يتساءل المواطن في منطقتنا، اثر التصريحات التي ادلى بها، مؤخراً، الرئيس الأمريكي جورج ووكر بوش وعدد من مسئولي إدارته حول مشروعية قيام دولة فلسطينية، اذا ما كان هناك تحول جاد في السياسة الامريكية تجاه القضية الفلسطينية وتجاه الاحتلال الإسرائيلي، على ضوء هجمات 11/9 على نيويورك وواشنطن والحرب التي تشنها الولايات المتحدة على أفغانستان وعلى تنظيم «القاعدة» الذي تستضيفه، والذي تحمله واشنطن مسئولية هجمات 11/9، ويلمح بعض الامريكيين الرسميين وشبه الرسميين إلى مسئولية محتملة لهذا التنظيم في نشر جرثومة الجمرة الخبيثة «انتراكس» في الولايات المتحدة، وان كانت التقديرات اللاحقة قد مالت باتجاه مصدر من داخل الولايات المتحدة نفسها لنشر الجرثومة. وواقع الحال ان اي تحول في اللغة واللهجة خلال الاسابيع التي تلت هجمات 11/9 محكوم بالحرب التي قررت الإدارة الامريكية خوضها. وهذا ما قاله بوضوح شديد الصحفي الامريكي توماس فريدمان. وان كان على مسئوليته ولكن بصيغة كلام مفترض منسوب للرئيس الامريكي بوش في مخاطبة كل من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس حكومة إسرائيل ارييل شارون، وذلك في مقالة نشرتها صحيفة «انترناشونال هيرالد تربيون» الامريكية يوم 24/10. فقد قال فريدمان في مقاله ما معناه: دعونا من مشاكلكم، اوقفوا هذا التشويش على حرب امريكا ضد افغانستان والإرهاب وامريكا معنية الآن. أولاً، بمعالجة الاعتداء عليها، ولا تريد احداً ان يشغلها عن هذه المهمة. واذا كان عدد من الدول العربية قد تحدث علناً، وفي الاتصالات مع الامريكيين. عن ضرورة حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لمنع اتخاذه ذريعة من قبل اسامة بن لادن وغيره للقيام بأعمال تهدد استقرار العالم واستقرار منطقة الشرق الأوسط ودولها، واذا كان بعض المسئولين الامريكيين قد أشاروا، بالفعل. إلى وجود مثل هذا العامل الشاحن للعداء لامريكا في العالم العربي والعالم الإسلامي بفعل الدعم الامريكي المفرط والانحياز الكامل والمكشوف لإسرائيل في شتى المجالات، العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، في صراعها مع الفلسطينيين وسائر العرب الذين تحتل اراضيهم، فإن لا شيء يضمن، بعدما تنتهي امريكا من مهمتها في ضرب نظام طالبان وتنظيم «القاعدة» وغيره من التنظيمات التي تتهمها بالإرهاب «وهي مهمة عسيرة، وامدها غير مرئي بالنسبة للولايات المتحدة، وقد يدوم سنوات، وقد لا تصل امريكا إلى نتيجة حاسمة». لا شيء يضمن ان تجري واشنطن مراجعة حازمة وجذرية لسياستها غير المتوازنة والداعمة لإسرائيل في ذلك الحين. وكل شيء يتوقف على الصورة الاجمالية للوضع في ذلك الحين، على صعيد المعطيات الداخلية الامريكية أولا، وعلى صعيد المصالح والعلاقات والحسابات الاستراتيجية في منطقتنا والعالم ثانياً. فاسرائيل بالنسبة لحكام الولايات المتحدة هي قضية داخلية. نظراً للوزن الاقتصادي والإعلامي للوبي الإسرائيلي من جهة، وكذلك قضية استراتيجية دولية، لدورها في الدفاع عن المصالح الأمريكية الحيوية في منطقة الشرق الأوسط. مصالح امريكا أولاً وبعضنا يتذكر تصريحاً ادلى به الرئيس الأمريكي الاسبق جيمي كارتر في مارس 1977، وكان المجلس الوطني الفلسطيني آنذاك، منعقداً في القاهرة «في آخر دورة له هناك، قبل زيارة السادات للقدس»، حيث تحدث كارتر عن ضرورة ايجاد «وطن قومي» ـ هوملاند ـ للفلسطينيين، هو ذات التعبير الذي استعمله الوزير البريطاني آرثر بلفور في العام 1917 في وعده الشهير للحركة الصهيونية بدعم قيام وطن قومي لليهود، ومهما كانت قناعات كارتر الشخصية، والمواقف التي اعلن عنها بعد خروجه من البيت الأبيض بخصوص الحقوق الفلسطينية، فإن من الضروري التأكيد على ان القرار في واشنطن ليس قراراً مزاجياً ونابعاً من عواطف فرد او مجموعة افراد، وانما حصيلة جملة من الحسابات الواسعة المنطلقة من تقديرات المصلحة الامريكية وتأثيرات الكتل الضاغطة المختلفة، سواء منها الكتلة التشريعية «الكونجرس» ذات النفوذ الكبير، أو الكتل غير الرسمية، والتي يسميها الامريكيون «لوبي»، ومن ابرزها في امريكا اللوبي الموالي لإسرائيل، المعروف بأحرفه الاولى «ايباك». فالرئيس الامريكي لا يستطيع، الآن، ان يعد بشيء ملموس جداً. هو اعطى وعوداً عامة لبعض المسئولين العرب، ولكن، كما اتضح مع والده الذي هندس مؤتمر مدريد في العام 1991 وحاول نزع فتيل الصراع العربي ـ الإسرائيلي ولكنه لم يتمكن حتى من الاحتفاظ بكرسيه في العام التالي، ولم يكن. بالتأكيد يفكر بالمصالح الفلسطينية والعربية في تصوراته لعملية مدريد، بل بمصالح الولايات المتحدة الاقليمية والعالمية، كما اتضح، اذن مع جورج بوش الاب، الحسابات في امريكا اكثر تعقيداً منها في بعض بلدان عالمنا الثالث، ورئيس الدولة ليس الآمر الوحيد كما هو حال زعماء كثيرين في منطقتنا، اذا ما اعطى كلمة أو وعداً فستجد حتماً طريقها الى النور. فالرئيس ليس حراً، أو بالاحرى هو يحسب شتى الحسابات ويتعاطى مع شتى المرجعيات السياسية والاقتصادية والعسكرية والفئوية، ويمكن ان يغير رأيه، أو يعدل مواقفه، اذا ما رأى ان اتجاه الريح الغالب والمصالح الامريكية الرئيسية تقتضي ذلك. وهذا ما ينطبق على الكلام الحالي عن الدولة الفلسطينية، الذي لا هدف له، الآن الا تمرير التحالف الدولي من اجل الحرب على افغانستان وابن لادن، ومحاولة نزع ذريعة المسألة الفلسطينية، التي يتسلح بها المعارضون للنفوذ الامريكي في البلدان العربية والإسلامية. أما ما الذي سيجري لاحقاً؟ فلكل حادث حديث. القضية الرئيسية في منطقتنا بالنسبة لأمريكا يبقى ان نشير إلى ان القضية الرئيسية في منطقتنا، بالمنظار الامريكي ليست قضية الصراع الفلسطيني والعربي مع إسرائيل وانما قضية النفط وضمان استمرار تدفقه نحو الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول آسيا الشرقية الحليفة، خاصة وان الولايات المتحدة باتت. منذ عدة سنوات تستورد اكثر من نصف النفط الذي تستهلكه «اكثر من 54% في العام 2000، وبعض المصادر يتحدث الآن عن 60%» ورغم توفير احتياطي استراتيجي من النفط المخزون للحالات الطارئة، على ضوء الأزمة الدولية التي نشأت في العام 1973 عندما قررت الدول العربية النفطية استخدام سلاح النفط في المعركة الدائرة آنذاك وعندما قررت منظمة الدول المصدرة للنفط «اوبك» رفع سعر النفط بنسبة عالية، ورغم الدعوات المتتالية من الإدارات الامريكية المتعاقبة والهيئات الاستشارية لتخفيف الاعتماد على النفط وتطوير مصادر بديلة للطاقة «بما في ذلك الطاقة النووية والشمسية والهوائية، وغير ذلك من المصادر» الا ان النفط «ومعه الغاز الطبيعي» بقي حتى اليوم مصدراً رئيسياً للطاقة بالنسبة للولايات المتحدة والدول الرأسمالية المتطورة الاخرى «أوروبا، كندا، استراليا، اليابان... الخ» ولدول جنوب شرق آسيا الساعية للتطور الاقتصادي السريع، وللعالم بشكل عام. والدراسات الامريكية المختصة ترى ان هذا الوضع سيستمر هكذا، على الاقل خلال السنوات العشرين المقبلة. ففي دراسة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والعالمية، اشرف عليها جاي كاروزو. مدير المبادرة الاستراتيجية للطاقة، المنبثقة عن المركز. وهي دراسة حملت عنوان «الجغرافيا السياسية للطاقة في القرن الحادي والعشرين»، تم الخروج باستخلاص واضح ان العالم سيبقى معتمداً حتى العام 2020 على الأقل. بدرجة رئيسية على نفس مصادر الطاقة التي اعتمد عليها خلال القرن العشرين المنتهي، وهي النفط والغاز الطبيعي والفحم. لا بل ان هذا الاعتماد على الموارد الثلاثة سيزداد «وان بشكل محدود» نسبياً. مرتفعاً من 86% من مجمل استهلاك الطاقة العالمي عام 2000 إلى 88% في العام 2020، وسيبقى النفط المصدر الاول للطاقة، وان كانت زيادة استهلاكه النسبية ستكون اقل من زيادة استهلاك الغاز الطبيعي النسبية. وتتوقع الدراسة تراجعاً مطلقاً ونسبياً لاستخدام المفاعلات الذرية كمصدر للطاقة، وزيادة مطلقة ونسبية في اعتماد الغاز الطبيعي كمصدر للطاقة «خاصة في توليد الكهرباء»، وزيادة مطلقة لاستهلاك النفط، مع تراجع نسبي محدود. وتتوقع الدراسة زيادة في الطلب على المواد المولدة للطاقة خلال الاعوام العشرين المقبلة بنسبة50%، وبقاء الخليج المصدر الرئيسي للنفط المستورد، وفي المقام الاول المملكة السعودية، وزيادة الطلب المتوقعة تفترض زيادة في استخراج النفط الخليجي بنسبة 80% خلال الاعوام 2000 ـ 2020، حيث ان نسبة انتاج النفط في اوروبا وامريكا الشمالية من الانتاج الاجمالي ستتراجع، ويتوقع التقرير زيادة في حصة البلدان التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي السابق في الانتاج النفطي العالمي من 9% حالياً إلى حوالي 12%، حيث رغم الآمال التي علقت على منطقة بحر قزوين، ورغم السعي الدؤوب لتأمين مصادر متنوعة للنفط، تفادياً لانعكاسات ازمات أو تطورات مفاجئة في بعض بلدان الخليج، ليس هناك رهان على دور كبير لنفط بحر قزوين في منافسة النفط الخليجي والشرق اوسطي، وان كان مفيداً كمصدر مساعد في حالات الأزمات. ويرى التقرير ان اعتماد الولايات المتحدة واوروبا وآسيا الشرقية على النفط المستورد سيتزايد، ونفهم الكثير من التحركات العسكرية والسياسية الدولية، لابد من التذكير بأهمية الاحتياطي النفطي المكتشف في منطقة الشرق الأوسط مقارنة بالاحتياطي المكتشف في بقية مناطق العالم. حيث بلغ في العام 2000 حجم هذا الاحتياطي 694 مليار برميل في هذه المنطقة من اصل 1077 مليار برميل هو اجمالي الاحتياطي المكتشف في العالم حسب ارقام «اوبك»، وهو ما يعني ان منطقتنا تحتوي على ما يقارب الثلثين من الاحتياطي المكتشف من النفط. والسعودية وحدها التي تأتي في المرتبة الاولى عالمياً، تحتوي أراضيها على ربع الاحتياطي المكتشف في العالم، حيث بلغ زهاء 263 مليار برميل في العام 2000. ويأتي العراق في المرتبة الثانية مع زهاء 113 مليار برميل، وبعده ايران والإمارات العربية والكويت بأرقام تتراوح بين 96 ملياراً و100 مليار برميل. ويعتبر التقرير الامريكي المشار اليه اعلاه في العام 2020 ستأتي حوالي 50% من تلبية الطلب الاجمالي على النفط من بلدان لا يتوفر فيها الكثير من الاستقرار الداخلي «10 من البلدان الـ 14 الاولى المصدرة للنفط يعتبرها التقرير غير مستقرة» ولا يستبعد التقرير أزمة في احد هذه البلدان خلال العشرين عاماً الأولى من القرن الحالي، وهذا امر يشغل بال أصحاب القرار السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان المتطورة اقتصادياً. العراق الدولة الثانية في العالم من حيث احتياطي النفط انطلاقاً من ذلك كله، فإن السياسة الامريكية في منطقتنا ومناطق اخرى في العالم «يقول التقرير مثلاً ان الولايات المتحدة يجب ان تشجع الصين ـ وهو بلد غير حليف للولايات المتحدة ـ على تنويع مصادر استيراد النفط حتى لا تتأثر سياساتها بكونها تستورد بكثافة، في السنوات الأخيرة، من بلدان الخليج». هذه السياسة الامريكية يحكمها الاعتبار الأول، وهو ضمان استمرار تدفق النفط وخطوط نقله المختلفة وضمان الاسعار المتناسبة مع احتياجات الاقتصاد الامريكي والاقتصاد الرأسمالي العالمي عامة، ولم ينخدع احد بادعاءات إدارة جورج بوش الاب في مطلع تسعينيات القرن المنصرم بانها هبت «لنجدة الكويت وتخليصه من الانياب العراقية» حباً بسواد عيون اهل الكويت، وتمسكاً بمبدأ حرية الشعوب واستقلالها «ونحن نرى كيف تتعاطى امريكا مع هذا الحق حين يتعلق الامر بشعب فلسطين في صراعه مع الاحتلال الإسرائيلي» فالسيطرة العراقية على الكويت تعني بالنسبة للولايات المتحدة تشكل وضعاً جديداً يسيطر فيه العراقيون على احتياطي مكتشف للنفط يقارب احتياطي السعودية، وهو ما يجعلهم لاعباً كبيراً في تحديد كمية النفط المستخرج واسعاره، وهو ما لا ترضى به الولايات المتحدة نظراً لكون العراق خارج سيطرتها. وواضح ان احدى نتائج أزمة وحرب 1990 ـ 1991 في الخليج تتمثل في المزيد من احكام السيطرة الأمريكية على منطقة الخليج الاستراتيجية من خلال الوجود العسكري والأمني المباشر في الخليج المنطلق من التقدير المشار اليه اعلاه بعدم استقرار اوضاع هذه البلدان ذات الثروات الحيوية للاقتصاد الامريكي، والاقتصاد الرأسمالي العالمي عامة. وما السياسة اللاحقة التي اتبعت تحت عنوان «الاحتواء المزدوج» لكل من العراق وايران إلا محاولة لمواصلة توسيع هذه الهيمنة الامريكية واضعاف النظامين الخارجين عن السيطرة في هذين البلدين. واذا كانت ايران قد تمكنت بسياسة حذرة وانفتاحات دولية واسعة، وبحكم حجمها السكاني والجغرافي الكبير، من اضعاف المراهنة الامريكية على القوة لمحاصرتها وتحجيم نفوذها وربما أيضاً اسقاط نظامها، فإن العراق بقى هدفاً ثابتاً، منذ ذلك الحين، لحرب حصار وضرب ومحاولات لاسقاط النظام لم تنقطع، وتوارثتها الإدارات الأمريكية، من جورج بوش الاب إلى كلينتون إلى جورج بوش الابن، للاعتبارات الاستراتيجية التي اشرنا إليها «وقد لاحظنا ان العراق هو الدولة الثانية في العالم من حيث حجم الاحتياطي المكتشف من النفط، بعد السعودية». يبقى ان نشير إلى مصدر الصراع الجديد الذي شكله ظاهرة اسامة بن لادن، تحديداً وخاصة بعد اغلاق ملف الوجود السوفييتي في أفغانستان عام 1989 «عشية تفكك الاتحاد السوفييتي وانهياره» وبعد أزمة وحرب الخليج في العامين 1990 ـ 1991، وخطورة الظاهرة بالنسبة للولايات المتحدة لا تكمن فقط في عمليات التفجير التي استهدفتها، خاصة منذ العام 1994، مع تفجير مواقع عسكرية امريكية في السعودية، ومن ثم تفجير سفارتين للولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، واخيراً ما حصل في نيويورك وواشنطن يوم 11/9/2001، وشكل تصعيداً كبيراً وتحدياً سافراً ومباشراً للدولة الاقوى والاغنى في العالم. فالخطورة تكمن، كذلك وخاصة في كون ابن لادن من ابناء شبه الجزيرة العربية، ومواطناً سعودي المنشأ «حتى وان سحبت الجنسية منه»، وكونه يطرح قضايا حساسة وبأسلوب قادر على مخاطبة الجمهور واسع «كما اتضح من ردود الفعل على مداخلته المسجلة التي بثتها قناة الجزيرة بعد بدء الحرب الامريكية على أفغانستان» وفي مقدمة هذه القضايا الحساسة قضية الوجود الامريكي في شبه الجزيرة العربية، الى جانب الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وحصار العراق، ورغم ان اللغة التي يستخدمها هي لغة دينية وان مرجعياته اصولية. الا ان مضمون الخطاب يلتقي مع مشاعر الظلم والاذى والاستغلال لدى جمهور واسع في منطقتنا والعالم الثالث عموماً. وكل ذلك، بالاضافة طبعاً الى رد الاعتبار لهيبة امريكا وردع محاولات مستقبلية لتكرار ما جرى يوم 11/9، يحفز الولايات المتحدة لخوض حرب «كسر عظم» مع ظاهرة اسامة بن لادن. التي يحتضنها نظام طالبان في أفغانستان. وفي سياق الحديث عن الأهمية الاستراتيجية للسعودية واحتياطيها النفطي. تبدو حرب افغانستان بشكل ما من وجهة النظر الامريكية امتداداً للحرب التي خيضت في العام 1991، وهو ما يفسر ايضاً دعوات بعض المسئولين الامريكيين الحاليين والسابقين لتوسيع نطاق «الحرب على الإرهاب» لتشمل العراق، بحجج شتى، آخرها بعض الايحاءات «غير الموثقة» بوجود علاقة للعراق بنشر وباء الجمرة الخبيثة «الانتراكس» في الولايات المتحدة. وهو ما اشارت اليه صحيفة «واشنطن بوست» الامريكية في مانشيت رئيسي لعدد «انترناشيونال هيرالد تربيون» المؤرخ ليوم 26/10/2001 يشير إلى ان هناك بلداناً ثلاثة فقط كانت تتوفر لديها امكانيات انتاج النوع الذي انتشر في الولايات المتحدة من الجمرة الخبيثة، وهي الولايات المتحدة نفسها والاتحاد السوفييتي السابق والعراق. واذا كانت التدقيقات اللاحقة قد دفعت باتجاه ترجيح مصدر للجرثومة من داخل الولايات المتحدة، الا انه يمكن أيضاً، عند الحاجة، استخدام ما اشيع من اواسط مسئولة في تشيكيا عن لقاء سابق كان قد جرى في براغ بين احد مسئولي المخابرات العراقية واحد المنفذين المفترضين للهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك «المصري محمد عطا». يبقى، بالعودة إلى نقطة الانطلاق، ان نقول ان ليس لدى الولايات المتحدة حسب مصادر شتى اية مقترحات أو تصورات محددة لمعالجة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ولانجاز عملية ولادة هذه الدولة الفلسطينية، التي طال وتأخر قيامها كثيراً. فلا شيء مضموناً حتى الآن، أو في الجيب لدى أي من الاطراف العربية التي تتخاطب مع الإدارة الامريكية، ومن الواضح ان حكومة إسرائيل الحالية، التي ما زالت تواصل حربها الدموية وتصعدها في انحاء الاراضي الفلسطينية، ليست بوارد القبول بحل يقترب. ولو عن بعد، حتى مما طرحه ايهود باراك في كامب ديفيد في يوليو 2000، وهو ما كان رفضه الجانب الفلسطيني المفاوض، وكان يتضمن تنازلات كبيرة على حساب حقوق ومطالب الشعب الفلسطيني المستندة إلى قرارات الشرعية الدولية، بما في ذلك تنازلات بشأن قضية القدس والأماكن المقدسة فيها. فهل تتصور الإدارة الامريكية ان يقبل الفلسطينيون بما رفضوه في صيف وخريف العام 2000؟ وهل يفكر بعض من في موقع القرار في واشنطن. أو بعض اصدقاء واشنطن العرب بامكانية احداث تغيير حكومي في إسرائيل وتشكيل حكومة أقل تطرفاً، وهو ما يبدو الآن قليل الاحتمال؟ وهل مثل هذا التغيير في الحكومة الإسرائيلية، اذا ما حدث يكفي، وحده لاحداث التغيير الجذري المطلوب والضروري من قبل إسرائيل باتجاه التسليم بقرارات الأمم المتحدة؟. المطلوب تغيير جذري في السياسة الأمريكية في كل الاحوال، من الواضح ان المطلوب ليس بعض المسكنات أو التعديلات التجميلية للموقف الامريكي تجاه الصراع الفلسطيني والعربي مع إسرائيل وتجاه مصير الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة. المطلوب هو تغيير جذري ودرامي في السياسة الامريكية، بعد وقف تغطيتها الدائمة والمستمرة منذ زهاء الاربعة عقود للسياسات والاعتداءات والحروب الإسرائيلية واستهتارها بمشاعر وحقوق الفلسطينيين والعرب، ومطلوب تجاوز النظرة إلى المنطقة العربية فقط كمصدر للنفط غير موثوق باستقراره ويحتاج إلى هذه العصا الإسرائيلية وهذا الوجود العسكري الأمريكي المباشر، ناهيك عن اشكال الوجود الاخرى، وكلها عوامل ترسم سياسة تصب بمجملها باتجاه معاكس لما تدعيه الإدارات الأمريكية من دعم لنشر الديمقراطية في العالم. «وهل النفط يتعارض مع الديمقراطية، كما عنونت احدى مقالاتها مجلة اكاديمية أمريكية جادة ومعروفة مؤخراً؟!». كل ذلك يستدعي تمسكاً فلسطينياً حازماً بعناصر القوة التي استنهضتها انتفاضة العام 2000 المستمرة، بدءاً بوحدة الصف وانتهاء بوحدة ووضوح الهدف السياسي المشترك لكل تيارات وقطاعات وتجمعات الشعب الفلسطيني في الوطن وخارجه. وكل ذلك يستدعي موقفاً عربياً متماسكاً وغير مسترخ ومكتف بالتصريحات الامريكية موقفاً يستفيد من كل عناصر القوة والثروة العربية ليوظفها في انتزاع احترام دولي، وامريكي أولاً، ليس للحقوق الفلسطينية والعربية فحسب وانما، أولاً، لقرارات الهيئات الدولية التي يفترض ان ترضخ لها إسرائيل، والا تعطل الإدارات الامريكية تنفيذها وفرضها على دولة الاحتلال، التي عاملت وتواصل التعامل مع شعوب منطقتنا بممارسات أسوأ مما عاملتها بها انظمة الاستعمار المتعاقبة عليها ومما عامل بها نظام التمييز العنصري البائد في جنوب افريقيا الاغلبية السوداء في البلد. وهي ممارسات كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تنظر إليها بعين من زجاج، بل وتذهب، دائماً تقريباً، إلى حد التغطية عليها. ومنع الهيئات الدولية من معالجتها والمحاسبة، ولو اللفظية، عليها كما حصل مراراً في مجلس الأمن الدولي، وكذلك في مؤتمر ديربان العالمي الأخير ضد العنصرية. هل كل هذا ممكن؟ القرار لدينا، فلسطينيين وعرباً، أولاً. فنحن أصحاب الحقوق المسلوبة والأرض المستباحة. واذا لم ندافع عن هذا الحق وهذه الارض بكل الصلابة الضرورية. فلا احد سيدافع عنها اكثر منا، ولا احد من المستفيدين من الوضع القائم حالياً سيضطر لتغيير نظرته وسياسته. بقلم: داوود تلحمي