لم يكن مستغربا أن تكون الإدارة السياسية، والقرار السياسي، المتهمين الرئيسيين اللذين تشير اليهما أصابع خبراء الاقتصاد ورجال الاعمال، في تأخير بل وعرقلة التعاون الاقتصادي العربي، في أي صورة من صوره المطروحة: السوق العربية المشتركة، منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والاتحاد الجمركي الكامل.. بل وحتى مناطق التجارة الحرة بين دولتين عربيتين أو أكثر.. ومبعث عدم الاستغراب هنا انه في غياب المصالح الاقتصادية العربية المشتركة والمتشابكة، والتي تعزز فرص الاندماج والتوحد، يصبح القرار السياسي ـ وربما المزاج السياسي ـ هو وحده صاحب الكلمة العليا في اقرار التعاون من عدمه، لأنه لا وجود هنا للغة المصالح الاقتصادية.. التي لها الغلبة دائما على الاعتبارات السياسية. تأخير اقامة السوق العربية المشتركة، وتعثر مشروعات التكتل والتعاون البيني الأخرى، كان موضوع الحلقة النقاشية التي نظمها مكتب «البيان» بالقاهرة، حول مستقبل الاقتصادات العربية، والتي كان ضيوفها المتحدثون فيها نخبة من خبراء الاقتصاد العرب، هم: الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، ود.حازم الببلاوي أستاذ الاقتصاد والأمين التنفيذي السابق للجنة الاقتصادية لغربي آسيا «الاسكوا» التابعة للأمم المتحدة، ود.سليمان المنذري مستشار اتحاد البورصات وهيئات أسواق المال العربية، وكمال سنادة نائب رئيس الادارة العامة للشئون الاقتصادية بجامعة الدول العربية، وأحمد السيد النجار الخبير بالوحدة الاقتصادية في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الاهرام. ومن رجال الأعمال: ممدوح ثابت مكي وكيل لجنة الصناعة بمجلس الشعب المصري ورئيس الاتحاد العربي للصناعات الجلدية، ود.حسام الببلاوي رئيس مجلس ادارة احدى شركات التكنولوجيا في مصر. استهل جلال عارف ـ مدير مكتب جريدة «البيان» بالقاهرة ـ الحلقة النقاشية بمجموعة من التساؤلات المثارة بشأن قضية التعاون الاقتصادي العربي، منها: أسباب تأخر قيام السوق المشتركة، ولماذا لم تلتحق بها الدول العربية.. بدلا من طرح مشروع آخر «منطقة التجارة الحرة الكبرى»، ثم الثغرات الحرة الثنائية أو الجزئية عائق أم عامل مساعد على تحقيقه، وأخيرا الآليات المطلوبة لمعالجة الآثار الجانبية للتحرير الكامل للتجارة العربية البينية. الأمن الغذائي العربي ـ د.احمد جويلي: أريد أن يكون مدخلي للحديث هو أن أروي تجربتي الشخصية مع العمل العربي المشترك، قبل أن أكلف بمسئولية مجلس الوحدة الاقتصادية، وهي تجربة لا تبعد كثيرا عن صلب موضوع هذه الحلقة النقاشية، حيث اشتغلت لفترة طويلة من الزمن بالعمل العربي المشترك، ليس كموظف في هيئة عربية.. ولكن كخبير في مجالي، وهو مجال الأمن الغذائي العربي كقضية مهمة كانت تشغل بال العرب منذ منتصف السبعينات، عقب أزمة الغذاء العالمية عامي 73 و1974 التي جعلت العالم كله ينشغل بموضوع الغذاء، فبدأنا نتحدث عن قضية الأمن الغذائي العربي كقضية محورية.. ومن هنا كان مدخلي الى العمل العربي المشترك، أو ما يسمى بسياسات ومشروعات الأمن الغذائي العربي. أقول هذه القصة لأنني أرى أنها تعكس، بصدق ووضوح، واقع العمل العربي المشترك أو التكاملي. فقد حدث وقتها أن شارك خيرة العقول العربية، من العراق شرقا حتى دول المغرب العربي، من الخبراء في كافة مجالات الزراعة أو المجالات المتماسة معها، في مشروع ضخم لحصر كافة الموارد الزراعية العربية المتاحة، من مياه وأراض ومحاصيل، مع تقارير مفصلة عن المناخ ودرجات الحرارة.. وعلاقتها بأنواع المحاصيل، ومواسم سقوط الأمطار أو الجفاف.. وتم وضع سياسات واستراتيجيات للأمن الغذائي العربي، وأعدت مجموعة كبيرة من المشروعات التفصيلية المدروسة للتكامل، بلغت 153 مشروعا تؤدي الى تحقيق أمن غذائي عربي بنسبة 80%، على أن تنفذ هذه المشروعات على مدى 20 عاما، من عام 1980 الى 2000م، وكان من أهمها ماأطلقنا عليه مشروع المخزون الغذائي العربي الاستراتيجي. وتم توزيع تلك المشروعات على الدول العربية، وفقا للامكانيات التنافسية لكل منها، وقدرات التصنيع، والميزات النسبية لكل دولة. وكانت الكلفة الرأسمالية المطلوبة لـ 153 مشروعا، تبلغ نحو 36 مليار دولار بأسعار ذلك الوقت نهاية السبعينيات. بينما كانت الفجوة الغذائية التي تعانيها الدول العربية، لو استمر الاستيراد خلال نفس الفترة من 1980 2000م، تبلغ ضعف هذا الرقم.. أي مايزيد على 70 مليار دولار. ووقتها قلنا أنه لو نفذت هذه المشروعات فإن كلفتها السنوية، على مدار السنوات العشرين، تبلغ ملياري دولار.. وهو مبلغ تستطيع الدول العربية تحمله، خاصة وأن عائدات النفط وقتها بعد حرب اكتوبر 1973 كانت مكدسة لدى الدول العربية البترولية، التي حدث بها انتعاش اقتصادي غير مسبوق نتيجة ارتفاع أسعار النفط. وكثر الحديث، في ذلك الحين، عن السودان كسلة للغذاء العربي.. وكنا سعداء للغاية اننا سنستفيد من موارده الزراعية الغنية، باستخدام ثروات ورؤوس أموال دول عربية أخرى. هذه المشروعات الـ 153 أنجزناها، وسلمناها بكل وثائقها ودراساتها، وعرضت على مؤتمر القمة في عمان بالأردن نهاية عام 1980م، وأشاد بها القادة العرب، وخرجت توصية تطالب باعلان العقد الاقتصادي والتنموي العربي، على مدار 20 عاما. ثم بعد فترة سألنا عما تم انجازه من هذه المشروعات، فقيل لنا انها كثيرة.. ومطلوب اختيار مجموعة منها فقط، فعكفنا من جديد على وضع خريطة أولويات.. وتم حصر نحو 50 مشروعا مهما، ولكن بعد فترة أخرى طلب منا أن نخفضها مرة أخرى، فقلنا: «حاضر».. ونفذنا ما طلب، لحرصنا على الهدف العظيم الذي تحققه هذه المشروعات، ولكن للأسف الشديد لم ير أي منها النور حتى الآن! هذه تجربتي السابقة مع العمل العربي المشترك، رويتها لألقي الضوء على الكيفية التي كان يجري التعامل بها مع أهداف هذا العمل، حتى في أيام الزخم العربي، السياسي والاقتصادي والمالي، عقب حرب أكتوبر 1973. ثم انقطعت صلتي بالأمر كله، بعد أن توليت عدة مناصب داخل مصر محافظا لدمياط ثم الاسماعيلية.. فوزيرا للتموين والتجارة، الى أن عدت الى قلب العمل العربي المشترك مرة أخرى.. بتكليفي أمينا عاما لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، عام 1999، الذي يعود تاريخه الى اتفاقية الوحدة الاقتصادية التي اقرت عام 1957، وانضمت اليها جميع الدول العربية المستقلة وقتها «13 دولة». ولو قرأنا رؤوس الموضوعات في تلك الاتفاقية لوجدنا أنها بالضبط هي نفس رؤوس الاتفاقيات الخاصة بالسوق الأوروبية المشتركة، مثل انتقال رؤوس الأموال والسلع والخدمات.. الخ. وفي عام 1964 صدر القرار رقم 17، الخاص بانشاء السوق العربية المشتركة، من مجلس الوحدة الاقتصادية.. وانضم لهذا القرار 7 دول، أربع منها فقط هي: سوريا والعراق ومصر والأردن هي التي نفذته بالفعل، وطبقت بشكل كامل مرحلته الأولى، الخاصة بانشاء منطقة تجارة حرة، من عام 1965 وحتى 1971م. وأنا أقول ذلك لأن الذاكرة العربية ضعيفة، والكثيرون مازالوا يعتقدون بأن هذا القرار لم يطبق. بل انه في ذلك الوقت صدر أيضا القرار 19، الخاص بالانتقال الى مرحلة الاتحاد الجمركي. معوقات سياسية! بعد ذلك جاءت حرب أكتوبر 1973، ثم ابرام مصر لاتفاقات كامب ديفيد، وما أعقبها من نقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة، وبالتالي ماتت فكرة السوق العربية المشتركة.. وتفرق كل تعاون اقتصادي عربي، حتى بين الدول الأربع التي انشأت منطقة التجارة الحرة فيما بينها، رغم الاثار الايجابية الكبيرة جدا التي حققتها هذه المنطقة على التجارة البينية للدول العربية. ومرت نحو 10 سنوات على هذا المنوال، الى أن بدأت الأصوات المخلصة تنادي مرة أخرى بإحياء التعاون الاقتصادي العربي، خاصة بعد عودة مصر الى الجامعة العربية في نهاية الثمانينيات، لكن ما لبثت أن اندلعت حرب الخليج الثانية.. وحدث التدهور الشديد، الذي مازلنا نعيش اثاره حتى اليوم، في كافة مجالات العمل العربي المشترك. وفي خضم الأحداث، عام 1981، خرجت اتفاقية جديدة تسمى اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية، ولا أدري لماذا جاءت هذه الاتفاقية.. بينما كانت هناك اتفاقية الوحدة الاقتصادية والسوق العربية المشتركة، وربما كان السبب في حساسية بعض الدول العربية تجاه كلمة الوحدة!.. ولم يكن حظ اتفاقية التيسير أفضل من اتفاقيتي الوحدة والسوق، فوضعت هي الأخرى في الثلاجة.. حتى جاء عام 1996، عندما عقد اجتماع القمة العربية بالقاهرة.. وخرج عنه ما يسمى البرنامج التنفيذي لاتفاقية التيسير وانشاء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، ومن هنا بدأت الانطلاقة في تنفيذ هذه الاتفاقية بشكل تدريجي على مدار 10 سنوات، من يناير عام 1998.. حتى 2007، وخلال هذه السنوات أصبحت الجمارك بين الدول العربية والرسوم ذات الأثر المماثل تساوي صفرا، وهذا هو هدف الاتفاقية.. التي تركز فقط على تجارة السلع، ولا تأخذ في الاعتبار تجارة الخدمات. «نوبة صحيان» في نفس الوقت تقريبا، حدثت نوبة صحيان لمجلس الوحدة الاقتصادية.. وأفاق من غفوة طويلة، وبدأ عام 1998 في وضع البرنامج التنفيذي لقرار اقامة السوق العربية المشتركة، بعد أن أدرك متأخرا انه الأصل في اقامة هذه السوق! ورغم أن مجلس الوحدة كان يضم في عضويته وقت تأسيسه عام 1957 (13) دولة عربية فقط، الا انها تقلصت الى 10 دول.. بعد أن خرجت منه الكويت، وتوحيد دولتي اليمن الجنوبي والشمالي، ثم انسحبت دولة الامارات منذ عامين. وهذه الدول الـ 10 المتبقية، والتي تمثل ثلثي عدد السكان في المنطقة العربية، وجدت أن سبع دول منها صدقت بالفعل على اتفاقية السوق المشتركة، فبدأت التفكير في وضع برنامج تنفيذي لتحرير التجارة فيما بينها، وأقر هذا البرنامج بالفعل عام 1998 على أساس انه في يناير 2002 تصبح الجمارك صفرا بين هذه الدول العربية وبعضها، حيث يجري تخفيضها بنسبة 40% في العام الأول، ثم 30% في الثاني والثالث، لتلغى تماما بعد العام الرابع. لكن للأسف الشديد لم تنفذ أي دولة هذا البرنامج حتى الآن! كل هذه المحاولات المتكررة لتحقيق تقدم حقيقي في العمل العربي الاقتصادي المشترك، تلزمنا أن نقف ازاءها متسائلين: ماهي الحلقة المفقودة في كل هذه القرارات والاتفاقات والبرامج التي لم تنفذ؟! هل هي اسباب سياسية، أم اقتصادية، أم ان الأمر كله تحكمه أمزجة شخصية؟! رغم أن أياً من الدول العربية، خلال تلك الفترة كلها، لم يحقق أي تقدم اقتصادي ملموس؟! والحقيقة أنني منذ توليت مسئولية مجلس الوحدة الاقتصادية 1999 أحاول أن أدفع في اتجاه تحقيق تقدم حقيقي على مستوى التعاون العربي المشترك، ووجدت أن هناك أربع دول هي: مصر وسوريا والعراق وليبيا أرادت أن تعمل منطقة تجارة حرة، والغاء الجمارك فيما بينها، حسب اعلان بغداد الأخير، وصولا الى اقامة اتحاد جمركي بين الدول الأربعة.. وهو أمر نشجعه وندعمه بكل تأكيد، لأنني لا أرى تعارضا بينه وبين منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، فعندما تقيم أي دولة منطقة تجارة حرة مع دولة أخرى.. فإن ذلك يشكل اضافة الى الهدف الكبير الذي نسعى اليه، لكن المهم هو التنفيذ.. وهنا أود أن أطرح سؤالا: هل كان الهدف هو الاعلان في حد ذاته، أم أن هناك آلية محددة للتنفيذ الفعلي؟! صحيح أن هناك ارادة سياسية تريد اقامة هذه المنطقة، لكن النيات وحدها لا تكفي! هذا يقودنا مباشرة الى الحديث عن وجه القصور الحقيقي في العمل العربي المشترك، وهو اننا عادة نجتمع.. ونبحث، ثم نصدر اعلانا أو قرارا أو اتفاقية، من عدة ورقات، ويمضى كل منا الى حال سبيله.. دون آلية تنفيذ حقيقية تترجم كل هذا الى نظام عمل. عندما ننظر في جولة أوروجواي والجات أو اتفاقيات السوق الأوروبية، نجد أن كل التفاصيل التي تضمن تنفيذا دقيقا موجودة. انما عندنا نحن لا نحدد حتى الخطوة التالية، فمثلا عندما تلغى الجمارك.. ماذا بعد؟! هناك أمور أخرى فنية تعوق التجارة، سواء صحة نباتية.. أو مواصفات.. أو شهادة منشأ.. الخ، أصعب كثيرا من مسألة الجمارك. ثم هل التجارة البينية ستزيد بدون خدمات، سواء خدمات نقل أو معلومات واتصالات، أو بدون أن يكون هناك سلع أو تنمية تنتقل من دولة الى أخرى.. هذه كلها اسئلة يجب أن تجد جوابا مدروسا وواقعيا، قبل أن نفرح بأي اعلان عن اقامة منطقة تجارة حرة بين دولتين عربيتين أو أكثر. وهذا هو دوري كناحية فنية في مجلس الوحدة الاقتصادية، أن أترجم كل هذا الى نظام قابل للتنفيذ، يهتم بكل التفاصيل الصغيرة والمشكلات التي قد تنجم عن التطبيق، ووضع حلول مسبقة لها.. بما في ذلك انشاء آلية لفض منازعات التجارة، وهي غير موجودة حاليا.. رغم أنه من الطبيعي والمنطقي حدوث خلافات ومنازعات بين الأطراف المختلفة عند تطبيق أي اتفاقية. وهذا بالضبط ماشغلنا الآن في مجلس الوحدة، فنحن عاكفون على هذا الموضوع، بالتفاهم مع الدول الأربعة بالطبع. و يعالج المجلس كذلك، عملية التنمية في الدول العربية.. فالتجارة وحدها لا تحقق السوق العربية، فلابد من مشروعات للتنمية تتواكب مع تحرير التجارة، حتى يمكن تفعيل وتعظيم الفوائد المرجوة من وراء هذا التحرير.. وهذا يتطلب منها وجود نحو 29 اتحاد أعمال عربياً، تغطي كافة المجالات تقريبا.. ويمكن عن طريقها تعزيز التعاون المشترك، وتقليل التنافس بين السلع العربية وبعضها. العمل العربي إذن قصة طويلة، ليس معنى استعراضي السريع لها أن أقول: لا فائدة، على العكس.. هناك أمل كبير جدا في أن نفعل شيئا، لكن ذلك يحتاج الى جهد وصبر وعلم، لكي يكون ناتج العمل على قدر الطموح. غياب الادارة السياسية ـ أحمد النجار: في الحقيقة الجانب الخاص بالتجربة السابقة للتعاون الاقتصادي العربي، المأخذ الرئيسي عليها هو افتقاد الجوانب الاجرائية التي تحول أي اتفاقات أو قرارات الى واقع عملي ملموس. لكني اتساءل: هل هذا هو السبب الوحيد لعدم التنفيذ، أم أن الارادة السياسية ليست كاملة في اتجاه تحرير التجارة البينية العربية؟! ـ د.أحمد جويلي: هذه نقطة من المهم اثارتها، وأقول ردا عليها أنني لا أعتقد أنه سيكون هناك سوق عربية من الـ 22 دولة جميعا، فهناك دول من المستبعد جدا أن تكون عضوا في هذه السوق، على الأقل في مراحلها الأولى، وأرى أن البداية يجب أن تكون بالدول الراغبة، والمؤهلة لاقامة هذه السوق.. وهي ستكون بمثابة النواة التي ستجذب اليها وحولها بقية الدول المترددة أو غير المقتنعة، وهذا يجعل المشروع قابلا للتنفيذ. هذا يجرنا للحديث عن قضية السلع المستثناة من التحرير، فأي اتفاقات لتحرير التجارة يترتب عليها ضرر لبعض الأطراف.. وهذا الضرر يجب أن يقابله تعويض مناسب، حتى يمكن الغاء الاستثناءات من قوائم التحرير. لكن للأسف ليس لدينا هذه الآلية، نحن لا نملك صندوقا للتعويض مثل الذي اقامته السوق الأوروبية، بل أن هذه الاخيرة اسست صندوقا آخر لدعم الدول الأقل نموا.. حتى تتطور وتندمج مع السوق، ومنها على سبيل المثال: أسبانيا والبرتغال واليونان وايطاليا. ـ أحمد النجار: أنا لم أقصد الـ 22 دولة عربية بالكامل، بل أنني أقول انه حتى بالنسبة للبلدان التي من الممكن ان تشكل نواة لبقية الدول العربية، أزعم ان الإرادة السياسية لتحقيق تعاون اقتصادي أو سوق مشتركة غير متوافرة بالقدر الكافي، ولو أخذنا مصر والسعودية كمثال، نجد أن البلدين وقعا على اتفاقية منطقة التجارة العربية الكبرى، التي يفترض ان تحقق بالكامل عام 2007م، كما وقعا في الوقت نفسه اتفاقية أخرى ثنائية لتحرير التجارة بينهما، وهذه الاخيرة يتحقق فيها التحرير فيما بعد 2007م.. وهذا يخلق وضعا غاية في التناقض، ويعني أن هاتين الدولتين ـ كمثال لدول عربية أخرى في الموقف ذاته ـ غير واثقتين من اتمام منطقة التجارة الكبرى في موعدها المحدد، رغم انهما شريكتان أساسيتان في الاتفاقية الخاصة بهذه المنطقة! النقطة الأخرى خاصة بمنطقة التجارة الكبرى، ومدى أهميتها وجدواها.. في ظل وجود مشروع للسوق العربية المشتركة. واذا عرفنا أن التجارة بين الدول العربية المنضمة للسوق كانت 97 مليون دولار قبل انشاء السوق، وقفزت الى 1540 مليونا في منتصف السبعينيات، أي بعد قيامها.. وهذا يعني أنها أحدثت طفرة. صحيح أنه حدثت مشاكل سياسية كبرى بعد ذلك، عرقلت هذا التطور.. بل جمدت في مرحلة لاحقة مشروع السوق تماما، لكن هذا اعطانا مؤشرا على نجاح هذا النموذج.. اذن ما هو الداعي لتغييره، والاتجاه الى نموذج آخر، رغم ما تحقق من نتائج ايجابية وخبرات متراكمة.. لماذا اذن لم يفك تجميد مشروع السوق والبناء عليه، وتلافي السلبيات التي قد تكون ظهرت أثناء الممارسة العملية؟.. هذا في الحقيقة تساؤل لا أجد اجابة واضحة عليه، حتى من القائمين على مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. النقطة الثالثة، التي أريد القاء الضوء عليها، هي أنه اذا كان هناك عامل معطل للتعاون الاقتصادي العربي، ابان حقبتي الستينيات والسبعينيات، يتعلق بالاستقطاب الذي كان حادثا لدول المنطقة.. وجعل جزءا منها مرتبطا بالغرب، والآخر يرتبط بالكتلة الشرقية. هذا الاستقطاب لا نستطيع الحديث عنه الآن، وبالتالي لم تكن هناك أزمة حقيقية تمنع اعادة تنقيح المشروع القديم للسوق المشتركة، لكي يصبح هو المشروع العربي لبناء تكتل اقتصادي. ـ د.سليمان المنذري: أريد أن أعلق على ما ذكره الاستاذ أحمد النجار، من أن غياب الارادة السياسية ربما ساهم في عدم تنفيذ أي من اتفاقات التعاون الاقتصادي العربي، وأقول أن الارادة السياسية كانت دائما موجودة.. ومتوافرة، ودليل ذلك انه عندما عقدت قمة عمان في نوفمبر 1980، التي ارتقت بمستوى معالجة القضايا الاقتصادية العربية الى مستوى القمة، وتمت الموافقة على أربع وثائق ذات أهمية تاريخية، هي: ميثاق العمل الاقتصادي القومي.. وفي مادته الأولى يقول بضرورة تحييد الخلافات السياسية عن القضايا الاقتصادية، والاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية.. وهذه وافقت عليها جميع الدول وانضمت اليها، ثم استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك، وعقد التنمية. والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا تم في هذه الوثائق الأربع؟.. بالطبع لا شيء، ولا يجوز القول بأنه كان ينقصها النواحي الفنية.. لأنها كانت متكاملة، والخبراء العرب أعطوا فيها زبدة أفكارهم.. عندما اجتمعوا فيما بعد، تنفيذا لقرارات القمة، لوضع ما يسمى خطة العمل الاقتصادي القومي، وقادهم العالم الدكتور محمد محمود الامام، وحددوا مشروعات هذه الخطة خلال خمس سنوات 81 ـ 1985، ووضعت تكلفة لها تقدر بنحو 15 مليار دولار.. تم تقليصها باستبعاد بعض المشروعات الى الثلث 5 مليارات، ثم تحول عقد التنمية من خطة قومية للعمل الاقتصادي الى مشروعات متراصة في الأدراج، وقيل وقتها أن الأولوية لمشروعات الأمن الغذائي العربي، لكن حتى هذه لم يتحقق منها شيئا. ـ جلال عارف: لكن هذا يؤكد أن الارادة السياسية كانت غائبة، والا لخرجت هذه المشروعات أو بعضها على الأقل الى الوجود. جعجعة بلا طحن ـ د.المنذري: الارادة السياسية متوافرة وموجودة، ولكن هناك شبه تفاهم على عدم التنفيذ.. فمن الأصل هم لا يريدون تحقيق أي شيء، كلها مجاملات.. فأمام عدسات التليفزيون نجد المسئولين يوقعون ويصدقون ويتناقشون، ويتبارزون في التصريحات البراقة.. لكنها جعجعة بغير طحن، أنا أقول ذلك بكل وضوح وصراحة.. وليست لدى الحساسية السياسية، فأنا مواطن عربي شاء قدره بحكم العمل والتخصص والخبرة أن يمر بهذه التجربة، لمدة تزيد على ثلاثة عقود، وأملك الكثير من وثائقها، وواكبت سجل آمالها وانتكاساتها.. وبناء على كل ذلك أقول: ان بعض المسئولين العرب يقولون ما لا يفعلون.. وهذه حقيقة. ـ جلال عارف: هذا بالضبط مايعنيه الرأي القائل بغياب الارادة السياسية. ـ المنذري: لا ياسيدي.. ليست غائبة، ولكنهم اتفقوا بإرادتهم السياسية على ألا يتفقون! ـ جلال عارف: إذن هناك ارادة سياسية على عدم التنفيذ. ـ المنذري: هم يقولون بوهن أو ضعف هذه الارادة، لكن الحقيقة أنها موجودة.. ومجمعة على عدم تنفيذ الاتفاقات! ودليلي على ذلك انه في المجلس الاقتصادي الذي عقد عام 1983 بتونس اجهضت خطة العمل الاقتصادي القومي، والشيء الغريب والمحزن انه تحالفت الدول الأقل نموا مع الأخرى ذات الفائض، بدون تسمية أي منها، وبذلوا جهدا كبيرا لاجهاض هذه الخطة، ونجحوا في ذلك تماما.. وعندها وأنا شاهد ومعي الأستاذ كمال سنادة على هذه الجلسة تبادل الاخوان نخب الانتصار، وكانوا يتباهون بهذا.. وكأنما كانت هذه الخطة سيستفيد منها اعداء الأمة، رغم ان مشروعات هذه الخطة كانت ستقوم في الدول العربية، من موريتانيا والمغرب.. وحتى اليمن! إذن المجاملة السياسية، وليس غياب الارادة، هي السبب.. فكثير من المسئولين يتجاملون ويتجملون، ويقولون مالا يفعلون. فالذين وقعوا على اتفاقية الوحدة الاقتصادية عام 1957 في ظل المد القومي العربي، ما الذي منعهم من التطبيق. عندما انشئ مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، كان لا يضم سوى بضعة خبراء.. لكنهم حققوا انجازات كبيرة ففي الأول من يناير 1971 كنا قد وصلنا الى منطقة التجارة الحرة العربية، ثم بدأنا بوضع ما يسمى القانون الموحد للتعريفة الجمركية، واتخذنا خطوات ايجابية أخرى. أما قضية الاستثناءات، فهذا هو في تقديري الباب الملكي لاجهاض كل شئ، فاذا كانت قوائم الاستثناء من التحرير تضم نحو ألفي سلعة مما ينتجه العرب.. فماذا اذن نتبادل؟! اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري عام 1981، لم تكن في واقع الأمر لتحل محل الوحدة الاقتصادية أو السوق العربية المشتركة، وليسمح لي الدكتور أحمد جويلي بهذا التصحيح، انما وجدوا ان اتفاقية عام 1953 ـ والتي صدرت مع تأسيس المجلس الاقتصادي العربي ـ هي اتفاقية هزيلة، لم تحقق شيئا.. واقترح السكرتير العام لجامعة الدول العربية وقتها عام 1981 وضع اتفاقية جديدة، خرجت الى النور بعد جهود مضنية.. وتحمست لها المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وتم اعدادها في مايو 1980 بالرياض، وطرحت على القادة العرب في قمة عمان نوفمبر 1980، وعهدت القمة الى المجلس الاقتصادي بالنظر في هذه الاتفاقية، وأقرها المجلس عام 1981.. ثم وضع لها البرنامج التنفيذي عام 1996. وهذه تجربة أخرى مررنا بها، واثبتت عدم فاعليتها. تحديد موضع الخلل اذن أين الخلل؟.. في رأيي هذه هي مهمة الاقتصاديين والمفكرين العرب، الذين يجب عليهم أن يقولوا بكل صراحة.. ومن دون مجاملة ماهي العلة، وأين هو الخلل في كل تلك التجارب السابقة. وهل نظل، بعد أن جاءت الجات واتفاقات التجارة الحرة العالمية.. والتكتلات العملاقة التي نسمع عنها، عاجزين نحن العرب عن النظر الى المخاطر والتحديات القائمة والقادمة، ونكتفي بالوقوف موقف المتفرج.. ويأتي وزراء الاقتصاد العرب في كل دورة من دورات المجلس الاقتصادي ـ ليعبروا عن ارتياحهم للنتائج التي تحققت على صعيد اقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، أي ارتياح هذا؟! وهل انجزنا بالفعل مايمكن أن نرتاح إليه أم أن الخيبة هي كل ماحصدناه؟! أقول انه يجب ان تعالج كل هذه الأمور بمنتهى الصراحة والموضوعية، اذا كان الهدف هو خدمة القضايا القومية، وتوظيف مصالحنا في سبيل مستقبل هذه الأمة. ـ أحمد النجار: أعتقد أن الدكتور حازم الببلاوي، بما له من خبرة طويلة.. وممارسة على المستوى المحلي والعربي والدولي، يستطيع أن يجيب لنا على التساؤل الذي طرحه د.المنذري، وهو: أين الخلل؟.. ويرتبط بذلك أيضا مسألة ميل الدول العربية لاحتكار أكبر حصة من هيكل القوة العربية، وهذا الميل كان عاملا رئيسيا في اثارة المشاكل امام أية مشروعات تعاون اقتصادي. ـ د.حسام الببلاوي: بداية، فإن الموضوع المطروح كلنا اما مشتغلين أو منشغلين به منذ نحو 40 عاما، وسأقول عدة مقدمات أؤمن بها. أولاً: أعتقد ان الاقتصاديين العرب، وغيرهم من المفكرين، أوضحوا بما لا جدال فيه انه من مصلحة المنطقة العربية في مجموعها ان يتم التعامل في السوق، سواء أخذ هذا التعامل شكل منطقة حرة، أو درجة أعلى من ذلك.. انما على وجه اليقين هناك مصلحة لكل فرد في هذا الوطن، وهذا أمر صبح من المسلمات. الأمر الثاني: أنا لا أعتقد أن الدول العربية غير رشيدة، وتتخذ أمورا على عكس مصالحها.. فبالرغم من أنه واضح تماما أن موضوع السوق فيه مصلحة، وانهم أي العرب يتصرفون بشكل لا يؤدي الى تحقيق المصلحة، فانني أقول انهم في هذا منطقيين.. ويتصرفون برشادة وعقل، والامر في ذلك يرجع لاعتبارات سياسية.. دعوني افسر، استنادا الى نوع من التفكير الاقتصادي، كيف يكون المرء عاقلا.. ثم يفعل شيئا لا يعود عليه بالمصلحة. أريد أن أقول: هذا أمر معروف في النظرية الاقتصادية، فهناك ما يسمى السلع العامة.. الى جانب السلع الخاصة، والفرق بين الاثنين ان الاخيرة فيها تكلفة.. لكنها تدر عائدا يغطي مادفع فيها، ولأنها تحقق منفعة خاصة أو فردية.. والذي يشتريها يحرم الآخرين منها، ولذلك فهو على استعداد أن يدفع ثمنها. فمثلا: عندما أكون جائعا.. اشترى «ساندويتش» وأدفع ثمنه، وعائد «الساندوتش» سيكون لي أنا فقط.. لأنني الذي سيشبع جوعه، ولذلك أكون مستعدا للدفع. الى جانب هذه السلع الخاصة، توجد سلعة عامة.. وهي أيضا لكي تؤدى، يجب أن ندفع تكلفة.. لكن منفعتها لا استطيع منعها عن الآخرين. فمثلا: نظافة الشوارع.. كل منا يستفيد عندما يكون مقيما في شارع نظيف، لكن هذه النظافة ليست بدون مقابل.. فهناك عمال يؤدون هذا العمل، ويحصلون على أجور. فاذا كان واحد فقط هو الذي سيتحمل التكلفة، من المؤكد أنه سيقول لنفسه: لماذا أدفع أنا وحدي، بينما يستفيد الآخرون؟! لذلك فإن كثيراً من الخدمات العامة لا تؤدى في المجتمعات، بسبب أن الذي يتصدي لتقديمها المؤكد انه سيتحمل تكلفتها.. والباقون مستفيدون فقط، ولا أحد يقبل هذا الوضع. إذن.. فكرة أن يكون هناك شئ مفيد ونافع، وعوائده أكثر من تكلفته.. ومع ذلك لا يقدم عليه الناس، ليست فكرة غريبة.. وليست ضد المنطق الاقتصادي، فمن الممكن جدا أن نجد قاطني عمارة سكنية.. كل منهم ينظف بيته، وينفق على تجميله الكثير، لكن نجد أن لا أحد منهم يهتم بنظافة السلم لأنه مشترك مع بقية الجيران.. فبيتي سلعة خاصة، كل ما أنفقه فيه يعود عليّ وحدي.. انما السلم سلعة عامة، منفعتها تعود على الجميع. وهذه النقطة وددت الحديث عنها باستفاضة، لأنها تشرح أساس المشكلة التي يعاني منها العمل العربي المشترك. نعود اذن الى السؤال المحير: اذا كان التعاون الاقتصادي العربي مفيد لأطرافه، فلماذا لا يتحقق؟! أقول أن التعاون لا يحدث لأن هناك إما مصالح ستضار، أو أن الذي سيتحمل التكلفة يرى انها ستكون أكبر من العائد الذي سيجنيه ومن الوارد انه سيقول لنفسه: اذا كان العائد سيذهب للكل، فلماذا اتحمل الكلفة وحدي؟! أنا هنا اتفق مع الكلام الذي قيل عن غياب الارادة السياسية، لكني اترجمه بتعبير اقتصادي.. وأقول ان التكلفة الحقيقية للتعاون هو الانتقاص من السلطة السياسية لدى الدول المتعاونة، وهو أمر يحرص الكثيرون على ألا يحدث.. حتى مع الاقتناع بأن الدخل القومي سيزيد، وتستفيد كل دولة على حدة.. اضافة للفائدة الجماعية. وفكرة التعاون الاقتصادي العربي عندما ظهرت في الخمسينيات من القرن الماضي، كان ظهورها مرتبطا بالدعوة الى القومية العربية والوحدة.. وصاحبها فكرة أن الحدود بين الدول العربية اصطنعها الاستعمار، وهذا ماجعل بعض الدول الصغيرة تتخوف من هذه الأفكار، وتنظر اليها بحذر وتوجس.. واعتقد انه كان تخوفا مشروعا، لدى دول كانت حديثة النشأة والاستقلال.. وحكام جدد مشغولين بتثبيت أقدامهم وارساء دعائم حكمهم، خاصة أن الدعوة الموجهة الى هذه الدول وحكامها بالمشاركة في التعاون الاقتصادي، الذي ستعود فوائده على الجميع.. وسيزيد حجم السوق.. وسينشئ صناعات كبيرة، كل هذه المغريات ـ التي لا شك في صدقها كانت مصحوبة بأصوات عالية تشكك في الدول الصغيرة!. ولذلك لم يحدث الحماس أو التفاعل المطلوب مع دعوة التعاون الاقتصادي. ثم بعد ذلك، جاءت ثورة النفط.. وفجأة وجد أكبر المناصرين للقومية العربية، في الدول الخليجية، أن دخولهم القومية أصبحت توازي 15 أو 20 ضعفا لدخول دول أخرى مجاورة، مثل سوريا أو مصر أو اليمن، وبدأ يتولد لديهم هواجس أن فكرة التعاون الاقتصادي. معناها أن تشاركهم هذه الدول المجاورة والفقيرة في الثروة فأصبح أشد المناصرين لفكرة القومية العربية، من ابناء تلك الدول، يقف في صف أشد الناس حرصا على القومية القطرية.. لأنه شعر بأن هناك خطراً أن يأتي من يشاركه في فلوسه! وأنا عملت في منطقة الخليج مدة طويلة، ورأيت كيف أن أكثر العناصر وطنية وتقدمية في كافة القضايا، تختلف تماما أراؤهم عند الحديث عن قضية التجنيس.. لأن معناها أن هناك من سينازعه في الثروة. الواقع الآن أصبح مختلفا على الساحة العربية، فالدعاوى القومية والوحدوية تراجعت، بل ربما اختفت، وبالتالي فمن المفروض أن تهدأ هواجس بعض المتخوفين من فكرة التعاون الاقتصادي. وأنا أزعم هنا أن أكثر النظم السياسية الموجودة في الدول العربية، تتمتع بسلطة قوية للحاكم.. لكن التحرير الاقتصادي فيه اضعاف للسلطة.. ولذلك كل الدول التي سارت في طريقه، سواء باختيارها.. أم نتيجة الضغوط والاعباء الاقتصادية، قبلته بصعوبة، ليس لأنه سيئ.. فهم يعرفون أن التحرير الاقتصادي فوائده جمة، انما لأنه يضعف السلطة. أيضا فإن التعاون الاقتصادي يضعف السلطة، بمعنى أنه في أي دولة عندما يكون هناك قطاع خاص وطني.. فإنه دائما تحت السيطرة، بمعنى انه يمكن اخافته وقت اللزوم.. بسلاح الضرائب مثلا، أو بفرض رسوم أو سن تشريعات جديدة. انما عندما يأتي قطاع خاص خارجي فإن فرصة الضغط عليه ستكون محدودة. لذلك، أنا أرى أن العقبة الأساسية تجاه التعاون الاقتصادي العربي الآن، بعد زوال التخوفات مما قد تنطوي عليه دعاوى الوحدة والقومية.. أو هواجس المشاركة في الثروة، هي أن النظم السياسية مازالت حريصة على سلطتها.. وانها ترى أن مزيداً من الحرية الاقتصادية للسوق الخاص هو اضعاف لتلك السلطة، لكن تم قبولها على مضض.. لأن هناك البنك وصندوق النقد الدوليين، والقروض المشروطة من ورائنا. لكن هذا التعاون العربي لا توجد ضغوط تفرضه، وتجعل الحكومات تقبله.. حتى ولو على مضض أيضا! ـ ممدوح ثابت مكي: عند الحديث عن القرار السياسي.. والارادة السياسية، لا أنكر تأثيرهما البالغ.. وانهما يشكلان العقبة الرئيسية امام العمل العربي المشترك، وأعلق على ماذكره د.حازم الببلاوي ووصفه موقف كثير من الأنظمة السياسية العربية السلبي ازاء التعاون الاقتصادي بانه رشيد وعاقل.. ومعبر عن خوفهم من الانتقاص من سلطتهم، وأقول ان هذا الموقف غير رشيد على الاطلاق، وهو يعبر ـ فقط عن المصالح الشخصية الضيقة، التي لا ترقى الى مصاف المصلحة العامة للمجتمع والاقتصاد الوطني أو للأمة العربية على المدى الطويل. وأزيد انه ليس القرار السياسي هو فقط الذي يلعب فيه هذا الدور السلبي، انما هناك المزاج السياسي أحيانا.. والذي يؤثر من فترة الى أخرى في القرار السياسي، نتيجة أو كرد فعل لحدث ما، بشكل سلبي للغاية على قضايا التعاون المشترك، حتى على مستوى تنفيذ الاتفاقيات المبرمة. أما القول بأن المخاوف التي تولدت لدى البعض، من أن الدعوة الى التعاون تخفي وراءها غرض اقتسام الثروة، أصبحت مخاوف غير موجودة.. وانتهت، فأنا أرى أنها مازالت موجودة.. وتقف وراء الكثير من الشكوك التي تحرك سلبية هذا البعض تجاه التعاون الاقتصادي العربي، والا لكانوا تصرفوا مثل أوروبا الغنية.. التي اتجهت الى الجنوب الفقير لتطلب الشراكة معه. التجربة الأوروبية ـ أحمد النجار: إذن.. فلننظر الى النموذج المقابل، وهو الاتحاد الأوروبي، ونرى كيف تغلب على المشكلات التي واجهت اقامة السوق الأوروبية المشتركة، رغم انه يضم أيضا دولا متفوقة صناعيا.. وأخرى أقل تقدما، ونبحث في المقترحات والحلول التي تتناسب ومنطقتنا العربية. ـ د.حازم الببلاوي: لنتذكر أن بسمارك قال عام 1870م أن أووربا ليست موجودة.. انما هي مجرد فكرة جغرافية، وجان موني الملقب أبو أوروبا ـ قال: أوروبا ليست موجودة.. ولابد من خلقها. فبعد حروب مريرة، اكتشف الاوروبيون أن الشئ الوحيد الذي يستطيعون فعله هو الدمج الاقتصادي، لأنه الوحيد الذي يحول دون نشوب حروب بينية جديدة.. فتاريخ اوروبا هو تاريخ حروب ودماء، ووجدوا أن هذا هو الملاذ والحل. وقاموا بوضع مبدأ هام في اتفاقية روما، ولم نلتفت نحن العرب الى وضع مثله في أي من اتفاقاتنا المتعددة، حيث قالوا: هذه الاتفاقية مفتوحة للدول الديمقراطية، التي تؤمن بحقوق الإنسان. هذا المبدأ هو سر نجاح الأوروبيين وتجربتهم، والحكام الذين وضعوه ووافقوا عليه لم يروا فيه انتقاصا لسلطتهم.. لماذا؟.. لأنه لا يوجد أي منهم مخلد في موقعه، البرلمان يتغير.. وهناك تداول للسلطة. ففي النظام الديمقراطي لا يخشى الحاكم زوال سلطته، لأنها ليست مطلقة من ناحية.. وهو نفسه من ناحية أخرى ليس باقيا للأبد. أما في منطقتنا، فالأمر يختلف كثيراً بالنسبة للحكومات. وهنا أعود لأفسر مرة أخرى فكرة أن العرب يتصرفون برشادة وعقل في قضية رفض التعاون الاقتصادي، برغم اقتناعهم الأكيد بأنه سيعود عليهم بالنفع والمصلحة الخاصة والعامة.. فالإنسان العاقل ينظر في التكلفة والخسارة، فالتعاون الاقتصادي سيأتي بمزايا كثيرة.. لكن له تكلفة، وهنا يبرز السؤال: ومن الذي سيتحمل أعلى التكاليف؟.. بالطبع هي النظم السياسية، وهي عاقلة بما فيه الكفاية لأن تدرك أن ماتتحمله من تكلفة هو عبارة عن اضعاف لسلطتها، أما المنفعة فهي لن تعود عليها مباشرة.. انما تعود على الكل. لذلك أنا أتصور أن الذي حدث، من فشل متكرر لمشاريع التعاون الاقتصادي العربي، هو منطقي بشكل كامل. إذن.. السؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله، هو: ما هي الأسباب التي جعلت الدول العربية لا تنجح في اقامة التقارب الاقتصادي، بالرغم أن الأمر في ظاهره يحقق مصالح كبرى؟. وأقول ان هذا السلوك ليس غباء أو سوء تصرف، انما هو سلوك منطقي يحافظ على مصالح أكبر، مركزة في أوساط معينة تجد انها لا يمكنها دفع تكلفة هذا التقارب من نفوذها وسلطتها. الحل الوحيد الحل الوحيد في رأيي ليس في يد الاقتصاديين، ولا يتحقق بإبراز مزايا التعاون، انما هو في مزيد من الانفتاح السياسي، والأخذ بالديمقراطية والايمان بحقوق الإنسان. تبقى ملاحظتان، الأولى: ان الدول العربية تفتح الباب على مصراعيه امام الاستثمار الاجنبي، وتمنحه التسهيلات والاعفاءات.. بينما تتخوف من المستثمر العربي، وتنظر اليه بريبة وحذر؟ الملاحظة الثانية: نحن نتكلم دائما كما لو كانت المصالح الوحيدة الجديرة بالرعاية هي مصالح المنتجين، أما المستهلك وهو الغالبية فلا أحد يلتفت اليه.. أو يهتم به، فنحن نفرض عليه سلعا أعلى تكلفة.. وأقل جودة، لمصلحة عدد قليل من المنتجين غير الاكفاء.. خضوعا لضغوطهم وأصواتهم العالية، وتحت دعاوى حماية الصناعة الوطنية. ـ د.أحمد جويلي: أود التعليق على نقطة مهمة في كلام الدكتور حازم، معيدا التأكيد على أن أي برنامج تعده الدول العربية، حتى في مجال تحرير التجارة، نجد انه حتى حسابات التكلفة والعائد أو المزايا لم يتم اعدادها؟ يعني أنه لتنفيذ منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى يفترض ان يتم تخفيض الجمارك كل عام 10%، هل تم حساب العائد الاقتصادي والتكلفة لكل طرف.. حتى تتشجع الدول التي تجد أن المنافع والمزايا أكبر على دخول المنطقة، وتحسم الدول الأخرى التي ستجد أن الكلفة أعلى أمرها.. وتقرر أنها لن تشارك، وتترك الطبخة لمن يريدون انضاجها.. ولعل أول سؤال طرحته، عندما ذهبت الى مجلس الوحدة الاقتصادية كأمين عام، هو: هل نملك تصوراً مستقبلياً لما سيحدث بين الدول الأربع التي أقرت منطقة التجارة الحرة فيما بينها، أم أننا ورطنا تلك الدول في مجرد اعلان سياسي.. من دون تصور أو آلية للتنفيذ؟ هل حددت لكل دولة مكاسبها، والتكلفة التي ستدفعها في المقابل.. وأي القطاعات ستستفيد، وأيها سيتأثر؟ الملاحظ أنه لا توجد شفافية في العمل الاقتصادي العربي، مثلما لا توجد في العمل العربي عموما.. فعند أي اعلان أو اتفاقية، نجد أن البعض يوافق.. بينما هو يضمر في نفسه عدم التنفيذ؟ ـ كمال سنادة: في حديث د.سليمان المنذري، قال ان هناك دراسات كافية تغطي كافة مجالات التعاون الاقتصادي العربي. وهنا أقول ان المسألة ليست في وجود الدراسات النظرية، انما في غياب برامج وآليات التنفيذ العملي.. وهذا هو مربط الفرس في قضية العمل المشترك. وأود أن أسأل الدكتور حازم، فيما يتعلق بالسلع العامة.. والخاصة، فهذه كنظرية اقتصادية يجب أن تنطبق على جميع التجارب والاقتصادات، فلماذا حصرتها على الدول العربية.. في حين أن نفس السلع العامة كانت موجودة في اطار الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك نجحت تجربته. ـ د.حازم الببلاوي: أنا أؤكد لك أن القيود على سلطة الحاكم في فرنسا مثلا سواء دخل في علاقات مع ايطاليا أو غيرها، هي قيود شديدة جدا.. من البرلمان، والصحافة، وأحزاب المعارضة.. وغيرها، بحيث انه عندما يدخل في هذه العلاقة لن تزيد الضغوط عليه. ـ د.جويلي: سأعطي أمثلة توضح مفارقات صعبة جدا، فمصر التي هي عضو مؤسس في جامعة الدول العربية تم طردها، في مؤتمر قمة بغداد عام 1979، بعبارة واحدة بينما نجد أن دولا أخرى تم ضمها الى الجامعة من دون أسباب أو فائدة حقيقية ستعود على العمل العربي المشترك. أما اذا نظرنا الى أوروبا، سنجد كيف دخلت دولها السوق المشتركة، انجلترا انتظرت سنوات طويلة لكي تدخل اضافة الى كل القواعد والعقوبات التي ستوقع عليها، أو على غيرها، لو خالفت أوامر السوق. نحن ليس لدينا مثل ذلك، فمصر طردت بقاعدة موافقون وتوكلنا على الله، ودول أخرى صغيرة مثل الصومال وجزر القمر وجيبوتي ضمت بنفس القاعدة، دون معايير أو أطر موضوعية واضحة ومحددة. تناقض.. أم تصالح؟ ـ د.حسام الببلاوي: لي تجربة عمرها 17 عاما في العمل العربي المشترك، وفي قطاع حساس.. هو قطاع البترول، حيث كنت أعمل في الشركة العربية للاستثمارات البترولية بالبحرين، ولدي نفس الانطباعات التي ذكرها د.جويلي.. عملنا دراسات ومشروعات كثيرة، نفذنا منها نحو 22 مشروعا.. بكلفة اجمالية قاربت الـ 800 مليون دولار، اسهامنا كشركة كان حوالي 80 مليونا. ومن واقع خبرتي، أقول انني أشك في أن يكون هناك تكامل في المصالح بين الدول العربية في هذا القطاع المهم البترول على الاقل في المدى القصير والمتوسط.. وأعتقد أن المسئولين العرب عن هذا القطاع ليس لديهم قناعة أكيدة بجدوى التكامل العربي في هذا المجال. فالمشروعات العربية في مجال النفط معروفة، وتتراوح بين 30 ـ 40 مشروعا.. مابين مصافي نفط، وخطوط نقل، وموانئ تصدير. وكل هذه المشروعات موجودة على الخطة والخريطة القومية لكل شركة من شركات النفط العربية، لكن دورنا الوحيد الفعال هو تنفيذ المشروعات الهامشية التي فشلت أي من شركات النفط الوطنية في تنفيذها بمفردها، وهذه المشروعات الهامشية تكون محتاجة شريكاً أجنبياً وشركة عالمية.. ونحن يفترض أننا نملك في الشركة العربية للاستثمارات قدرة وحرية حركة أكبر في التعامل معهم. أما ماعدا ذلك من مشروعات كبرى مشتركة ومخططة، فالفشل في خروجها الى النور كان ذريعا. ومن هذه المشروعات كمثال فكرة انشاء مصافي بترول مشتركة، والتي ظهرت في أواخر السبعينيات، والكويت تملك ثلاثا من أكبر المصافي في العالم ميناء الاحمدي ميناء عبدالله الشعبية، وحاولنا عمل مشروع عربي مشترك معهم.. فقيل لنا: ماذا ستقدمون؟.. التمويل لا ينقصنا، الخام لدينا.. ينقصنا فقط التسويق، فلو عندكم فرص للتسويق.. أهلا وسهلا، وماعدا ذلك.. شكرا لكم. وطبعا المعروف أن التسويق لا تقدر عليه سوى الشركات العالمية. نفس الكلام ينطبق على العراق، رغم أنه انصافا للحقيقة كان من أكثر الدول حماسا للمشروعات العربية المشتركة، لكن في قطاع البترول.. واجهنا معهم نفس المشكلة. ماأريد أن أقوله ان الدول العربية كلها، في قطاع البترول، عندها نفس الامكانيات في جوانب.. وذات النقص في جانب آخر، فكلهم منتجون للبترول.. ويقومون بتكريره.. ولديهم صناعات للبتروكيماويات، لكنهم جميعا لا يملكون القدرة على التسوق. ولذلك لم يكن لدينا كشركة عربية مشتركة أي دور. الخلاصة إذن، أنه كان هناك تناقض في المصالح في بضع القطاعات، وكان العمل العربي المشترك فيها يده مغلولة. واذا أضفنا الى ذلك أن القرار في أية مشروعات للتعاون المشترك، هو قرار سياسي بالدرجة الأولى.. إذن ينبغي أن ندرك، على الأقل في المدى القريب، انه ليس بالضرورة وجود توافق في المصالح. ـ د.حازم: أنا تحدثت عن فكرة التعاون بشكل عام، وفي رأيي أن الكثير من النظم العربية لم تكن مستعدة لهذا التعاون. لكن وجود تناقضات.. فهذا أمر واضح جدا، ففيما يتعلق بالبترول مثلا ـ كما ذكر د.حسام نجد أن الدولة التي لديها بترول من 100 عام، غير التي ظهر فيها منذ 20 أو 30 سنة.. فالثانية يهمها أن ترفع أسعار النفط لتحقق عوائد سريعة تستغلها في التنمية، بينما الاولى قد ترى في ذلك اضرارا بمصالحها. الأمر نفسه كان موجودا في أوروبا، لكن لأنه كانت هناك ارادة سياسية توافقت على التعاون المشترك، أمكن التغلب على التناقضات.. وأنشأوا صندوق التعويضات الذي تحدث عنه د.جويلي. والغريب ان التعاون الأوروبي بدأ في أكبر مجال فيه تعارض مصالح، وهو قطاع الحديد والصلب والفحم، الذي يوجد في بلجيكا وألمانيا وفرنسا، ومع ذلك أداروا التعاون في هذا المجال بكفاءة ونجاح، ووضعوا آليات لتعويض المضارين، لأن القادة والمسئولين الأوروبيين أيقنوا أن منافع التعاون أكبر بكثير، كما أنه وبالدرجة الأولى يمنع الحروب المقبلة.. وبالتالي فأي تضحية مقبولة. اضافة الى أن النظم التي كانت موجودة تخشى من أن فتح البلاد سيغل يدها، وينتقص من سلطتها. كذلك الأمر بالنسبة للسياسة الزراعية، فالمقصود بها هو خدمة المزارعين الفرنسيين.. لأن الألمان لديهم زراعة متقدمة، والمزارعون قليلون إنما لكي تغري ألمانيا الرئيس الفرنسي بتوقيع الاتفاقات، لابد من ارضاء ناخبيه ومنهم المزارعون واعطاؤهم هدية.. بأن يتحمل الألمان تعويضات زيادة. في الوقت نفسه، فالطرفان مقتنعان بالهدف الأكبر.. وهو منع الحروب في المستقبل. تقسيم العمل ـ د.المنذري: من حصيلة هذا النقاش، يبرز سؤال مهم: ألا يمكن أن نأخذ بقاعدة تقسيم العمل، ولكل بلد عربي يتخصص في جزء محدد من صناعة ما؟!.. فمثلا: اذا أردنا انتاج سيارة، ألا يمكن أن يتولى قطر عربي تسمح امكانياته التقنية بصناعة الموتور وآخر بصناعة الهيكل، وثالث بالمقاعد والتجهيزات الداخلية، ورابع بانتاج الاطارات.. وهكذا. وهذا هو نفسه مافعله الأوروبيون عندما انتجوا سيارة موحدة. ـ أحمد النجار: أظن أن ممثل المنتجين ورجال الصناعة، ممدوح ثابت مكي، هو أفضل من يفسر لنا لماذا نجد أن المنتجين في البلدان العربية غير مستعدين لقبول فكرة تبادل المزايا والأضرار.. فمن المؤكد، في حال اقرار السوق العربية المشتركة أو منطقة التجارة الحرة، أن هناك بلدان عربية ستتعرض لاضرار في بعض صناعاتها.. لكن المؤكد انها ستتمتع بميزات في صناعات أخرى أكثر كفاءة، بالمقارنة ببقية بلدان العالم، وستفتح أسواق جديدة امامها. ثم حتى لو وصل الأمر ببعض الصناعات والمنتجين حد الافلاس فانه في بعض الأحيان يكون جراحه ناجحة لأي اقتصاد. فأي انتاج غير كفء أو صناعة رديئة، هي بالفعل عبء على الاقتصاد.. اما بالاعانات، أو حمايته من مثيله المستورد، وكلها اجراءات تضير المستهلك. ففكرة تبادل المزايا والاضرار بين البلدان العربية وبعضها، حتى لو أضير بعض المنتجين في بعض القطاعات فإنه ستكون أمامهم فرصة، بالتعويضات الملائمة التي سيحصلون عليها، للتحول بمواردهم وامكاناتهم لمجالات أخرى، قد يملكون فيها ميزات نسبية. فهل لدى المنتجين العرب تصور واضح حول هذا الموضوع؟ ـ ممدوح ثابت: أود أولا أن أتحدث عن موضوع الخريطة الصناعية العربية، والهياكل الصناعية المتشابهة في كثير من الدول العربية، ومايسببه ذلك من تأثير سلبي كبير على امكانية قيام تعاون وتبادل تجاري. لأن تشابه الهياكل الاقتصادية يقلل كثيرا من امكانات التكامل، كما انه يكون مقترنا بعدم التكافؤ بين فرص المنتجين في دولة أخرى حيث تتمتع بعض الهياكل بميزات.. بينما تحرم منها نفس المنتجات في دولة أخرى، وهذا خلق نوعا من التشكك والتخوف.. خاصة في الدول التي ظلت تمارس سياسات حمائية لفترة طويلة، وخوفها من أن تتعرض لمنافسة لا تقدر عليها حينما تكون هناك اتفاقيات للتبادل التجاري، مصحوبة باعفاءات.. ولهذا كانت ظاهرة القوائم الاستثنائية، الم