تباينت الاراء واختلفت حول ما سمي بـ «حروب القرن الحادي والعشرين» وذهبت بعض آلاراء الى انها حسمت صياغات عديدة للسياسة الدولية الجديدة، بينما رأت آراء اخرى انها هدمت المفاهيم السياسية القديمة طارحة منظورا ومفاهيم جديدة ولا جدال في ان الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الامريكية اليوم ضد افغانستان تدخل في اطارات كثيرة، منها تأكيد الانفراد الامريكي بقيادة العالم، وتكريس نزعة التفوق العسكري والسياسي، فقد بات العالم رغم استهجانه لهذه الحرب، متفقا مع الولايات المتحدة على شنها. والمفهوم الذي اطلقته امريكا كمضمون او عنوان لهذه الحرب حمل ادعاء «ضرب الارهاب» لكن في كل احواله كان جزءا من مفهوم الإرهاب نفسه، فشن حملة عسكرية على بلد بدائي لا يملك اياً من مقومات التكنولوجيا العسكرية بتهمة تفجير أقوى دولة في العالم امر غير مقبول، وقد تأكد لدى الكثيرين انه امر مشكوك فيه تماما. عملية الاكراه التي مارستها الولايات المتحدة نفسها لاجبار الدول على اختيار المعسكر الذي تنتمي اليه ـ وقد انقسم العالم الى معسكرين ام ـ ر يندرج تحت مفهوم الارهاب، ونجد هنا ان الولايات المتحدة لم توفر وسيلة من اجل الضغط على دول العالم برمتها من اجل مجاراتها في مخططاتها وحربها. «بيان الأربعاء» توجه عبر مكاتبة في العواصم العربية الى عدد من السياسيين والمفكرين العرب والذين اختلفت رؤاهم الايديولوجية، بأربعة اسئلة شكلت محاور للتقصي واستطلاع الرأي، وارتكزت على: «حرب القرن» كما يسمونها.. حسمت صياغات عديدة للسياسة الدولية الجديدة.. هل يصح قول ذلك أم يصح عكسه؟ هل نستطيع القول انها غيرت مفردات السياسة التقليدية، وأين نضع مفردات الحقبة الجديدة؟ ماذا نسميها ايديولوجياً وسياسياً واستراتيجياً. هل يعني ذلك ان الدول العربية قد غيرت من عناصر سياستها اذ نشاهد تراجعا في المواقف العربية ازاء السياسة الدولية بمعنى تراجع عن اطرها الايديولوجية في رفض او قبول السياسة الدولية؟! وأخيرا، الموقف الحالي للدول العربية، حكومات تخشى ان تتورط في مواجهة مع الولايات المتحدة،كيف سيؤثر ذلك على مستقبل السياسة العربية وقضاياها وما هي انعكاسات ذلك على مستقبل المنطقة العربية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وتنمويا وجغرافيا؟ جاءت الاجابات على النحو التالي: د. هيثم الكيلاني: امتداد استراتيجي لحربين سابقتين الباحث المفكر الاستراتيجي السوري الدكتور هيثم الكيلاني رأى ان الحرب الامريكية في افغانستان ان هي الا امتداد استراتيجي لحربين بارزتين كانت الولايات المتحدة قد خاضتهما وقادتهما ضد الدول والشعوب المسماة العربية والاسلامية والنامية، وهي حرب الخليج الثانية التي نشبت عام 1991 وما تركت من اثار عميقة جدا على مجمل الوضع العربي، والثانية هي حرب البلقان التي استهدفت القضاء على آخر مظاهر الشيوعية في أوروبا. وتأتي الحرب الافغانية لاستكمال حلقات حرب الخليج الثانية وحرب البلقان وذلك لجهة تصفية حكايات قديمة حديثة مع الدول الاسلامية والتيارات الاصولية في الشرق الاوسط ووسط آسيا، فالمطلوب امريكياً القضاء على هذه الاصولية التي اخذت تشكل تحدياً سافراً بالنسبة للمصالح والاستراتيجية الغربية في مناطق الشرق الاوسط وجنوب آسيا وكذلك الجمهوريات الاسيوية التي كانت تشكل جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق. ويؤكد الدكتور الكيلاني ان الحرب الامريكية في افغانستان هي مجرد «بروفة» لسلسلة من الحروب اللاحقة التي تريد الولايات المتحدة خوض غمارها في اصقاع عديدة عن العالم الاسلامي، ويضيف انه اذا كانت احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة وقد وفرت لواشنطن الغطاء السياسي والايديولوجي والاعلامي المناسب لشن اوسع حملة ضد الارهاب فإن تلك الاحداث قد افرزت في الوقت نفسه سلسلة من التداعيات والتفاعلات التي بدأت تؤثر سلبيا على اوضاع العالم كله، فالعنوان البارز الآن هو اعطاء الاولوية لمكافحة الارهاب، اي التدخل الامريكي والغربي السافر في شئون الدول الفقيرة والشعوب المستضعفة وإعادة اخضاعها للإدارة الامريكية وفق سيناريوهات ومشاريع على درجة كبيرة من الخطورة. ويتوقع د. الكيلاني ان تؤدي هذه التطورات الى اعادة صياغة النظام العالمي الجديد وفق نمطية امريكية غربية مفتوحة على كل الاحتمالات والخيارات فلن تكون بعد اليوم اية مهادنة او مساومة مع الدول والشعوب التي ترعى الارهاب وتؤويه من وجهة النظر الامريكية وعليه فإن الولايات المتحدة لن تكتفي بفتح الملف الافغاني بل هي بصدد فتح ملفات اخرى اكثر خطورة وسخونة وهي ربما شملت ايران وكوريا الشمالية وحتى الصين ومن هنا يبرز حجم الاخطار الاستراتيجية المرافقة لهذه الحرب الامريكية. د. مصطفى البرغوثي: محاولة لتصفية ما تبقى من جيوب الحرب الباردة الدكتور مصطفى البرغوثي مدير معهد الدراسات العالمية في رام الله يرى باعتقاده ان ما يجري هو محاولة معقدة جدا للاستفادة مما جرى لتحقيق عدة اهداف سياسية. أولا هناك محاولة لتصفية الجيوب المتبقية من الحرب الباردة من قبل الولايات المتحدة، ثانيا هناك محاولة لاستخدام ما جرى من اجل فرض هيمنة اقتصادية، ثالثا هناك محاولة لفرض مكتسبات استراتيجية خصوصا في المنافسة الجارية بين الصين والولايات المتحدة وروسيا، وخشية الولايات المتحدة من الدور الكبير الذي يمكن ان تقوم به الصين في المستقبل، وكذلك المنافسة مع روسيا، لذلك هناك محاولة لتحسين المواقع على جميع الاصعدة، سواء من ناحية الاستفادة والتحكم في مصادر الطاقة «النفط» او السيطرة على المواقع الاستراتيجية جغرافيا والجيوسياسية ولفرض قواعد وانظمة على كل دول العالم، كل ما يجري عمله هو في المجال العسكري واستخدام القوة، ولم يجر التمعن بأسباب مشاكل العالم واسباب بؤر التوتر والنزاعات، وهذا لن يحدث اذ لم يتشكل تحالف دولي من اجل تطبيق القانون والشرعية الدولية وفرض شيء من العدالة في العالم، الجميع مشغول باللغة العسكرية وبالضربات العسكرية دون ان يولوا اي اهتمام كاف لمعالجة اسباب المشكلة وجوهرها، فالسبب الجوهري والمشكلة الرئيسية انقسام العالم الى شمال غني وجنوب فقير «فقراء واغنياء» بلدان تعاني من انعدام في التطور ويعيش سكانها تحت خط الفقر وهذا يشمل اكثر من نصف سكان العالم، فالمطلوب معالجة جوهرية واول مكان يجب ان يعالج قضاياه هو فلسطين حيث يجري خرق الشرعية الدولية والقانون الدولي كل يوم وتستخدم اسرائيل شريعة الغاب بفرض سطوتها على الشعب الفلسطيني، وما يجري لم يختلف كثيرا عن المسار العام للتاريخ من حيث الصراع بين القوى المختلفة ومحاولات الهيمنة لكي تفرض هذه الدولة سيطرة كاملة، وهذا شيء مماثل لما جرى في اوقات اخرى، ولكن نبقى نتامل ان يسود العقل والحكمة في العصر الحالي اكثر من غيره باعتبار ان ما جرى «مظاهر العولمة الجارية» يظهر ان العولمة لا يمكن ان تقتصر على جوانب واحدة وانما تشمل كل شيء، فلا يمكن ان يكون هناك عولمة للاقتصاد الرأسمالي وان لا يكون هناك عولمة للمشاكل الموجودة في العالم وهذا هو جوهر ما يجري والحقبة الجديدة هي حقبة تناقض كبير بين مظاهر العولمة والهيمنة عليها، هناك ثورة معلومات وثورة اتصالات ومعارف وتعليم في العالم وفي نفس الوقت هناك هيمنة على المقومات ومصادر الطاقة والخيرات في العالم وعلى الاقتصاد العالمي، هذا التناقض يجب ان يحل ولا يمكن ان يحل الا في اطار شيء من العدل والمساواة واقرار القانون الدولي واحترام حقوق جميع الشعوب واحترام حقوق جميع الحضارات، فموضوع البيئة لا تستطيع الولايات المتحدة اكبر دولة صناعية ومنتجة في العالم ان تحله وفي نفس الوقت هي الدولة الوحيدة التي ترفض توقيع تنفيذ المعاهدة التي تم الاتفاق عليها مؤخرا، لا بد من ان يكون هناك نوع من التوازن في المسئولية مثلما ان هناك نوعا في التوازن في توزيع الموارد. على الصعيد العربي، فأنا أرى ان الجانب العربي يفتقد للاستراتيجية الواضحة ويفتقد لرؤية استراتيجية متكاملة تجعله يدافع عن حقوقه ليس فقط عن القضية الفلسطينية وانما عن حقوقه ككيان عربي موجود له ايضا حقوق في العالم، العالم العربي مهمش ومستغل ولا يجري احترام حقوقه لانه لا يدافع عن نفسه بشكل كاف وفي هذه الحالة كان يجب ربط كل المواقف العربية بموقف صارم وحازم من مسألة الاحتلال الاسرائيلي واستمرار اضطهاد الشعب الفلسطيني، لو كان هناك تعاون وثيق بين الاطراف العربية وسياسة واستراتيجية متماسكة لكان الوضع العربي افضل في كل بلد من البلدان العربية بما في ذلك فلسطين. على صعيد المواجهة لا حاجة للمواجهة، من يريد ان يواجه الولايات المتحدة، لا احد يدعو للمواجهة مع الولايات المتحدة، فالعالم ليس اسود وابيض، اما ان تكون في مواجهة وصراع مع الولايات المتحدة او تكون منصاعاً لها، هذا غير وارد، فالعالم يتطلب علاقات اكثر تعقيدا بما فيها الدفاع عن الحقوق والمصالح وتكوين تكتلات اقليمية كبيرة هذا ما تفعله اليابان ودول غربية تعتبر نفسها حليفة للولايات المتحدة، ولكن الدول الغربية انشأت تكتلا اقليميا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا ضخما من اجل الدفاع عن مصالحها الخاصة، وهذا ما يحتاجه العالم العربي، فالعالم العربي ليس بحاجة الى ان يخوض صراعاً سوى مع الاحتلال الاسرائيلي والصراع مع التخلف والاضطهاد، والعالم العربي عليه ان يتكتل في كتلة اقليمية واضحة تدافع عن مصالحها الاستراتيجية ولا ان يكون مجرد منصاع في الحلبة الدولية او مهمش في الحلبة الدولية،حتى يتحقق ذلك فالمطلوب ايجاد استراتيجية عربية متماسكة وموقف ورؤية عربيين مختلفين وتكاتف وتدعيم، وليست حالة الضعف التي يعيشها العرب الان وانهاء الخلافات العربية من منطلق المصلحة القومية العربية المشتركة، وهذا يعني ان يتم الامر بشكل منهجي ومخطط وليس بشكل طاريء في بعض اللحظات او كردود افعال. ناجي علوش: لم يتغير شيء في السياسة الامريكية السياسي الاردني ناجي علوش نظر الى من يقول بأن هناك شيئاً ما تغير في السياسة الامريكية، وكان رأيه مناقضا تماما، فقال: علوش: ان السياسة الامريكية لمن يدرسها جديا لم تحرف عن مساراتها المعقدة منذ اوائل هذا القرن وبالتحديد منذ العام 1920 عندما خرجت من سياسة العزلة الى سياسة السيطرة الدولية الكاملة. وعلى هذا الاساس انا انظر لهذه السياسة، لهذا كنت دائما ارفض القول بأن شيئا ما اختلف او تغير في السياسة الامريكية. وربما في فترة من الفترات نلاحظ بعض الازاحات على انها ازاحات تتصل بالنواحي التكتيكية التي تخدم مصالحها الاستراتيجية وليس اي شيء آخر. انها سياسة واحدة لم تغيرها الاحداث بل يمكن ملاحظة بوضوح ان الاحداث الاخيرة التي جرت لأمريكا من حيث الاعتداءات على مدينتي نيويورك وواشنطن دعمت هذه السياسة وزادت من وضوحها وسطوتها على العالم، نظرا لقسوة ما جرى. وكما هو معلوم فإن السياسة الامريكية لا تنتظر ان تغيرها الأحداث كما نفعل نحن العرب بل هي التي تغير الاحداث وتصنعها وتزيحها الى اي اتجاه شاءت. وهذا ما تؤكده تطورات وتداعيات ما بعد 11 سبتمبر الماضي حيث عمدت الادارة الامريكية الى مزيد من فرض سماتها وتعقيداتها السياسية على الاحداث العالمية. ومن هذا المنطلق، كانت مشاركة الولايات المتحدة الامريكية في الحرب العالمية الاولى والثانية وضرب اليابان بالقنابل النووية. فحكومات الولايات المتحدة متحفزة دائما للهجوم والضرب العنيف والقاسي وغير المبرر اطلاقا، لأن ذلك جوهر السياسة الامريكية كذلك. انا اطالب العرب بكل جدية الى العمل على مزيد من دراسة السياسة الامريكية منذ بداية القرن وحتى الآن من اجل الخروج بنتائج حقيقية وجادة، فلا يجوز القول ان تلك الاحداث هي التي دفعت السياسة الامريكية الى التغيير، بدليل بسيط وهو ملاحظة سرعة تحريك الادارة الامريكية للجيش الامريكي سواء في مقابل افغانستان او غيرها من المناطق مما يعني ان شيئا معدا سلفا كان جاهزا للتنفيذ فور حدوث بعض ما كانوا يتوقعونه وان لم يكن بهذه القسوة، وأحب ان اؤكد ان ما نشاهده اليوم ما هو الا استمرار لجوهر السياسة الامريكية القائمة على العدوان والتوسع والضرب العنيف لاخافة العالم كله سواء الصديق منه او العدو. كما أشدد في هذا الجانب على ان السياسة الامريكية لا يمكن بأي حال من الاحوال اعتبارها سياسة عصرية وحضارية كما يحب البعض وصفها بل انها سياسة همجية وبدائية ومتخلفة ليس فيها من الحضارة الا التكنولوجيا، اي انهم بدلا من ان يقوموا بقتل البشر بالسيف او بما شابه فقد تطور الامر لديهم في هذا العصر ان قاموا بقتله عبر الصواريخ عابرة القارات. اريد مرة اخرى ان اكرر ان السياسة الدولية التي تترأسها الولايات المتحدة لم تتغير، وان القول بأن السياسة الامريكية قد تغيرت انما هو قول يهدف منه خداع الناس، بالضبط كما جرى بعد ضرب العراق، عندما قيل ان شيئا جوهرياً سيتغير في منطقة الشرق الاوسط وان سكان هذه المنطقة سينعمون بالسلام. وكان الهدف من كل هذا القول هو جذب المزيد من العرب سواء الرسميين او غيرهم من المفكرين والصحفيين وقادة الرأي العام الى الثقة بالسياسة الامريكية، وفي هذا الوقت ايضا هم يعمدون الى الاسلوب ذاته، وحسب الرد العربي فإن الخديعة التي وقع بها العرب بعد حرب الخليج سيقعون بها الآن ايضا، فالامريكيون يحاولون ان يفعلوا ذلك من اجل التستر على ضرب افغانستان بتقديم مجرد تلهية للعرب والمسلمين بأنهم يفكرون بلعب دور مهم يقوم على مراعاة مصالحهم سواء كان الامر فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وما قيل عن اعلان الدولة وما الى ذلك ولا استبعد ايضا انهم قاموا بتلهية الجانب الباكستاني ايضا لمجاراتهم في حربهم وهو يفعل الآن. انا كنت وما زلت ارى ان علينا ألا نثق بالسياسة الامريكية حتى لو قامت بتقديم ترضيات، فذلك للخداع ولا يجوز ان نتوقع ان يقدموا اي تأييد للمسلمين او للعرب بل سياستهم قائمة اساسا على فرض القوة ومعاداة العرب والمسلمين. سعيد ثابت: امريكا تخرج من عزلتها السياسي اليمني سعيد ثابت عضو الدائرة السياسية في تجمع الاصلاح اليمني قال: على الرغم مما يبدو للمراقب ان ثمة تأييد واسعاً للحملة العسكرية الامريكية ضد ما تسميه بالارهاب فإن لا احد يستطيع تجاهل حقيقة وجود تخوف عالمي من الاهداف المخفية للإدارة الامريكية من وراء هذه الحملة. ولا شك ان وضع الولايات المتحدة في الخارطة العالمية اليوم هي افضل من وضعها قبل 11 سبتمبر الماضي بعشرات المرات فهي قبل حادث مدينتي نيويورك وواشنطن كاد وضعها السياسي يتهاوى وكلنا يذكر كيف بدأت بقية دول الاتحاد الاوروبي والصين وغيرهما تتحرك للحيلولة دون استفرادها وهيمنتها على مسار الاحداث العالمية وتقرير مصير الكون ولاحظنا ان الدور الامريكي قبل 11 سبتمبر بدأ يتراجع في عدد من المحافل منها مجلس الامن وبقية المؤتمرات الدولية وعانت ايضا من عزلة خانقة في الوسط الاوروبي (رسميا وشعبيا) حين انسحبت من بروتوكول الانحباس الحراري وواجهت قيادة البيت الابيض احتجاجات صاخبة في الشارع السويدي والايطالي والكندي عند مشاركة الرئيس الامريكي للمؤتمرات التي انعقدت في هذه الدول. وما زلنا نتذكر جيدا ذلك التحدي الروسي والصيني لمشروع الدرع الصاروخي المضاد للصواريخ النووية بواسطة التهديد بانتاج صواريخ متعددة الرؤوس النووية في حالة اصرار ادارة بوش على تنفيذ مشروع الدرع.. ولم ينحصر ذلك التحدي على روسيا والصين وانما امتد الى عدد من الدول الاوروبية وكان من شواهد العزلة الامريكية التي عانت الادارة الامريكية منها مؤتمر دوربان بجنوب افريقيا وكيف فشلت في عملية ايلاء مشاريعها على اجندة المؤتمر كما كانت تفعل في المؤتمرات السابقة. وهكذا اتسم وضع الولايات المتحدة قبل 11 سبتمبر بحالة من الرفض والتمرد والتململ الدولي من الصلف والنزوع الامريكي نحو التفرد والهيمنة. بيد ان المرحلة التي اعقبت يوم الثلاثاء الدامي اتاحت للإدارة الامريكية هامشا جيدا من التحرك ونالت تعاطف دول العالم واستطاعت ان ترفع شعار من ليس مع امريكا فهو مع الارهاب وبالتالي وضع دول العالم تحت الهيمنة الامريكية غير ان الحرب ما ان بدأت حتى برزت مؤشرات غير ايجابية بالنسبة لصانع القرار الامريكي ويبدو ان ثمة معوقات ومصاعب تلوح الآن امام الادارة الامريكية وتتمثل بهذا الرفض الشعبي الضخم للضربات العسكرية وببداية تململ لبعض الانظمة والدول التي لمست ان تورطها في الدعم المطلق للحملة العسكرية سيكلفها ما سبق ان تكلفت به عقب حرب الخليج. ان من الصعب الجزم ان اولى حروب القرن الجديد ستحسم اي مفردة من مفردات السياسة الدولية، بل ان هذ الحرب ستؤدي في اعتقادي الى حلحلة بعض المفردات وخاصة ما يتعلق بالشرق الاوسط ومسألة قيام دولة فلسطين ولكن الشروط الامريكية ربما ستؤدي الى معالجات اكثر ايجابية لمستقبل الصراع العربي الاسرائيلي. وليس صحيحا ان بهذه الحرب ستتحول الامة العربية الى مجرد متلق، كما ان احداث 11 سبتمبر اثبتت عدم صحة مقولة فوكوياما التي تتحدث عن نهاية التاريخ ومرحلة ما بعد الايديولوجيا، إذ ان هذه الاحداث اثبتت ان البشرية ما زالت تعتنق افكار ومباديء وعقائد رسلها ومصلحيها وبالتالي فإن سنن الكون والمجتمع تقول بضرورة (التدافع) وليس الصراع وصراع الحضارات بحيث ان مسيرة البشرية في هذا القرن الجديد لن تكون خالية من الحروب والصراع كما كان يبشرنا بوش الاب بالنظام الدولي الجديد الذي اثمر حروبا طائفية وعرقية في مختلف دول العالم وخاصة دول البلقان ولكن سيكون الى جانب ذلك تنامي وتعاظم انصار حوار الحضارات الذين يسعون الى تقريب وجهات النظر بين الحضارتين الرئيسيتين الغربية والاسلامية اذ ان احداث 11 سبتمبر ادت الى هزة عنيفة في المجتمع الغربي ليلتفت الى واقع المسلمين الذي عانى الأمرين من السياسات الاستعمارية لقادة الغرب وأساءوا الى علاقات شعوب الامة العربية والاسلامية مع الشعوب الغربية. د. محمد السيد سعيد: نحن أمام مرحلة مختلفة الدكتور محمد السيد سعيد من مصر يلتقط تفاصيل هذا المشهد وانعكاساته على العرب والمسلمين فيشير الى ان هناك قدرات مادية تتفوق فيها الولايات المتحدة تفوقا مطلقا، ولكن ليس الأمر ما تملكه الولايات المتحدة وحدها، ولكن الأمر ما يمتلكه الآخرون؛ ليس فقط قدرات مادية، ولكن أيضا قدرات معنوية. وبالتالي إذا وصلنا الآن إلى حالة من بلورة نظام دولي جديد تدخل فيه المعايير المعنوية بدرجة أكبر، والقيم الدينية بدرجة أكبر، نحن أمام مرحلة مختلفة عما كان عليه الوضع قبل 11 سبتمبر. ربما جاهد الكثيرون ليلفتوا النظر بأن هذا العنصر المعنوي عنصر مؤثر ومهم، ولكن كان يؤخذ هذا الموضوع بدرجة عالية جدا من النقد، وأن هؤلاء الناس لديهم درجة كبيرة من العاطفة، أو شيء من اللاعلمية، أو شيء من هذا القبيل. و أتصور أنهم بدأوا يدركون أن هذا الموضوع حقيقي، وله دور، وله تأثير. فنجد الأفغان الذين لا يجدون الأكل أو الشرب أو المأوى يتحدثون أنهم سيحاربون الولايات المتحدة، وأنهم في انتظار الجيش الأمريكي كي يحاربوه، وأنهم استطاعوا من خلال عقيدتهم وظروف معينة أن يهزموا إمبراطوريتين سابقتين؛ فلماذا لا تكون الكرة على أمريكا؟ وهذا العنصر سيدخل ضمن مكونات النظام الدولي، وأي تجاهل له سيكون تجاهلا لمحرك يفرض نفسه. يأتي شيء آخر مهم، ولكنه لم يتطور، ولكن بمرور الوقت سيتطور، وهو قوة العقيدة. أقصد القول: إن هناك عدم إدراك كامل لدى الغرب، ولدى الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا، ولدى مراكزها البحثية ومؤسساتها السياسية بما يعنيه الإسلام عند الإنسان البسيط. وهناك تحت الأرض من الناحية المنطقية مجموعة من التحالفات التي قد تحدث بحكم الواقع، وقد لا نراها نحن كمحللين أو باحثين أو إستراتيجيين وفي أحيان كثيرة جدًا في لحظات غطرسة القوة وفي لحظة ما، وبمرور الوقت، مثل هذه الأمور الصغيرة قد تتحول إلى أمور كبيرة، و أرى أن الحرب نتيجتها سوف تحدد إلى أين يسير النظام الدولي. فهناك تداعيات مباشرة سوف تطرأ على الأوضاع الإقليمية والدولية فعلى سبيل المثال، نتصور ماذا لو انفرط عقد باكستان؟ ماذا سيحدث ونحن أمام خريطة جديدة تتشكل؟ لماذا لا يكون هناك بلورة تحالفات جديدة سوف تحدث في هذه المنطقة، وقد تقود الولايات المتحدة لطريقة لم يفكر فيها أحد من الغرب أو حتى الولايات المتحدة نفسها؛ فنحن أمام منطقة غامضة مفتوحة أمام جميع الاحتمالات، وأتصور أن أحد هذه الاحتمالات أن النموذج الذي كانت تسعى إليه الولايات المتحدة من عولمة اقتصادية تقنية إلى عولمة شاملة به جزء عسكري، لن يكتب له النجاح، ولن يكون له مكان؛ لأن هذه النوعية من العولمة أكبر بكثير من قدرات وإمكانيات الولايات المتحدة، حتى ولو كانت تملك ربع اقتصاد العالم، و25% من التجارة العالمية، و90% من التقدم التكنولوجي الموجود في هذا العالم. وهناك غياب في الرؤية حتى على الأصعدة المحدودة في المؤسسات الفكرية وغيرها.. فالحصاد هو ارتباك وفوضى فى الرؤية.. والتأثيرات تلوح لنا من بعيد لكنها لم تستقر على شكل أو ملامح.. لكن الأكيد أن كل هذه الانقلابات ستترك أثارا غائرة فى وجه العالم.. وستكون آثارها أكثر عمقا فى العالمين العربى والإسلامى. د. وليد عربيد: حرب نيوليبرالية الدكتور وليد عربيد استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية واستاذ محاضر في معهد الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية في باريس قال: مما لا شك فيه ان الحرب القائمة في بداية القرن الواحد والعشرين برزت بمفردات جديدة وهي حرب النيوليبرالية في العالم ضد حالات معينة يجب العودة الى كتاب فوكوياما سنة 1990 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والذي قال ان نهاية التاريخ قد حصلت بنهاية المنظومة الشيوعية. بعد عشر سنوات نرى هذا الكاتب الامريكي يعود من جديد ليؤكد ان هناك حرب التمايز او حرب الفرضية الاخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه هل ان حرب الثقافات او حرب الحضارات قد بدأت فعليا؟ على ما اعتقد بان العالم لا يبنى في رسم الخريطة الجديدة على ذلك وان المؤرخ الامريكي فوكوياما يلتزم بشعور شوفيني، وهذه العقدة كونه على ما اعتقد من اصل ياباني ويحاول اعطاء الدور الامريكي دورا اكثر فأكثر في العلاقات الدولية. فحتمية الصراع في الوقت الحاضر ليست بين النيوبرالية على انقاض الانظمة الفكرية الاخرى في السياسة. فوكوياما يقول ويشير الى ان النيوليبرالية في قيادة الولايات المتحدة الامريكية استطاعت ان تفرض نفسها بعد سقوط الايديولوجيات الاخرى منها الفاشية والشيوعية. وهذه النظرة الجديدة في بداية القرن في فكر الامريكيين تتزامن مع احادية النظام ورسم لخريطة استراتيجية جديدة سياسية واقتصادية وحتى عسكرية للولايات المتحدة الامريكية. اذا نظرنا في العمق نرى ان هذا النظام الجديد الذي تحاول رسمه الولايات المتحدة هو على نقيض النظام العالمي الذي رسمه جورج بوش الاب بعد حرب الخليج (الثانية) واجتياح العراق لدولة الكويت. ويبادرنا سؤال هنا: هل ان الحرب ضد ما يسمى بالارهاب هو سياسة لتكوين تكتل عالمي جديد بمفردات سياسية جديدة احداها النيوليبرالية او الليبرالية الجديدة؟ وما هي نتائج العملية في ردة الفعل في شوارع العالم وزوايا اخرى منه، وخصوصا في الشارع الاسلامي في الدول الاسلامية غير العربية؟ وهل يجب في اطار صراع الحضارات ان تتحلى الولايات المتحدة الامريكية بسياسة انسانية داخل هذه الليبرالية الجديدة، وداخل العولمة الجديدة فلا تكون العولمة متوحشة في قمع الحضارات والثقافات الاخرى؟ ويجب ان تكون الليبرالية في عالم المفردات الجديدة اكثر انسانية على ان لا تقع هذه النظرية الجديدة في ما حصل في نظرة الشيوعية فالشيوعية الماركسية حكمت الاتحاد السوفييتي سبعين سنة وسقطت لحالها. فهل ستكون تلك النظرة مادة اساسية لانهيار ما يسمى بالامبراطورية الامريكية فيما بعد؟ لذلك اعتقد ان العالم العربي والعالم الاسلامي بالتحديد كان ضد الارهاب، وندد بعملية 11 سبتمبر الماضي فالمفردات الجديدة يجب ان تكون عبر ليبرالية اكثر انسانية في عولمة انسانية لا متوحشة ومهيمنة على الثقافات والحضارات الاخرى. على صعيد العالم العربي فهو محكوم باطاره الاستراتيجي ونلاحظ ان يرتكز الى حضارة وثقافات غنية عبر التاريخ اضافة للموقع الاستراتيجي داخل القارات الثلاث. فالعالم العربي في قلب اي طريق بين اوروبا واسيا وفي اي طريق اوروبي افريقي، فهذا العالم يرتكز الى محاور استراتيجية منها مضيق جبل طارق، قناة السويس، باب المندب، والخليج العربي، هذا يفيد بأن الوضع الاستراتيجي للعالم العربي يحتم عليه ان يتصدى للهجمة الدولية، بحيث يتمكن من ان يأخذ وضعه داخل المنظومة الدولية بقوة، خاصة وأنه يرتكز الى التاريخ الحضاري خاصة اذا ادركنا ايضا الاهمية في ان الهدف الاستراتيجي للعالم العربي يكمن في العربي الاسلامي (يعني مليار نسمة). نعود للانظمة العربية، هذه الانظمة هي غير الشارع العربي، هناك حكومات عربية متواجدة تخاف على مصالحها وهناك شارع عربي لا يستطيع ان يعبر حتى الآن عن تطلعاته نحو المستقبل. خصوصا ان العدو الشرس الذي يواجه ذلك العالم هو اسرائيل المتغلغلة في انظمة العالم، خصوصا العالم الغربي في الولايات المتحدة، وفي اوروبا هناك موجود الفكر الصهيوني عبر علاقة اسرائيل بهذه الانظمة. لذلك يجب ان يتوجه العالم العربي الى عوامل استراتيجية جديدة هي تطوير برامج التنمية والانماء، اقامة سوق عربية مشتركة، التفاعل الحضاري والاقتصادي في ما بين العربية حتى يتم التصدي لهذه الهجمة النيوليبرالية وأن يكون حوار الثقافات اكثر اقلمة ويكون مفهوم العالم العربي على اساس ان مجموعة دول لديها فكر انفتاحي نحو رؤية مستقبلية جديدة. في القرن الماضي كانت الولايات المتحدة تؤكد على ثلاث نقاط اساسية هي: النفط، تطويق الاتحاد السوفييتي، وحماية اسرائيل، الآن رحل هذا الاتحاد، ولم يبق الا النفط واسرائيل لجهة امنها. هنا يجب على الانظمة العربية ان تعطي قدرا من الحريات والدفاع عنها، وان تكون لديها نظرة استراتيجية لتطويق الفكر الاستراتيجي الاسرائيلي الذي يشكل عائقا لاي تطور في العالم العربي من المحيط الى الخليج. يجب ان نركز على تطوير الفكر العربي الاستراتيجي وانشاء مؤسسات عربية ترتكز على الديمقراطية والحرية حتى يتوجه العالم العربي الى القرن الذي نحن فيه باستراتيجية متماسكة تربط الشعوب بالانظمة، والصوت الحقيقي للانظمة يجب ان يكون ارادة الشعب العربي. د. علي الجرباوي: مرحلة هلامية ولزجة والدكتور علي الجرياوي محلل سياسي ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة بيرزيت يرى اننا سنشهد تغييرات في اسس السياسة الدولية القديمة ويقول: لا يوجد هناك استتباب لنظام دولي جديد حتى الان، هناك مرحلة تشكل لعلاقات دولية جديدة، الان هي في بداياتها ولكن لم تحسم امورها حتى الان، ومنذ اللحظة حتى تستقر الامور السياسية ستشهد الساحة الدولية تغيرات، لكن لا احد يعرف الى اين ستقودنا المرحلة المقبلة، ولكن مرحلة احادية القطبية التي كانت الولايات المتحدة تستأثر بها في العالم، نتيجة التحالف الجديد سيظهر هناك تحالفات جديدة، مراكز قوى جديدة في العالم ومراكز قوى اقليمية جديدة، ولكن المرحلة المقبلة هي مرحلة «لزجة» وهلامية. وتغير المفردات السياسية هذا سيكون نتيجة تغير في قوة اثر اللاعبين الدوليين منذ اللحظة فصاعدا، هناك سيكون الى جانب الدول المهمة في السياسة الدولية، فالمرحلة المقبلة ستكون لاعبين دوليين من خارج نطاق الدول المهمة، تحالفات، ومؤسسات مختلفة من مؤسسات المجتمع المدني وغير حكومية، وسنشهد اثراً للاقتصاد في العلاقات الدولية «البترول، والايديولوجيات كالاسلام»، هناك لاعبون سياسيون سيتخطون نطاق حدود الدولة الى عولمة من نوع جديد «الافكار» عولمة للصراعات، وعولمة للاعبين غير الحكوميين، سيشكلون تأثيراً كبيراً في السياسة الدولية المستقبلية.ولا نستطيع الان ان نتحدث عن نظام دولي جديد، ولكن هناك بداية لتشكل علاقات دولية جديدة لا نستطيع ان نطلق عليها اسما الان، وهذه العلاقات ادخلت الوضع السياسي في حقبة جديدة ومستقبلية غير قادر على اطلاق اسم لها. أما الدول العربية فهي تحاول التأقلم مع وضع دولي جديد، وهناك فرصة امام الدول العربية من اجل طرح قضاياهم المهمة، ولكن المهم ان العالم سيشهد تكتلات دولية جديدة، لم يعد بالامكان في المرحلة المقبلة ان تتابع الدول منفردة سياساتها وان تنجح في هذه المتابعة، المفروض ان يكون هناك تكتلات ولذلك مطلوب من العالم العربي والدول العربية ان تسعى لايجاد تكتل عربي لطرح القضايا العربية المزمنة بشكل جماعي، فالشكل الفردي في مستقبل الدول «فالدولة التي تعمل منفردة ستكون ضعيفة من عمل الدول المجتمعة، تكتلات وتشكيلات وتحالفات».فعلى العرب من اجل ان يستطيعوا مواجهة الوضع الجديد عليهم تكوين تكتل عربي على اسس جديدة ومتينة يمكن ان يكون التكتل من خلال الجامعة العربية وتقويتها بهدف طرح القضايا العربية على العالم بشكل مختلف عما سبق. العالم اصبح مركباً ومعقداً في علاقاته، من ناحية مفتوحة اكثر المعلومات تنتقل بسرعة، هناك تشابكات ما بين الاوضاع الداخلية والخارجية، فالنظم السياسية العربية ستواجه ضرورة اجراء تحولات في علاقة النظم السياسية مع الشعوب العربية، هناك حاجة ماسة الان لايجاد تواصل ما بين النظم الحاكمة مع الشعوب عن طريق دمقرطة الحياة السياسية العربية، فلا تستطيع الدول مع هذا الكم الهائل من المعلومات الجديدة واختراق الحدود ان تبقى تعيش بشكل منعزل ومنغلق عن التطورات الموجودة في العالم، والذي يقوي الموقف داخل كل دولة عربية وبين الدول العربية مع بعضها البعض هو دمقرطة الحياة السياسية العربية. د. طيب تيزيني: وباء سياسي المفكر والباحث السوري المعروف الدكتور طيب تيزيني يخضع كل ما يجري لنظام العولمة الذي اخذ يشكل في اعقاب انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي ويقول: في اطار نظام العولمة وبعد ان تمكنت الولايات المتحدة من احكام قبضتها السياسة والاقتصادية على غالبية دول العالم وجدت ان الوقت اصبح مناسبا جدا للانتقال الى المرحلة التالية وهي شن الحروب والانقلابات العسكرية المبرمجة ضد الدول والشعوب والحركات التي ترفع شعارات دينية وتحمل ملامح ايديولوجية اسلامية والسبب يعود الى انه امريكا ومعها كل الدول الغربية على قناعة راسخة ان لابد من ايجاد عدو بديل للشيوعية والاتحاد السوفييتي السابق وبالتالي فإن مقولة الربط بين الارهاب والاسلام اصبحت هي الوسيلة المثلى لتنظيم وقيادة الحملات العسكرية في دول فقيرة ومستضعفة مثل افغانستان وغيرها . ويرى د. طيب تيزيني ان هذه المظاهر العسكرية والاستراتيجية ليست إلا تغييراً واضحا عن عزم الولايات المتحدة على نشر نظام العولمة الجديد في كل انحاء العالم ويضيف ان دور المفكرين والمثقفين يزداد هجمة وخطورة في مواجهة مثل هذه التطورات وايجاد البدائل الفكرية والايديولوجية لما يجري فالنظام الذي تتزعمه امريكا يريد ابتلاع كل شيء والسيطرة على الدول والافراد بطريقة شاملة ولا تترك اي مجال لاتخاذ اية قرارات وطنية وهذا يعود الى نوع من الكارثة بالنسبة لبلدان العالم الثالث التي تجد نفسها الآن غير قادرة على تحديد وبلورة ارادتها وخياراتها على هذا الصعيد لان الضعف الامريكي والغربي قد وصل بالفعل الى درجة عالية من الاستقطاب والعدوانية، فمن خلال حملة وشعارات مكافحة الارهاب تمارس الولايات المتحدة اكبر واوسع انواع الارهاب في العالم، والمفارقة ان هذا التحرك الامريكي يحظى بدعم ومساندة معظم دول العالم حتى يكاد الامر ان يتحول الى نوع من الوباء السياسي او الطاعون الذي تريد امريكا القضاء عليه. د. عدلان الحاردلو: سياسة ومواقف مزدوجة المعايير الدكتور عدلان الحاردلو خبير استراتيجي ومدير دار النشر بجامعة الخرطوم يقول أن العالم بعد تاريخ الحادي عشر من سبتمبر الماضي لن يكون كما كان قبل هذا التاريخ، فبعد نهاية الحرب الباردة وسقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي وبالتالي نهاية المواجهات الايديولوجية والعسكرية بين القطبين الرئيسيين. وما كان احد يتصور ان شرارة حرب القرن الحادي والعشرين سيشعلها هجوم يقع على الولايات المتحدة الامريكية ذو طبيعة جديدة ومخالفا لكل تاريخ الحروب، هجوم ذو محتوى سياسي ينفذ بغير الاساليب السياسية ويستهدف ركائز القوة الامريكية الاقتصادية متمثلة في مبنى التجارة الدولية والقوة العسكرية متمثلة في وزارة الدفاع الامريكية، وهو ما لم تتصوره امريكا نفسها. الواضح ان معظم الدول العربية قد شجبت ما حدث للولايات المتحدة الامريكية باعتباره عملا استهدف المدنيين الذين لاذنب لهم ليدفعوا ثمن سياسات الولايات المتحدة الخارجية غير الاخلاقية ذات المعايير المزدوجة التي لا تتفق مع القيم التي تطرحها الولايات المتحدة من داخلها، وتبرز القضية الفلسطينية مثالا لازدواج المعايير في سياسة امريكا. ويحسب لمصر موقفها الجيد في ربط هذه الاحداث بضرورة حل قضية الشرق الاوسط.. واذا كان هناك تراجع من بعض الدول العربية وعجزها عن انتهاز هذه الفرصة والضغط على الولايات المتحدة لحل القضية الفلسطينية فإن الشعوب العربية كلها والمسلمين في ارجاء العالم الاسلامي يرفضون الاسلوب الذي تمارسه امريكا ضد افغانستان اذ ان الحرب سوف تولد ارهابا جديداً قد يطال الغرب وليس أمريكا فقط. د. مأمون التميمي: 11 سبتمبر رصاصة في قلب عملاق والدكتور التميمي مقرر لجنة تقصي الحقائق في المجلس الوطني الفلسطيني، وهو يقول: اولى حروب القرن كما يطلقون عليها لن تغير مفردات السياسة التقليدية فحسب بل هي بالفعل غيرت كل معطيات السياسة العالمية بصورة كاملة وهذا التغيير لن يكون مقتصرا على السياسة لان السياسة يرتبط معها عدة ملفات منها الاقتصاد والشئون الاجتماعية فامريكا الآن تؤرخ لنفسها ما قبل 11 سبتمبر الماضي وما بعده . دون شك ان الاحداث التي حصلت لن نلمس اثرها هذه الايام فقط بل انا متأكد ان اثرها سيلمس باطراد كلما تقدم الزمن، لقد ضربت امريكا في عقر دارها بمقتل وهذا المقتل من الطبيعي ان يكون اثره على كل امريكا ومن ثم على العالم بأسره فليس المفردات السياسية سوى انعكاسات للواقع السياسي الكائن فإن تغير هذا الواقع السياسي تتغير مفرداته. ان ضربة 11 سبتمبر الماضي يمكن تشبيهها برصاصة اطلقت على قلب عملاق فاصابت منه مقتلا، فلم تعد قوة ذلك العملاق كما كانت قبل تلك الطلقة التي تسببت في استنزاف دمه، وذلك لان اقتصاد العالم عاموده الفقري في امريكا، ولب ذلك الاقتصاد قائم في العاصمة الاقتصادية لامريكا نيويورك وقلب ذلك الاقتصاد في مركز التجارة العالمي او في العمارة التوأم اي يعني انه تم تدمير ذلك القلب فنتج عن ذلك فراغ في العقل الاقتصادي. وحينما ينهار الاقتصاد الامريكي سينهار معه الاقتصاد في العالم، وعندها سينعكس هذا الامر على شيئين اساسيين اولا: على السياسة العالمية وثانيا على الحياة الاجتماعية، فأمريكا عندما تصبح دولة دون امكانيات اقتصادية مبهرة ستندفع اوروبا للبروز في الواجهة. وحينما تعالج امريكا وأوروبا اسباب الارهاب لابد ان تتغير المعادلات السياسية في الشرق الاوسط، لان الربط ما بين الشرق الاوسط وقضاياه وما حدث في امريكا ربطا تكويني لمسببات الارهاب، وهذا ما قاله الذين اتهموا بأنهم وراء تلك الهجمات. ومن هنا ستخرج كلمة الحليف الاستراتيجي لامريكا من قاموس السياسة الامريكية اجلا ام عاجلا وذلك لان امريكا لا تقبل هي وشعبها ان يكونوا ضحية من اجل اسناد دولة خارجة على كل القوانين الدولية وسيتبلور حل للقضية الفلسطينية خلال الاشهر الثلاثة المقبلة على حد توقعي. وعلى صعيد اسرائيل وتهشم علاقاتها بأمريكا فأنا لا اعتقد ان اسرائيل مازال لها الكلمة العليا في واشنطن لقد كان هذا قبل الضربات صحيح، ولكن بعدها اعتقد ان اسرائيل اصبحت عبئاً سياسياً واقتصادياً وامنياً واستراتيجياً على امريكا والدول الغربية. وهذا العبء امام انهيار اقتصادي رهيب جداً في امريكا لن تسمح الادارة الامريكية ان يستمر طويلاً، وعلى هذا الاساس فسيكون تغيير استراتيجي مع قضايا العالم العربي والاسلامي، بمعنى ان امريكا تتعامل مع العالم العربي والاسلامي جزء كامل لا يتجزأ حتى لو اعلنت غير ذلك. بدليل انها قبل الضربة قام مسئولوها وكذلك المسئولون الاوروبيون بزيارة كامل الدول العربية والاسلامية لاخذ موقف سياسي منها مقابل اعطاء بعضها صفقات سياسية واقتصادية، ثم ان القائمة التي اخرجتها الاجهزة الامنية الامريكية لاخطر عشرين ارهابياً في العالم هي تشكيلة وخليط لمعظم الدول العربية والاسلامية. كل الدول العربية والاسلامية، تشعر ان قضايا العالم الاسلامي اصبحت موحدة ومشاعر الشعوب الاسلامية واحدة ومحركها واحد، وهذه قيمة الهزيمة السياسية الامريكية التي عملت خلال خمسين سنة مضت على تفتيت العالم الاسلامي وتفريقه، وتفريق مشاعر شعوبه الى اجزاء، وضرب احزابه بعضها ببعض، وتخريب معتقداته السياسية، الا ان النتيجة في عام 2001 ان العالم الاسلامي مازال جسماً واحداً وعلى هذا الاساس سيطرح مصطلح سياسي بمفهوم واقعي وحقيقي وهو العالم الاسلامي، بوزنه السياسي، سيفرض نفسه على كل المعادلات السياسية التي تدور في العالم. اما بالنسبة لحصار العراق فانا اعتقد ان امريكا الان لابد لها، مستقبلاً، من ان تفتح حواراً كبيراً مع العراق، من اجل رفع الحصار عنه، فانا ضد الذين يقولون بان بغداد ستتعرض الى ضربة ولكن امريكا هددت العراق حتى لا يعمل العراق على افتعال اضطراب سياسي في المنطقة في هذا الوقت. وعلى هذا الاساس، فاني اعتقد ان هذه الضربة ستنتهي ثلاثة مفاهيم سياسية مستقبلاً: اولاً العولمة.. وثانياً الحليف الاستراتيجي لامريكا وهي اسرائيل.. وثالثاً ستنهي الغطرسة الامريكية التي تتعامل بها امريكا لحل مشاكل العالم. من هنا اقول ان المفردات السياسية في العالم ستتغير حتماً وقلت ان الحليف الاستراتيجي قد خرج وان النظام الدولي سيكون اثراً بعد عين وان العولمة في طريقها. اما انعكاسات الموقف السياسي بسبب الموقف الحالي للدول العربية فهو مرهون بنجاح امريكا او فشلها في القضاء على اسامة بن لادن وكافة افرازاته في العالم بمعنى ايقاف كل اعماله هو وتنظيم القاعدة حتى يعود الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والامني الى العالم. واقول ان الادارة الامريكية حتماً في ظل تلك المعطيات ستغير موقفها السياسي مع العالم العربي وقضاياه واتوقع ان يكون ذلك بشكل ايجابي، حتى لو كانت المنطقة مقبلة على وضع اقتصادي مظلم وذلك ان الاقتصاد العالمي مترابط. بعد 11 سبتمبر تغيرت كما قلت كل استراتيجيات العالم بجميع مستوياتها، السياسية والعسكرية والامنية والاقتصادية والتكنولوجية. اما على الصعيد السياسي فاتضح لامريكا ان التهور والتطرف في معالجة القضايا السياسية العالمية دون منطق سليم لا يؤدي الا الى تهور وتطرف اشد منه، فأمريكا كما قلت لا تسمع النصيحة من اقرب المقربين لها من حلفائها وكانت لا ترى الا من خلال عيون دولة اسرائيل ولا تسمع الا من خلال اذان اليهود اما الان فالوضع قد اختلف. اما على صعيد الرد العسكري، فقد كان معروفاً استرايتجياً انه لا يستطيع أحد ان يضرب امريكا او يقاتلها او يتحداها وذلك لانها تسيطر على الجميع حتى انها تسمع دبيب النمل في اي جحر، وكان من غير المنطق او المعقول ان يخرج فرد او حتى فئة او دولة لا تتساوى امكانياتها مع دولة امريكا، ولا حتى 1 بالمليون لتصبح نداً لها. د. احمد يوسف احمد: ردة فعل لسياسة الغرب الدكتور احمد يوسف احمد استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ورئيس معهد الدراسات العربية، ويقرأ المشهد العالمي من زاويته الثقافية والفكرية قبل السياسية البحتة فيقول: ـ ان التوازنات الدولية وتطورها عبر هذا العقد، لها آثارها وانعكاساتها على وضع الأمة الإسلامية في النظام الدولي من حيث مدى كونها موضوعا للتفاعلات الدولية وساحة اختبار التوازنات الدولية من حولها، من حيث طبيعة مصادر التهديد الجديدة المحيطة بها، والتي بالتدريج يتضح أنها لم تعد فقط مصادر التهديد العسكرية والاقتصادية التقليدية، ولكن يزداد بروز أبعادها الثقافية والحضارية بدرجة كبيرة الآن، هذه الأبعاد -من وجهة نظري- مبدئيًا الآن تتجسد وتترسخ سواء فيما يتصل بمصادر التهديد التي يدركها الغرب بأنفسهم، أو مصادر التهديد التي ندركها نحن بأنفسنا، أو طبيعية الخطاب العالمي: الرسمي وغير الرسمي؛ الغربي وغير الغربي، وهو ما يجرى الآن حول أسس جديدة لتقسيم العالم وتقسيم أنماط الصراعات. ـ والسؤال هو هل نصل إلى أن النظام الدولي سيكون في صراع واضح وصريح مع ما يسمى بالأمة الإسلامية، أو الحضارة العربية الإسلامية، أو الحضارة الإسلامية في مواجهة حضارة غربية (مسيحية)؟ ـ هذه النقطة تثير الالتباس عندنا وعندهم. وعلى سبيل المثال، من جانبهم -كما أتصور اليوم- العديدون يتكلمون عن شيء واحد، وهو محاولة اكتشاف العالم الإسلامي وما فيه من قيم تجاه الآخر الغربي، إذ بدأ (الغرب) يدرك أنه لم يكتشف بعدُ كل مكونات العالم الذي كان يريد أن يصبح قوة إمبراطورية مهيمنة عليه، وأن هناك فجوات وثغرات على الصعيد الأممي، وثغرات على صعيد التجربة الداخلية في معرفته بالآخر، وبالتالي أتصور أن هذا المشروع الذي كان يتم الترويج له كانت هناك محاولة لتجسيده على النظام الدولي غير قابل أن يستمر بالمنهج القديم. ومن واقع هذا المنظور فإن هناك أهدافا سياسية لما يجرى، وتأثيرات لا يمكن تجاهلها وهى أهداف السياسات التقليدية لإعادة تشكيل توازنات القوى في آسيا (مصير باكستان - مصير التحالف الروسي الإيراني - مصير التحالف الصيني الباكستاني).. حيث ستتم إعادة تشكيل المنطقة التي جاء عليها الدور بعد أن قامت الولايات المتحدة بإدارة إعادة تشكيل البلقان، وإعادة تشكيل المنطقة العربية. إلى جانب هذه الأهداف (توازنات القوى التقليدية المتصلة بآسيا ووسطها وقزوين) هناك أهداف حضارية وثقافية أخرى متصلة بمسلمي الغرب. ويبدو أن الحرب الجديدة ستنعكس بتأثيرات مختلفة عن سابقاتها من الحروب وفق رأى الدكتور أحمد يوسف، فخلال عقد من الزمان من انتهاء الحرب الباردة جاءت هذه المحطات الثلاث الكبرى بكثير من الدلالات على حقيقة التوازن الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ولكن يكفي القول بأن هناك مقولة أساسية، وهي خروج النظام الدولي وعلى رأسه دولة عظمى وحيدة، وخروج النظام الدولي وعلى أجندته مجموعة من القضايا، ليست القضايا العسكرية الأمنية التقليدية، ولكن مجموعة من قضايا جديدة، وكان على رأسها ما يُسمى بالإرهاب وانتشار الحركات الإسلامية، وأسلحة الدمار الشامل، وهكذا. وبالتالي فإن حرب الخليج وحرب البلقان، قدمتا بالنسبة للتوازنات الدولية مجموعة من المؤشرات حول مدى تمتع الولايات المتحدة الأمريكية بالفعل بوضع القوة العظمى الوحيدة في العالم، وقدمت مؤشرات أخرى هامة، إلى ما أضحى عليه وضع العالم الإسلامي والأمة الإسلامية في النظام الدولي. فبعد مرحلة الحرب الباردة كان الشخص يستطيع التصور أن أمريكا تتحسس ما هو نوع النظام الدولي المفروض أن تقوده هي؟ وهذا سؤال أول، والسؤال الثاني: ما هو دورها في هذا النظام؟ بمعنى فكرة الدولة العظمى في نظام متعدد، أم وضع الدولة المنفردة الأحادية التي تحكم في نظام دولي، أم أن تصبح دولة إمبراطورية؟، هيمنة من خلال نظام دولي، أم هيمنة من خلال نظام إمبراطوري إمبريالي لا يوجد فيه سيادات أخرى غيرها؟ المؤشرات في هذه الفترة كانت تقول عدة أشياء رأيناها جميعًا أهمها تقوية الدولة الأمريكية وإضعاف الدول الأخرى و إعادة ترتيب الدول في النظام الدولي و فرض النموذج الأمريكي و ركوب موجة العولمة وممارسة «الغطرسة» كقضية وسلوك، وليست مجرد مصطلح إعلامي أمريكا في 10 سنوات ـ وخاصة الخمس الأخيرة منها ـ لم تحترم القانون الدولي في أي شيء، بالعكس رفضت دفع أنصبتها للأمم المتحدة إلى وقت قريب جدًا، وتحكمت في البنك والصندوق الدوليين، وأصبحت إداراتهما أمريكية؛ فلم يعد هناك شيء اسمه «نظام دولي» بمعنى نظام دولي بمؤسسات