم عرضت قبل ثلاث سنوات على الادارة الأمريكية تسليم ابن لادن الذي كان بحوزتها ولكن الولايات المتحدة رفضت العرض السوداني آنذاك، لأنها لا تريد ابن لادن بل احتلال افغانستان وفرض حضورها العسكري في آسيا الوسطى. وعندما يؤكد وزير الدفاع الأمريكي أن الحرب في أفغانستان ستتواصل سواء تم القبض على أسامة بن لادن أو قتله أو لم يتم ذلك فهذا معناه أن للولايات المتحدة أهدافاً أكبر وأوسع. مستقبل باكستان وفي ضوء ما يجري في أفغانستان فإن مستقبل باكستان سيتحدد بالتأكيد لأن هناك ترابطاً جغرافياً وتلازماً استراتيجياً وبشرياً بين البلدين وإذا كان النظام الحالي في باكستان يواجه مأزقاً مزدوجاً الآن من جراء دعمه وتأييده للحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد أفغانستان وخوفه من احتمال سقوط نظام «طالبان» في كابول فإن الواضح ان هذا الخوف هو تعبير دقيق عن مسألة في غاية الأهمية وهي تأثيرات الحرب على النظام الأمني المتعلق بالقنبلة النووية التي هي بحوزة باكستان، فالولايات المتحدة والدول الغربية صار همها الأوحد هو الحؤول دون وقوع مثل هذه القنبلة في أيدي ارهابيين الأمر الذي سيجدد الأمن القومي الأمريكي كله ويجرى استغلال بشع لهذا الوضع من جانب الولايات المتحدة التي تمارس ضغوطاً هائلة على اسلام اباد لإقناعها بتسليم قنبلتها النووية الى اجهزة الاستخبارات الأمريكية لحمايتها على الاقل حتى لا تقع في أيدي الارهابيين والواقع ان الامر مجرد لعبة تستهدف حرمان باكستان والعالم الاسلامي من قوة الردع النووية وذلك لحساب اسرائيل ومصلحة القوى الصهيونية في العالم التي تسعى بكل قوة وجبروت لمنع أية دولة اسلامية من امتلاك القنبلة النووية حتى لو كانت من النوع الذي يصنع من اليورانيوم المستنفد وفق التعبير العلمي. وعليه يمكن التأكيد ان مستقبل النظام السياسي في باكستان غير واضح لأن هذا البلد الاسلامي يواجه أمرين أحلاهما مر، الأول: أن يرضح للضغوط الأمريكية والغربية ويضع قوة الردع الموجودة لديه تحت تصرف الولايات المتحدة وأجهزة الاستخبارات الاسرائيلية والثاني ان يواجه خطر التقسيم والتفتيت وهو أمر على درجة كبيرة من الخطورة. وبالمحصلة فإن هذه المضاعفات والنتائج يمكن أن تطال العالم الاسلامي كله وإن بدرجات ومستويات متفاوتة. لكن الأساس هو التأكيد على خطورة ما يجري الآن في أفغانستان ذلك ان الوضع لابد ان يزداد تفاعلاً خلال الاشهر المقبلة لدرجة يمكن معها التأكيد ان الوقت لن يطول حتى يكتشف المسلمون ان أحداث 11 سبتمبر الماضي التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية قد تكون من تدبير «قوى خفية» تريد أن تجد الأعذار والمسوقات السياسية والدعائية لإطلاق حرب شاملة ضد الدول الإسلامية وتقليم أظافر كل مظاهر القوة في العالم الاسلامي وفرض السيطرة الكاملة على الدول الاسلامية. بقلم: فريزة عطية ـ كاتبة سورية