تتباين الرؤى والمواقف ازاء التجربة الديمقراطية اليمنية بعد مسيرة احد عشر عاما في انطلاقها عام 1990م، ففي حين ترى المعارضة ان واقع الممارسة والأطر القانونية المنظمة هو في تراجع مستمر مقارنة بالسنوات الأولى هناك من يرى عكس ذلك وأن السنوات الاولى لم تكن تحكمها إلا التوازنات السياسية حتى اذا ما اختلت هذه التوازنات تبدلت المواقف من الديمقراطية تبعا للقرب او البعد عن السلطة لهذا الحزب او ذاك. ورغم الحجج التي يسوقها كل طرف تبقى الاشكالية قائمة تبحث عن اجابات شافية كما يتبدى من خلال نظرة كل فريق للديمقراطية وماهيتها. المعارضة تقول انه بعد مضي عشر سنوات على الديمقراطية اليمنية تبرز اليوم مؤشرات على تراجع واضح وبين في المسار الديمقراطي، ومن هذه المؤشرات التي توردها المعارضة ان التعديلات التي أدخلت على دستور الجمهورية عام 1994م وعام 2001م كلها مؤشرات على تضييق الهامش الديمقراطي وتركيز السلطة في يد رئيس الدولة وتقليص واضح لدور السلطة التشريعية «مجلس النواب»، وأن مشروع قانون الانتخابات الذي يجري التحضير له يرمي الى ان يكون الحزب الحاكم هو اللاعب الاساسي في تحديد قواعد اللعبة الانتخابية والتحكم بها وفق الغايات والأهداف المرسومة للسلطة وهو ما يعني في نظر احزاب المعارضة تراجعا واضحا عن الخيار الديمقراطي على مستوى القوانين الاساسية المنظمة للعبة الديمقراطية. وعلاوة على ذلك ترى هذه الأحزاب ان الممارسة هي الاخرى تعاني من تشوهات تجلت على أكثر من صعيد سواء ما يتعلق منها بحرية التعبير او الانتخابات العامة، وتسجل في هذا الاطار ان المحاكمات المتتالية للصحف اليمنية ليست الا ابرز الدلائل على التضييق على حرية الصحافة وأن هذه المحاكمات صارت شبه دورية وطالت الكثير من الصحف اليمنية. وعلى مستوى الانتخابات العامة ترى المعارضة ان المال العام والاعلام الرسمي والوظيفة العامة والقوات المسلحة والجيش يزج بها في اللعبة الانتخابية لصالح الحزب الحاكم والمؤتمر الشعبي العام، ما يقلل من فرص التكافؤ بين مختلف القوى السياسية لما لهذه الوسائل من تأثيرات على ميولات الناخبين واتجاهاتهم التي تكون عادة لصالح الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام ومقابل هذه الطروحات ترى السلطة ان تعلل احزاب المعارضة بهذه الحجج ليس له ما يسندها في الواقع. يقول الدكتور احمد الكبسي رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة صنعاء وقيادي بارز في المؤتمر الشعبي العام: ـ ان الديمقراطية اليمنية ولدت بولادة الدولة اليمنية الواحدة الجديدة في 22 مايو 1990م وقبل ذلك رغم وجود بعض البوادر الديمقراطية الا انها لم تعم كلا الشطرين ففيما كان يعرف بالشطر الشمالي تضمن الميثاق الوطني بعض المباديء والأسس والقيم الديمقراطية التي لو نشآت عليها الاجيال منذ انطلاقها لكانت تشكلت ثورة في 22 مايو عام 1990م لكن الوحدة ارتكزت على الديمقراطية والتعددية الحزبية بعد زمن كانت الحزبية محظورة ورغم حظر الحزبية فقد كان المؤتمر الشعبي العام يمثل كل التوجهات السياسية على الرغم من وجود الخلايا السرية ونظرا لهذا الوضع فقد رافق اعلان الديمقراطية في 22 مايو 1990م الاسهال في اعلان الكثير من الاحزاب السياسية حتى بلغت على الساحة اليمنية ما يربو على 48 حزبا سياسيا وهذا كان قبل اعلان قانون الاحزاب والتنظيمات السياسية عام 1991م. والشعب اليمني مارس حقه في الديمقراطية لأول مرة في الاستفتاء على الدستور في منتصف عام 1991م الذي أجل عام 1989م بعد ان كان من المفروض ان يستفتى عليه في 30 نوفمبر 1990م الا ان تسارع الخطوات المؤدية للوحدة اليمنية حالت دون ذلك وكان السبب ان الاستفتاء ليس على الوحدة ولكن على القواعد التي سيقوم عليها النظام السياسي الجديد في البلاد. القيم الديمقراطية ويستطرد الدكتور الكبسي موضحا بقوله المباديء والقيم والأسس الديمقراطية تحتاج الى تنشئة، وفي هذا الاطار نجد ان الكثير من الاحزاب حاولت ان تستقطب الكثير من المواطنين لكنه كان استقطابا من اجل الاستقطاب وليس كاستقطاب بناء على رغبات وقناعات لدى المواطنين وأن الديمقراطية حق اختيار المواطن لمن يحكمه واختيار التنظيم السياسي الذي ينضوي في اطاره حتى ان احد قادة الاحزاب السياسية توجه الى قريته وطلب منهم ان ينضموا الى حزبه فقالوا له لقد انضمينا الى حزب آخر لكن ما دام قد وصلت الينا فضيافتك منا مئة عضو وهذا يعني غلبة المنطق الرعوي وللايضاح فبعد ان ساد منطق القسمة 50% وظهور الاحزاب السياسية اتضحت الأمور بشكل جلي في 27 أبريل 1993 تاريخ اجراء اول انتخابات برلمانية حرة ومباشرة. هذه الانتخابات بينت الاحزاب السياسية الموجودة والفاعلة في الساحة وقد شارك في الانتخابات 22 حزبا ورغم التحالفات السياسية المختلفة ظهرت الاحجام الحقيقية للأحزاب في الساحة اليمنية الا ان نتيجة الانتخابات الديمقراطية لم تعجب بعض الاحزاب السياسية لأنها اخلت بقواعد القسمة وبمعنى ادق قواعد المغانم، وبعد ان كانت القسمة بين اثنين المؤتمر والاشتراكي اصبحت القسمة على خمسة هم المؤتمر والاشتراكي والاصلاح وكذا البعث والناصريون وهذان الأخيران كانا في القسمة وإن كان الطبق الرئيسي مع الاصلاح والمؤتمر والاشتراكي ولهذا فالتراجع الذي حصل كان هو تراجع الشريك الاكبر «الحزب الاشتراكي اليمني» الذي دخل الوحدة من اوسع الأبواب وخرجت قيادته من ابواب لا يود أحد أن يذكرها لماذا؟ لأنهم اختلفوا على القسمة والمغانم ورفضوا القبول بما افرزته الصناديق وعدم القبول هذا اسفر عن الحرب المشئومة، القضية نفسها تجددت مع انتخابات 1997م عندما فاز المؤتمر الشعبي العام بالأغلبية الساحقة لم يعجب هذا حزب التجمع اليمني للاصلاح. ثم تكرر المشهد في انتخابات 2001 المحلية لم تعجب النتائج الاحزاب الاخرى وبالتالي يمكن لهم ان يقولوا ما يشاءون عن التجربة الديمقراطية لأننا في واقع ديمقراطي. من جهة اجاب الدكتور جلال فقيرة استاذ العلوم السياسية المساعد بكلية التجارة والاقتصاد جامعة صنعاء عن سؤالنا: هل كانت الممارسة والأحداث تنبيء عن نكوص في التجربة الديمقراطية او تعزز السير في طريق تكريس الخيار الديمقراطي وتعزيزه؟ فقال من الصعوبة بمكان ان نجيب على أي من مكونات السؤال السابق بردود قاطعة لا تقبل الجدل والمناقشة خصوصا مع اختلاف المدركات التي تنطلق منها احزاب المعارضة او الحزب الحاكم في الاجابة على تلك التساؤلات وهو الامر الذي يقتضي منا ان نناقش الحجج التي يسوقها انصار كل اتجاه. ويضيف: يجادل القائلون بوجود نوع من التراجع عن الخيار الديمقراطي بالعديد من الحجج والمؤشرات منها على سبيل المثال لا الحصر: 1) التحول عن نمط القيادة الجماعية بالغاء مجلس الرئاسة الذي نص عليه دستور دولة الوحدة اليمنية وشهد اول تطبيق له من خلال تكوين مجلس خماسي ضم الرئيس صالح ونائبه البيض وكلا من سالم صالح محمد وعبدالعزيز عبدالغني والقاضي العرشي ثم ضم الشيخ الزنداني ليحل محل القاضي العرشي بعد انتخابات 1993 واستبدال مجلس الرئاسة في اول تعديلات دستورية شهدتها دولة الوحدة اليمنية برئيس ونائبه بعد القضاء على محاولة الانفصال الفاشلة في صيف 1994. 2) محاولات المؤتمر الشعبي العام الهيمنة على مجريات الحياة السياسية من خلال تضييق الهامش المتاح لأحزاب المعارضة والعمل المستمر على تفريخ احزاب تحمل رايات المعارضة وتدين لها بالولاء والطاعة او من خلال العمل على اختراق احزاب المعارضة بغية اضعافها وخلق الانقسام في صفوفها والحيلولة دون ممارساتها لدور سياسي يقلص دور المؤتمر الشعبي العام في ادارة الحياة السياسية اليمنية. 3) السيطرة على اللجنة العليا للانتخابات والعمل على تجيير نتائج الانتخابات ايا كانت لصالح المؤتمر الشعبي العام. 4) وتعديل قانون الانتخابات بحيث يتم تجميد مشاركة الاحزاب السياسية والغاء التمثيل المتوازن للقوى والتيارات السياسية المختلفة وبطريقة تتضمن مزيدا من الهيمنة التي يمارسها المؤتمر الشعبي العام في ادارة العملية الانتخابية. مسوغات لابد منها في ضوء هذه الملاحظات التي استعرضها فقيرة يستطرد قائلا: ـ وكما سنرى فإن بعض هذه الحجج قابلة للنقاش ولا يمكن الأخذ بها على اطلاقها كمسلمات اذ يمكن ان تفسر على اكثر من وجه. فالمسوغ الاول المتعلق باستبدال صيغة الحكم الجماعي المتمثلة في مجلس الرئاسة بصيغة رئيس ونائب ربما تكون مبررة من وجهة نظر البعض في ظل ظروف الصراع الحزبي الذي اندلع بين المؤتمر والاشتراكي في المرحلة التي تلت انتخابات 1993، والشلل الذي ساد اجهزة الدولة حينها، ثم الحرب المدمرة التي كادت تفصم عرى دولة الوحدة اليمنية، هذه كلها ربما تكون مسوغات مقبولة للانتقال نحو التمثيل الفردي على مستوى الدولة. اما الحجة الثانية والمتعلقة بدور المؤتمر في تفريخ احزاب للمعارضة، او اضعاف احزاب المعارضة القائمة فهو امر يمكن ان نلقي تبعاته على احزاب المعارضة ذاتها، اذ انها تركت ابوابها مشرعة امام اي محاولات لاختراقها، وانصراف بعضها عن وظائفها الحقيقية في ان تكون مرآة صادقة تكشف اوجه القصور، وتعمل على اصلاح اي اعوجاج قد يصيب التجربة الديمقراطية، واهتمامها بتحقيق بعض المكاسب الآنية لبعض قياداتها. بمعنى آخر ينبغي على المعارضة ان تراجع حساباتها وان تنظم نفسها بطريقة تضمن لها مزيدا من المشاركة في عملية صنع القرار اليمني، ولاتعول على قيادتها كثيرا اذ يمكن للنظام ان يحتويها في اي مناسبة دفاعا عن ذاته كجزء من قواعد اللعبة السياسية التي تقتضيها الممارسة الديمقراطية، بمعنى اخر ان المعارضة هي المستفيد من استمرار التجربة الديمقراطية، وهي صاحبة المصلحة الاولى بعد الشعب، ولذا فإنها تتحمل النصيب الاكبر من مسئولية الدفاع عن التجربة الديمقراطية، وحري بها ان تجري نقدا ذاتيا لدورها في ترصين التجربة الديمقراطية وتعزيز مسيرة التعددية السياسية خلال حقبة التسعينيات قبل ان توجه التهم للآخرين بالنيل من التجربة الديمقراطية، وان تحصن اسوارها في مواجهة محاولات الاختراق التي قد يقوم بها البعض في مواجهتها. وبصدد الحجة الثالثة، ربما تكون سيطرة السلطة على اللجنة العليا للانتخابات واضحة في بعض جوانبها، وهنا تتحمل المعارضة ايضا مسئولية التقصير من خلال ممثيلها في اللجنة، ولذا فإن الغاء نظام الحصص، والاصرار على تكوين اللجنة من المستقلين ربما يحمل في طياته احتمالات تعزيز التجربة اذا صدقت النوايا، وتم رفد اللجنة العليا للانتخابات بعناصر مشهود لها بالكفاءة والنزاهة من اوساط المستقلين، وفي الوقت نفسه لا نستبعد احتمال ان توظف اللجنة العليا بطريقة تؤكد صحة المنطق الذي تتحدث به المعارضة. اما بخصوص الاتهامات التي توجهها المعارضة للسلطة بتجيير نتائج الانتخابات لصالحها للاستدلال على تخلي السلطة تدريجيا عن النهج الديمقراطي، وخشيتها من ان تحول صناديق الاقتراع الدفة لصالح المعارضة، فإن الامر غير محسوم في هذه النقطة بطريقة نهائية، اذ ان معظم الاحزاب قد ارتكبت العديد من التجاوزات في العملية الانتخابية وان كان بنسب متباينة وأشكال مختلفة. وخبرة تجربة انتخابات المجالس المحلية والاستفتاء على التعديلات الدستورية تعزز صحة وجهة النظر هذه، ولا يمكن الجزم بأن المؤتمر فقط هو الذي مارس بعض الخروقات في هذه العملية. وفي المقابل، فإن هناك العديد من المؤشرات الدستورية والسلوكية التي تؤكد مضي اليمن قدما نحو ترسيخ تجربته الديمقراطي، والتباهي بها على المستوى الاقليمي والدولي، منها على سبيل المثال: 1) انتظام اجراء الانتخابات البرلمانية في مناسبتين الاولى في عام 1993، والثانية في عام 1997. 2) تعديل الدستور في عام 1994 بطريقة امنت للمواطن اليمني انتخاب رئيس الجمهورية بطريقة مباشرة، وفتح الباب على مصراعيه للراغبين في المنافسة اذا توافرت فيهم الشروط المطلوبة، في ظاهرة هي الاولى من نوعها على مستوى شبه الجزيرة العربية. 3) تقييد مدة رئيس الدولة بحقبتين يبلغ كل منهما سبع سنوات وفقا للتعديلات الدستورية التي تمت في فبراير 2001 (خمس سنوات وفقا لتعديلات 1994). 4) الاقرار الدستوري في تعديلات 1994 بأن التعددية السياسية اصبحت ركنا رئيسا من اركان النظام السياسي اليمني بعد الغموض الذي ساد دستور 1990، والجدل الذي ترتب عليه. 5) تدشين اول انتخابات رئاسية في سبتمبر 1999 توجت بانتخاب علي عبدالله صالح رئيسا للجمهورية اليمنية. 6) اصدار قانون السلطة المحلية في فبراير 2001، وإجراء انتخابات المجالس المحلية في فبراير 2001 في مؤشر يمكن اخذه على محمل الحد والمصداقية في الاتجاه نحو توسيع قاعدة المشاركة السياسية. ولا نبالغ اذا قلنا ان عجلة التطور السياسي في اليمن تسير قدما نحو الامام، بدلالة المؤشرات السابقة، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار حداثة التجربة في اليمن المعاصر. بيد اننا مع ذلك لا نراهن على ان اليمن قد وصل الى مستوى امثل في هذا المضمار، اذ ان التجربة ما زالت في مرحلة النمو وبحاجة الى المزيد من العناية، شأنها في ذلك شأن الوليد الذي يحتاج الى رعاية والديه، وهنا التجربة بحاجة الى رعاية احزاب السلطة والمعارضة معا وان كانت للمعارضة مصلحة اكبر في استمرارية التجربة وهو ما يعني انها يجب ان تتحمل مسئولية خاصة الى جانب احزاب السلطة في هذا المضمار. وبطبيعة الحال فإن الاستمرارية في التمسك بفكرة التعددية السياسية والحزبية هو العامل الرئيس الذي يعزز اي تجربة ويضفي عليها المصداقية لان الممارسة الحقيقية للمضامين السامية التي تتضمنها فكرة التعددية السياسية هي نتيجة تراكمات، وإذا استمرت التجربة على هذا النحو فإن الاستمرارية في ذاتها، مع الاستمرار في ارتفاع مستوى الوعي السياسي لدى المواطن اليمني، كفيل بمعالجة الاختلالات، واصلاح اي مظاهر للاعوجاج، وتلافي اوجه القصور الملازمة لها في هذه المرحلة. ونحن ما زلنا في بداية الطريق، ولدي اعتقاد راسخ اننا نتعلم من كل تجربة، وهذا التعلم سيعزز فكرة ممارسة انموذج اكثر تطورا للتعددية السياسية في المستقبل ان شاء الله. واجمالا وبالنظر الى طروحات كل طرف فإن ذلك في مدلوله يعني ان ثمة تبدلات وتحولات طرأت على المشهد السياسي اليمني غير انه من الصعب التنبؤ بهذا المشهد استنادا الى رتابته التي لم تكن لتشكل قطيعة مع اي من مراحله المتواترة وهو ما يترك تحديد ملامح التجربة الديمقراطية اليمنية استنادا الى ما ستفرزه السنوات المقبلة من تحالفات وتكتيكات خاصة خلال الانتخابات التي عادة ما يترتب عليها تقييم جديد لمسار الخيار الديمقراطي. صنعاء ـ عبدالكريم سلام: