خرج الاسرى اللبنانيون من السجون الاسرائيلية بعد ان امضوا فيها فترات متفاوتة وكلهم امل في تعويض ما فات والاسهام في بناء مجتمعهم بشكل جديد بعد تحرر الجنوب من الاحتلال. لكن الصورة الذهنية التي رسمها الأسرى المحررون لم تكن وردية كما تخيلوها على الاطلاق اذ لم يجدوا عقب خروجهم من سجون الاحتلال سوى الاهمال والتجاهل من وطنهم الذي ناضلوا من اجله، ولم يوفر لهم مقومات العمل الشريف والعيش الكريم. وازاء هذا التجاهل كثافة المطالب التي يريدها الاسرى المحررون، تعددت المطالب وتبلورت في مذكرة جديدة يأمل فيها المحررون ان تؤتى بنتائج ايجابية لصالح تحقيق مطالبهم والتي حدد الاسير المحرر بسام ضو اعطاء الاسير المحرر الذي قضى في الاسر لدى العدو الاسرائيلي او لدى الميليشيات المتعاملة الافضلية في الوظائف العامة، واعتباره ـ بمثابة ـ جنديا متطوعا في الجيش اللبناني ومعاملته حسب القوانين المعمول بها في المؤسسة العسكرية، واعطاء رواتب تقاعدية للذين اصيبوا باعاقات جسدية مهما كانت مدة اعتقالهم او استشهدوا او توفوا ورفض حصرهم بـ 25 اسيرا. ويرفض الاسرى تقسيمهم الى فئات ودرجات واعتماد المعايير العلمية والاجتماعية والنضالية والانسانية في معالجة اوضاعهم، كما يرفض مبدأ التعويضات ومعاملة جميع المعتقلين المحررين معاملة متساوية كما تساووا في التعذيب والمقاومة. وتطالب تلك المذكرة ايضا بتزويد الاسير ببطاقة اسير تؤمن له الاستشفاء مع زوجته واولاده القصر على نفقة وزارة الصحة، والتعليم في المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية على نفقة وزارة التربية والتعليم العالي، واعطاء الاسير المحرر من قبل العام 1992 منحة تحرير بدل اعاقة اسوة بالمحرر الذي استفاد من تقديمات مجلس النواب، بالاضافة الى رفض اعادة منحة التحرير التي دفعت للمحررين سابقا كما نص القانون 364. وتدعو ايضا الى تعديل القانون 364 الذي قدمه النواب اكرم شهيب، روبير غانم، مصطفى سعد وعلاء الدين ترو، واستنادا للدراسة التي اعدتها وزارة الشئون الاجتماعية حول اوضاعهم، كي يصبح قانونا عادلا ومنصفا بمناضلين ابطال. ويعتبر الاسرى المحررون ان القانون 364 الذي اقره مجلس النواب في 14 اغسطس الماضي غير عادل وغير منصف لجميع الاسرى المحررين، كونه يقسم ويجزيء نضالهم، ويعاملهم كاجراء وليس كمناضلين وطنيين نذروا حياتهم للدفاع عن الارض وتحرير الوطن من الاحتلال الاسرائيلي، وهم يدعون في هذ الاطار الى تعديل القانون استنادا الى الدراسة التي اعدتها وزارة الشئون الاجتماعية حول اوضاعهم كي يصبح قانونا عادلا ومنصفا يليق بمناضلين وطنيين. من جهته يعلن النائب ترو عن تضامنه من الاسرى المحررين، ويطالب بأن يبقى مشوع التعديلات في الادراج الرسمية، منتقدا الطريقة التي تتعامل فيها الدولة مع قضية الاسرى، ويعلن النائب شهيب (وكلاهما من كتلة النائب وليد جنبلاط النيابية) عن الاعداد لمشروع معجل مكرر يوقعه عشرة نواب بسبب المماطلة في النظر بالتعديلات المقدمة، مؤكدا التبني والتأييد لمطالب لجنة المتابعة في الاعتراض على القانون لتعديله، وقال النائب شهيب: انها قضية وطنية وليست طائفية او مناطقية. اما من جهته فيؤكد الامين العام للجنة المتابعة محمد صفا انه لايوجد تعارض بين التعديل وتطبيق القانون الذي اقره المجلس النيابي، ومستغربا عدم تطبيقه رغم مرور شهرين على تصديقه وصدوره في الجريدة الرسمية تقريبا. اهتمامات متشعبة وتأمل لجنة المتابعة ان تصل الى نتائج عملية، خاصة وان كبار المسئولين يسعون الى تحقيق مطالبها، خاصة على المستوى الوزاري في الادارات العامة حيث يدرس وزير التنمية الادارية فؤاد السعد سبل توظيف الاسرى المحررين في القطاع العام. وبحث هذا الامر في اجتماع نيابي تكرر برئاسة النائب مخايل الضاهر، كذلك بحث فيه الوزيران بشارة مرهج واسعد دياب والنائب انطوان حداد، وشكل محور اجتماعات عدة بين الوزير السعد ورئيس الحكومة رفيق الحريري الذي بحثه بدوره مع كل من النواب: كريم الراسي، يوسف المعلوف، مهدي الحاج حسن، وبهية الحريري. ولم تغب صورة الاهتمامات النيابية بالموضوع عن القصر الجمهوري فكان بحث بشأنه بين الرئيس اميل لحود والنائب ناصر قنديل الذي زاره على رأس وفد من الاسرى المحررين، كذلك بينه وبين كل من النائبين محمود ابو حمدان وسليم نجيب برفقة انطوان غريب. ويأمل الاسرى بتجاوب دولي ايضا وفق ما اشيع عقب طرح قضاياهم على ستيفان دوميستورا ممثل الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان في لبنان، من كل من الرئيس لحود والحريري ووزير الخارجية محمود حمود. مهرجان ثقافي وتقول مصادر لجنة المتابعة ان ذلك كله يشكل اطارا للتحضيرات التي بدأت منذ الآن لاقامة مهرجان ثقافي مكثف وشامل خلال مايو المقبل، وعلى مدى شهر كامل، في معتقل الخيام وساحته بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لتحرير الجنوب والبقاع الغربي. وقد عرضت برنامج الاحتفال الذي يرتكز الى اقامة منتدى عالمي (تركيب، نحت، رسم) في المكان الذي كانت معتقلا الاسيرة المحررة سهى بشارة على الرئيس لحود، وهي من ضمن لجنة تحضيرية لذلك تضم شربل فارس، كفاح عقيقي، غسان موسى وعلي رعد. ويقول الفنان فارس الى انه جرى اطلاع رئيس الجمهورية على المشروع الثقافي في الخيام، ويوضح انه: يتضمن اقامة منتدى عالمي ومعرض اشغال يدوية للاسرى المحررين وعمل مشهدي مسرحي تركيبي يساهم بتحضيره وتأديته الاسرى المحررون امسيات شعرية، ندوات فكرية، افلام سينمائية وثائقية وروائية محلية وعالمية تتناول المقاومة والتحرير، ومحاكمة مجرمي الحرب والاحتلال واصدار كتاب توثيقي حول نشاطات المهرجان. واشار الى انه سيتم دعوة واستضافة فنانين تشكيليين لبنانيين وعرب واجانب لمدة شهر او اكثر يقيم في خلالها الفنانون داخل المعتقل ويرافق كل فنان اثناء اقامته اثنان او ثلاثة من الاسرى المحررين، يقوم الاسير خلالها بمهمة الدليل والراوي والشريك والصديق، ليضع الفنان في الاجواء التي سادت الاعتقال ويوميات التعذيب والتحقيق والمقاومة داخل المعتقل، بعدها يساهم مع الفنان كمساعد في انجاز العمل الفني ويوقعه معه». واضاف: «بأنه بعد انجاز الاعمال يتم تنظيمها وعرضها كنواة متحف في المعتقل او حوله، او يتم توزيعها على المناطق والساحات التي شهدت المعارك مع الاحتلال وتعتبر كوثيقة تدون الاحتلال وموقعه من فنانين وعالميين ومن الاسرى المحررين ويتحول المنتدى الى نشاط سنوي ويكون المحور لكل النشاطات المرافقة». واكد الفنان فارس «انه في اطلاق هذا المهرجان والتحضير له، تسعى اللجنة التحضيرية الى تشكيل لجنة تأسيسية للجمعية لتنطلق عمليا في التحضير لهذا المهرجان، وتوفير الكلفة المالية له، تضم في عضويتها بالاضافة الى تيارات الاسرى المحررين فاعلين وناشطين في الحقول الثقافية والاعلامية والحقوقية والادارية «لافتا الى» ان من شروط نجاح الجمعية ان تكون مستقلة لانها تسعى الى اهداف وطنية ثقافية جامعة». واعلن انه سينبثق عن اللجنة التأسيسية لجان متخصصة في حقول ونشاطات المهرجان وتكون هذه اللجان النواة الاولى للهيئة العامة للجمعية، الركيزة الاساسية في عضويتها للاسرى المحررين يعاونهم الاخصائيون: 1ـ لجنة المنتدى وفنانون تشكيليون). 2ـ لجنة العمل المشهدي (مسرحيون، سينمائيون، ممثلون). 3ـ لجنة السينما والتلفزيون (اعلاميون، سينمائيون، نقاد). 4ـ لجنة الامسيات الشعرية والندوات وشعراء، مفكرون). 5ـ لجنة الاعلام (اعلاميون، صحافيون). 6ـ لجنة لوجستية (تقنيون وحرفيون وصناعيون). 7ـ اللجنة التنظيمية (اعضاء اللجنة التأسيسية وممثلون عن مختلف اللجان). المسألة المالية واعلن الفنان فارس ان ميزانية المهرجان تعتمد على مصدر او مبدأ «السمبونسيرات» من جهات رسمية وبخاصة وزارات الثقافة والاعلام والسياحة وهيئات اهلية وجمعيات ومؤسسات تجارية ومصارف ووسائل اعلام ومراكز ثقافية محلية وعالمية، وتعود ملكية اعمال السمبوزيوم الفنية وريع كل نشاطات المهرجان الى توظيف رأس المال في دعم الاسرى ماليا ومعنويا. واكد «انه في هذا المهرجان يؤكد المقاومون والاسرى المحررون وبعد كانوا جسر العبور من الوطن المحتل الى الوطن المحرر، امكانية استعمال الدور العسكري باشكال نضالية سليمة وحضارية اخرى، والمساهمة في اطلاق ثقافة جماهيرية طليعية يساهم في رفدها الفنانون ومثقفون عالميون وقد تتجلى الاهداف الاعلامية المباشرة في توفير الصدى الاعلامي المطلوب لتشكيل ادانة تاريخية تتجدد سنويا للاحتلال الاسرائيلي والصهيونية التي لاتزال حتى اليوم، تسوق نفسها عالميا كضحية لمجازر النازية في الحرب العالمية الثانية». تشكل تحركات الاسرى المحررين ونشاطاتهم دعوة لاجتذاب الاهتمام الرسمي الى مطالبهم وقضاياهم فماذا يريدون من الدولة خاصة، ومن المجتمع الذي عادوا اليه محررين خاصة؟ تتركز المطالب على دعوة مجلس النواب الى تعديل القانون الذي سبق ان اصدره بهدف اعطائهم حقوقهم، لانه: «لا يليق بالمقاومين، ويعتبر خطوة الى الوراء»، حسب تعبير الاسير المحرر حسيب عبدالحميد. ويلفت الاخير الى ان المطالب تلك تختصرها توصيات كان قد قدمها الاسرى المحررون الى كبار المسئولين وهي تعتبر ان الرعاية الاجتماعية للاسرى المحررين ولعائلاتهم واجب وطني على الدولة، وليس منة او صدفة لافتة اى ان المؤسسات الرسمية مارست تمييزا طائفيا وسياسيا في التعامل مع قضية الاسرى المحررين. بيروت ـ رانيا يونس: