استضاف مكتب «البيان» في القاهرة سعيد كمال الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية في حوار تناول العديد من القضايا العربية، وفي مقدمتها الصراع العربي الاسرائيلي والمتغيرات الدولية المتوقعة في أعقاب الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في سبتمبر الماضي والحرب الأمريكية في أفغانستان. وأكد كمال خلال الحوار ان الولايات المتحدة بعد الهجمات باتت مقتنعة بضرورة حل القضية الفلسطينية وتسوية الصراع العربي الاسرائيلي، مشيرا الى ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون يتصرف خارج هذا السياق تماماً، حيث اعتمد سياسة التصعيد العسكري الخطير مغامراً بالمصالح الأمريكية في المنطقة. وتالياً نص الحوار: ـ هل كان الموقف العربي من الأحداث الدولية الأخيرة، بعد الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية في «11 سبتمبر» الماضي، يحتاج تحركا أسرع وأكثر فاعلية مما حصل، سواء بعقد «قمة» أو اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب؟ ـ في اعتقادي أنه طالما كانت هناك «ثوابت» بين أيدينا، فالمسألة لا تحتاج «قمة طارئة» أو اجتماع على المستوى الوزاري.. طالما أنه لا يوجد حدث جديد، يحتاج موقفا جديدا. وأفسر ذلك فأقول ان الموقف العربي من الارهاب هو موقف ثابت، وموجود في «إتفاقية عربية» وقعها وزراء العدل والداخلية جميعا. أما على المستوى الفلسطيني، وهو الجانب الذي كانت توجه اليه تهمة الارهاب دائما، فقد حسمت القيادات الفلسطينية هذا الأمر، في لقاء معروف دعا اليه الرئيس المصري «حسني مبارك» عام «1985» بالقاهرة، وحضره «17» قائدا من مختلف التنظيمات والفصائل الفلسطينية، وخرج عن هذا اللقاء «بيان القاهرة ضد الارهاب»، وهو البيان الذي وضعته الولايات المتحدة نفسها تحت الفحص والدراسة فترة طويلة، وخرجت بنتيجة ان هناك التزاما فلسطينيا به بنسبة «90% على الأقل»، حيث أوقفت العمليات التي تستهدف مدنيين أبرياء. أما الموقف العربي، قبل الأحداث التي ضربت هيبة الولايات المتحدة في «11 سبتمبر»، فكانت تتجاذبه وجهتا نظر: فريق يؤمن بضرورة «الهجوم الايجابي» على الادارة الأمريكية الجديدة.. لإقناعها بأحقية وعدالة قضايانا، وفريق آخر ـ وهو الغالبية ـ يئسوا من الولايات المتحدة. وشيئا فشيئا بدأت الفجوة تضيق بين الفريقين، حتى ان الدول العربية التي لها مصالح ضخمة مع أمريكا بدأت تستشعر خطورة التجاهل الأمريكي للتصعيد الخطير الذي تقوم به اسرائيل في المنطقة كلها، وليس أدل على ذلك مما قاله وزير الخارجية السعودي الأمير «سعود الفيصل» قبل أحداث «11 سبتتمبر»: لقد طفح الكيل !، كذلك كان موقف مصر والإمارات والأردن ودول عربية أخرى لها علاقات اقتصادية ومصالح استراتيجية مع الولايات المتحدة. ورغم ذلك كانت الادارة الأمريكية تصم آذانها، ولا ننسى هنا ما قاله الرئيس بوش: «اقتلوهم حتى تجف دماؤهم !»، في اشارة واضحة لموافقته على نهج «شارون» في حصار الشعب الفلسطيني، وتصفية انتفاضته الباسلة. نفس الصمت الأمريكي كنا نجده ازاء ما يخرج عن «الكنيست» الاسرائيلي بخصوص ضم «الجولان» السورية المحتلة، ولكن كان هناك فقط اعتراف أمريكي بأراضي الجنوب اللبناني المحتلة.. ومناداة بالتفاوض وفق القرار «425» لمجلس الأمن، لكن ارادة الشعب اللبناني انتصرت.. وفرضت الانسحاب على اسرائيل، بعملية توازنية.. بين كفاح وتضحيات من المقاومة اللبنانية، وبين رؤية غربية ترى ان لبنان يجب ان يكون بلدا مستقلا كامل السيادة على أرضه، ومن هنا دفع الثمن الاحتلال الاسرائيلي. ـ إذن إلى متى يبقى هذا الاحتلال قائماً في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشريف والجولان؟ ـ العرب حاولوا بكافة السبل والوسائل السياسية والدبلوماسية، وعبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وغيرها من المنظمات الدولية الفاعلة، اقناع أمريكا والدول الغربية بأهمية وضرورة الحل السلمي لإنهاء الصراع والتوتر والعنف في المنطقة.. ولكن لا فائدة. حتى خطتى «ميتشيل و«تينيت» قبلتهما السلطة الفلسطينية، بينما اسرائيل ـ وهي دولة الاحتلال ـ رفضت تطبيقهما، متذرعة بضرورة «الوقف الكامل للعنف»! .. وهو الموقف الذي كان يحظى بصمت ـ أو ربما مباركة ـ أمريكية. رغم أنه كان واضحا أنه من المستحيل السيطرة التامة على العنف وإطلاق النار، خاصة وأن الجيش الاسرائيلي كان يعمد ـ في كل مرة تتجه فيها الأمور نحو الهدوء ـ الى التصعيد العسكري، وعمليات الاغتيالات والتصفية. وربما لهم عملاء على الجانب الفلسطيني، يأمرونهم بإطلاق النار.. حتى يمكن لإسرائيل الرد لأن «شارون وقيادات الجيش كانوا يعطلون أي اتفاق. لأن لهم «مخطط لم يستكمل حلقاته، وهو تركيع الشعب الفلسطيني وقياداته للقبول بخطته غير المكتوبة، والتي يجري التلميح لها بين الحين والآخر، وهو القبول بـ 24%» من الأراضي الفلسطينية. هكذا كان الموقف على الساحة الفلسطينية والعربية، قبل أحداث «11 سبتمبر 2001م».. ثم جاءت هذه الأحداث المرعبة لتوقظ الولايات المتحدة والشعب الأمريكي، ولتنتبه الادارة والقيادة الأمريكية الى الدور الذي يجب ان تتصدى له على امتداد العالم، ومن ضمنها الشرق الأوسط. من هذا المنطلق يمكن فهم تصريحات الرئيس «بوش» عن دولة فلسطينية»، وأيضا رسالة وزير خارجيته «كولن باول» الى القيادة السورية، التي تضمنت التزاما أمريكيا بقراري مجلس الأمن «242و338» فيما يخص الجولان المحتل. ـ قبل ان ندخل في تفاصيل المواقف الأمريكية الأخيرة، نريد ان نسأل عن قرار القيادة الفلسطينية بالانضمام الى «التحالف» الذي دعت اليه الولايات المتحدة لمحاربة الارهاب.. هل كان هذا القرار ـ في رأيك كمسئول عربي وفلسطيني ـ في مصلحة القضية الفلسطينية، وإذا كان كذلك.. فلماذا لم يجر استشارة الأطراف الفلسطينية الفاعلة الأخرى، ليكون قرارا جماعيا؟ ثم ما هي آثار هذا القرار على القضية ؟ ـ أولا.. أنا لا أدري خلفية القرار، هل هو «تكتيكي» أم «استراتيجي».. وفي كلتا الحالتين أرى أنه قرار صائب، رغم أنه أصاب «عواطفنا» جميعا في مقتل. وأرجو ان يكون «تكتيكيا»، وهذا من باب الحيطة والتحوط، ويرجو الرئيس بوش ان يكون القرار استراتيجيا. وحتى يكون كذلك فلابد له من «ثمن»، مثل الثمن الذي كان الرئيس «بورقيبة» قد أخذه وهو في سجن «الباستيل» الفرنسي، أي سجن أعدائه، وقال لشعبه التونسي: «قفوا مع فرنسا ومع الحلفاء، ضد المحور..لأنه استقرأ ان المستقبل للحلفاء، فكسب الاستقلال المنقوص «باستثناء بنزرت»، ثم بعد عامين أخذ مدينة «بنزرت».. واصبحت تونس دولة مستقلة كاملة السيادة على أرضها. هذا هو نموذج «القائد» والسياسي البارع. وأعتقد ان تجربة الرئيس «عرفات» علمته أنه لابد من ان «يسقي شعبه كأس المرار» ـ كما قال بورقيبه في يوم ما ـ حتى يسقيه في النهاية «كأس الانتصار» وإلا فالشعب هو الخاسر. وأنا أظن، من باب الحيطة، ان قرار الانضمام الى التحالف كان قرارا «تكتيكيا ناجحا» قد يكون أصاب عواطفنا ـ كما قلت لكنه يجب ألا يلغي عقولنا، فالذي يفكر للأمام في المستقبل لابد وأن يستنتج ان «أبو عمار» نحى العاطفة جانبا ومعها مؤقتا الصمت على المآسي التي يشهدها شعبه، وحكم «عقله» في الأمور. ولنتصور لو كانت مشاعر فلسطينية رسمية قد ظهرت، معبرة عن فرحها وتأييدها للهجمات التي حدثت على نيويورك وواشنطن، فلكم ان تتخيلوا ماذا كان سيحدث وقتها. أبو عمار، بهذا القرار المتعقل.. غير العاطفي، حما شعبه من استغلال «شارون» لشلل وإنشغال صاحب القرار الأمريكي ومؤسساته، ليقوم بتنفيذ «مذبحة» مؤكدة في أراضي السلطة الوطنية. وضد مواطنيها. اما النقطة الثانية في سؤالكم، والمتعلقة باستشارة القوى الفلسطينية الأخرى قبل صدور قرار القيادة بالانضمام الى التحالف، فأقول ـ ردا عليها ـ ان هذا القرار لم يكن لينتظر عقد اجتماع قيادي.. وهنا طبق «أبو عمار» نظريته العسكرية: «نفذ ثم ناقش»، وقال: «قائد.. وجندي، وأنا ـ في هذه الحالة ـ قائد، من حقي ان أتصرف وأقرر. ثم حاسبني اذا أخطأت كجندي». أما عن آثار هذا القرار على القضية الفلسطينية، فهي هذا «الوعد» الذي صدر عن الرئيس «بوش».. وهو كلام سيظل تحت الاختبار. وهناك تصريحات «مطمئنة» ـ في هذا الصدد ـ للرئيس مبارك، وكلام آخر مشابه صادر عن السعودية. وهناك أيضا «الضمان» المقدم لسوريا، والذي سمعنا عنه في الصحف، من التزام أمريكي بالقرار«242».. الذي يتضمن ـ بالطبع ـ الانسحاب الاسرائيلي من «الجولان» المحتل، وبما يعني ان الأمريكيين يعترفون بأنها جزء من الأراضي السورية. لكن ما زال كل هذا لايخرج عن دائرة الكلام والوعود، ويندرج في اطار «التوقعات».. لأنه لا خطوات عملية محسوسة حتى هذه اللحظة. ـ لكن رغم هذا القرار الفلسطيني، ما زال «شارون» ينفذ خطته ومذابحه في الأراضي المحتلة. والبعض يري ان التدخل الأمريكي لردعه ما يزال دون ما هو مطلوب ؟! ـ اسمح لي ان اختلف معك. أنا أقول ان شارون «يضع روحه على كفه»، وهو يغامر بالمصالح الأمريكية. وهذا ليس له علاقة بأن الفلسطينيين قادرون على اقناع «بوش» والولايات المتحدة بقضيتهم أم لا، حتى لا يفهمني القارئ خطأ. انما أريد ان أقارن ما يحدث الآن بما وقع عام 1990، اثناء قيادة أمريكا للتحالف الدولي في الحرب ضد العراق، عندما قال «شامير» أنه سيرد على ضرب العراق لإسرائيل بصواريخ «سكود». فمنعه الأمريكيون، وقالوا له: «تلقي ضربات السكود، ونحن الذين سنحميكم» أقول ذلك تنشيطا للذاكرة، وأضيف ان اليوم الحرب ليست في دولة عربية، انما هي في أفغانستان.. وضد الارهاب، أي أنها أوسع وأشمل.. وظهرت تلميحات، هنا وهناك، تشير الى أنها ربما تطول دولا أخرى. والذي أعرفه، بناء على معلومات موثوقة، ان «شارون» وضع أمام خيارين: الأول ـ وهو مطلب أمريكي تم ابلاغه اليه بوضوح ـ ان يكون متعاونا. ويتعاطى بإيجابية مع ما يطرحه الرئيس «بوش»، حتى ولو من قبيل كسب الوقت، لمساعدة الولايات المتحدة في كسب التأييد العربي والإسلامي لحملتها ضد الارهاب.. أو ان يصطدم بالإدارة الأمريكية، وهنا تكون كل القوى ضده. بما فيها اليهود، ولن يقف معه لا اللوبي ولا الكونجرس بمجلسيه ولا الاعلام الموالي لإسرائيل، وسيكون الرئيس «بوش» حينئذ مطاعا من الجميع في تنفيذ ما يرى أنه يصب في خانة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. وفي تقديري، وطبقا لمعطيات التصعيد العسكري الاسرائيلي في الأيام الماضية، فإن «شارون» أختار ان يناور في اطار الخيار الأول، وهو يغامر ويضع «روحه على كفه» كما قلت. ـ هل تعتقد ان هذا العدوان سيتوقف؟ ـ سيقف عندما يستسلم «شارون» للموقف الدولي، وتنفيذا لرغبة حليفه الأكبر الولايات المتحدة. وأكرر فأقول ان «شارون» أمامه الخيار بين: اما البقاء في السلطة، أو الحياة بعيدا عنها. وتصرفاته خلال هذه المرحلة هي التي سوف تحدد مصيره، وهذا ليس قرارا فلسطينيا. ـ وماذا عن تهديد حزب «العمل» بالإنسحاب من الحكومة الاسرائيلية اذا لم يوقف الجيش انتهاكاته لأراضي السلطة الفلسطينية ؟ ـ هذه رسالة «إسرائيلية ـ أمريكية ـ يهودية» مشتركة، ولا أعرف ان كان سيقبلها «شارون».. أم سيرفضها. وأظن ان «بيريز» بهذه الرسالة ـ يحذر رئيس وزرائه، من انفراط عقد الائتلاف الحكومي.. والسؤال: هل «شارون» عنده مصادر أخرى تشجعه على سياساته، وتحثه على عدم قبول الضغوط الداخلية والخارجية ؟! .. هذا موضوع آخر، يتعلق بمن معه ومن ضده، سواء داخل اسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية. ـ لكن الخيار الأول، الذي قبله شارون، يعني ان الوقت سيكون في صالحه. وهناك «وعد» آخر، ورد على لسان بوش، بدولة فلسطينية. وهنا يصطدم الوعدان؟! ـ أقول لك أنه ونحن جالسون هنا، هناك «فريق» يجتمع في بلدة «نتانيا» شمالي اسرائيل، مكون من خبراء أمريكيين وبريطانيين وفرنسيين. وتشاركه فيه اسرائيل بممثلين عن حزبي: الليكود والعمل، يدرس كيفية تنفيذ «إعلان بوش» بدولة فلسطينية ويجب هناك ان نلاحظ قوله «دولة» وليس الدولة. ـ هل تعتقد ان هذا الاعلان محاولة لكسب الوقت، وإلهاء العرب. وإقناعهم بمشاركة الولايات المتحدة حملتها. بمعنى آخر: سبق وأن وعدت أمريكا العرب بحل القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي، أثناء حشد التأييد للتحالف الدولي ضد العراق.. ولكن مرت عشر سنوات، ولم ينته الصراع أو تحل القضية.. فهل ننتظر عشرة أعوام أخرى ؟ ـ السنوات العشر الماضية لم تضع هباء، فنحن من العدم صرنا «رقما» وحتى لا ننسى نقول ان منظمة التحرير الفلسطينية، عقب حرب الخليج الثانية، كانت خارج المعادلة السياسية التي كان يجري الترتيب لها في المنطقة. وقال الأمريكيون والأوروبيون «لا لمنظمة التحرير الفلسطينية. لأنها وقفت مع العراق ضد الكويت.. وما وعد الأمريكيون به ـ وقتها ـ نفذوه، فعقد الرئيس «جورج بوش» ـ الأب ـ مؤتمر مدريد للسلام، وقال ان أساسه قراري مجلس الأمن «338،242» ومبدأ «الأرض مقابل السلام».. لكن اسرائيل لم تلتزم بهذا المبدأ. وعلى الجانب الفلسطيني، كان ذكاء القيادة في أنها استنبطت الجانب الايجابي في العرض المقدم، في ظل ما كان عليه الواقع العربي بعد حرب تحرير الكويت، رغم الشروط التي كانت موضوعه: لا للممثلين عن منظمة التحرير في المؤتمر، وأن يكون الوفد الفلسطيني جزءا من الوفد الأردني، ولا تمثيل للقدس. ولكن يشارك مواطنون مقدسيون يعيشون خارج القدس. هذه الشروط كان أمام القيادة الفلسطينية اما ان تقبل بها، أو ترفضها. والذكاء أنها قبلتها، ثم طورتها بشكل يتفق مع الأهداف الفلسطينية، ولو في جزء منها. ومصر والأردن قدمتا مساعدات جليلة في هذا الشأن، وأذكر هنا بكل خير رئيس الوزراء الأردني السابق «عبد السلام المجالي» ـ الذي كان رئيسا للوفد الأردني ـ الفلسطيني» المشترك، الذي لعب دورا مهما في اجبار الوفد الاسرائيلي على التعامل مباشرة مع الوفد الفلسطيني، بحجة أنه ليس مخولا بالحديث عن أي قضية تخص الشأن الفلسطيني. وهنا وجد الاسرائيليون أنفسهم أنهم ليس أمامهم الا التعامل المباشر مع منظمة التحرير، وقاد حزب «العمل» وقتها فكرة المفاوضات السرية في «أوسلو». وبعدها سارت الأمور كما هو معروف. فقط أود ان أشير هنا الى دول عربية كثيرة، لم تكن موجودة على مائدة المفاوضات.. لكنها لعبت أدوارا مهمة لتدعيم الموقف الفلسطيني، مثل السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى، اضافة الى الأدوار المباشرة التي لعبتها مصر والأردن وسوريا. رهان على المجهول ! ـ ألا ترى ان قرار القيادة الفلسطينية بوقف «الكفاح المسلح» يعد من قبيل «الرهان» على المطلق أو المجهول، بإعتبار ان المقابل لا يتعدى ـ حتى الآن ـ مجرد تصريحات أو وعود «ببحث فكرة دولة فلسطينية، كما قال بوش وبلير ؟! ـ أولا: أنا لم أسمع ان الفلسطينيين أسقطوا الكفاح المسلح، ووقف اطلاق النار لا يعني القاء السلاح. وأنا أقول ان المفاوضات التي تجري في ظل هذه الظروف هي مفاوضة على ترتيبات الانسحاب والضمانات المقدمة الى الجانبين، وليس على القرار «242» أو الحدود. وأنا استحضر هنا رسالة، حملني بها مسئول عربي كبير ـ في بداية الثمانينيات ـ الى القيادة الفلسطينية المحاصرة في بيروت، تقول: «أغمدوا السلاح. ولا تنزعوه». ـ كيف يمكن التعاطي اذن، من وجهة نظرك، مع التصريحات والوعود الأمريكية ـ البريطانية الأخيرة؟ ـ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ـ فإذا لم يكن هنالك «كتاب» يفسر الوعد تفسيرا قطعيا، موقع من الرئيس الأمريكي أو وزير خارجيته، على ان يوافق عليه «الكونجرس» بمجلسيه.. حتى لا ندخل في متاهات وجدل حول حق الادارة في اصدار مثل هذا الوعد من عدمه، يكون «الوعد» مجرد «كلام مرسل» نحن نشكر الرئيس «بوش» على وعده، كما نشكر «توني بلير» على تفسيره ورأيه.. لكننا نريد شيئا مكتوبا وممهرا حتى يمكن للرئيس «عرفات» ان يستند اليه في قراره أمام شعبه والأمة كلها. وهذا الكتاب يمكن حتى ان يرسل الى رئيس القمة العربية، أو الى الرئيس المصري أو العاهل السعودي، أو الى الأمين العام لجامعة الدول العربية. ـ هل لم يكن ممكنا ان تطلب السلطة الفلسطينية والدول العربية مثل هذا «الكتاب»، قبل موافقتها على دخول التحالف؟! ـ العقل العربي لا يفهم الشروط المسبقة، ولا أظن ان الوقت أو الحالة التي كانت عليها الولايات المتحدة، عقب هجمات «11 سبتمبر»، كانا يسمحان بمثل هذا الأمر. وأظن ان القرار الفلسطيني أو العربي برفض «التحالف ضد الارهاب»، الذي أعلنته أمريكا، لم يكن ليؤثر على الانتقام الأمريكي ضد من تعتقد أنهم وراء الاعتداءات. ـ ننتقل الى الموقف الفلسطيني الداخلي. هل يمكن ان تسبب القرارات الأخيرة، بوقف العمليات العسكرية لكافة الفصائل، على وحدة الصف الفلسطيني. وتقود الى مواجهة بينها وبين السلطة ؟ ـ أنا أنصح كافة الفصائل بالتمسك بوحدة الصف، وأن يستمعوا الى «ياسر عرفات». ويقبلوا قراراته، ويقوموا المواقف داخليا، وليحاسبوه في «المطبخ الداخلي» وأنا لا أدعو هنا الى «فردية القرار»، لأن هناك مستشارين حول «أبو عمار».. ولأنه يتحرك بناء على تنسيق متين ومتواصل مع دول عربية يؤمن بها، وفي المقدمة منها مصر والسعودية.. ونأمل ان يكون ذلك التنسيق أيضا مع سوريا. ولتستعيد الفصائل الفلسطينية كلمة المسئول العربي «اغمدوا السلاح». ولا تنزعوه، حتى يتم رفع العلم الفلسطيني على كل متر وبيت في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشريف. يجب ألا نخاف شيئا، فالراية الفلسطينية في أيد أمينة، وهذا ما أثبتته الأيام والأحداث والمحن، والجيل الحالي في القيادة قدم ما يستطيعه من تضحيات والأجيال التالية جاهزة للتضحية بالدم والنفس. فقد أكدنا للعالم كله أننا شعب لا يموت. ـ هناك تصاعد كبير لليمين الديني المتطرف داخل المجتمع الاسرائيلي، فهل المشكلة الآن في «شارون» بمعنى أنه لو سقطت حكومته يمكن ان يتقبل الاسرائيليون حلا سلميا ؟.. ثم الى أي مدى يمكن للولايات المتحدة ان تفرض تسوية سلمية لقضايا الشرق الأوسط على اسرائيل؟! ـ أولا: التيار الديني ليس موحدا في اسرائيل، ولكن عند الخط يتوحدون. ثانيا: لاأعتقد ان «شارون» ينتمي للتيار الديني، هو ينتمي الى المؤسسة العسكرية ذات العقيدة في القتال ضد العرب، والتي لا تمانع في التوسع خارج حدود فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ليقيم دولة «إسرائيل الكبرى».. فهو من هذا الجيل الذي يتبنى هذا «الحلم» بمعنى أنه لو ذهب شارون، لسقطت هذه النظرية.. وسوف ينفرط عقد الأحزاب الدينية، بل حتى حزب العمل.. هناك مشاكل داخلية. أي سوف يكون هناك «إعادة توزيع» لخريطة القوى في اسرائيل. وأنا لا أستطيع ان أتنبأ هنا بما يمكن ان يحدث، في حالة سقوط شارون وحكومته اليمينية المتطرفة، ولكن أقول ان «الميل العام» لدى الاسرائيليين ـ اليوم ـ أنهم يريدون سلاما، بعد ان كانوا يرفضونه من قبل. ثانيا: هم مختلفون على شخصية «ياسر عرفات»، فهناك من يؤيد التعامل معه.. وهناك من يرفض، وهم يعملون قياسات للرأي العام. وأعتقد.. ولست جازما هنا ـ أنه بعد القرار الفلسطيني بوقف اطلاق النار، سوف تزيد نسبة المؤيدين للتعامل مع «عرفات». كذلك، فإن الموقف الأمريكي والدولي الحالي أميل الى التعامل مع القضية الفلسطينية. وفي هذا السياق يمكن ان نفهم التصريحات الأخيرة الصادرة عن القيادتين: الأمريكية والبريطانية. ـ ولكن هناك فريقا، داخل الادارة الأمريكية نفسها، يقاوم هذا التوجه. ويحاول توسيع دائرة العمليات العسكرية لتطال دولا عربية، حتى تختلط الأوراق! ـ هذا صحيح.. فهناك مجموعة، يقودها بعض قيادات البنتاجون، يتمنون وج-ود أي دليل أو سند ضد العراق، أو حتى يختلقون مثل هذا الدليل، ليزعمون بأن له علاقه بالهجمات على الولايات المتحدة، وبالتالي يمكنهم تحويل «الدفة» من تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، طبقا لتصريح الرئيس «بوش» ووزير خارجيته «باول»، الى حرب باسم الارهاب ضد العراق. وأنا أرجو ألا يعطى الاخوة العراقيون أي سند، بتصريحات محددة، للولايات المتحدة الأمريكية. وهم يعرفون ان لهم أعداء كثيرين داخل الادارة الأمريكية، وهنالك من بدأ يستمع اليهم. وأنا من دعاة المطالبة بإستمرار بإقامة حول «سعودي ـ كويتي ـ عراقي»، لكن هنالك عائق أمام مثل هذا الحوار.. اسمه الولايات المتحدة. الدروس المستفادة من أحداث «11 سبتمبر» تجعل الجميع، من العراق الى السعودية الى الكويت.. وحتى أمريكا نفسها، يعلون من قيمة الحوار. بدلا من الصراع. ـ ما الدور الذي يجب على الدبلوماسية العربية ان تلعبه، في المرحلتين الراهنة والمقبلة، لكي تحول تصريحات الرئيس الأمريكي «بوش»، أو «وعده» ان جاز التعبير، الى حقيقة ممكنة ؟ ـ على الدبلوماسية العربية ان تتحرك في اتجاه الحصول على وعد أو قرار «مكتوب»، ليكون سندا في يد القيادة الفلسطينية والقيادات العربية. وهذا لن يأتي بسبب قرار القيادة الفلسطينية فقط بالإنضمام الى الولايات المتحدة في تحالفها ضد الارهاب، وإنما لابد من جهد خليجي تقوده المملكة العربية السعودية، رغم ما تتعرض له من ضغوط من بؤر صهيونية في الولايات المتحدة، تهدف الى شل قدرة وجهود السعودية من أجل حل القضية الفلسطينية وهذا الجهد الخليجي مهم للغاية، الى جانب الجهد العربي الحاصل بالفعل. وتشارك فيه مصر والأردن ودول أخرى. ـ وما «الأوراق» التي يملكها العرب لتحقيق أهدافهم، في مساندة الفلسطينيين. وإقناع الولايات المتحدة بضرورة وأهمية الحل الشامل لقضايا الصراع العربي ـ الاسرائيلي ؟ ـ أولا: لابد ان تكون علاقتنا مع ايران، منذ الآن، علاقة وطيدة.. لأن ايران مع روسيا لهما دور هام جدا في المرحلة المقبلة، سواء بالنسبة لحوارهما، أو وفاقهما أوخلافهما مع الولايات المتحدة . وأنا أعتقد ان الأمور لو أستتبت لأمريكا في منطقة «بحر قزوين»، بما يملكه من ثروات هائلة، فإنها قد تبعد عن العراق قليلا.. وربما لا تجد ما يستدعى وجودها الكثيف في منطقة الخليج، ولكن هذه قصة أخرى. ثانيا: المطلب الحقيقي لدول الخليج نفسه، فإذا استقرت أمورها وعلاقاتها مع العراق. فلماذا تبقى القوات الأمريكية في هذه الدول ؟! . الحوار الذي أدعو اليه بين دول الخليج ـ خاصة السعودية والكويت ـ وبين العراق، يجب ان يصل الى هذه النتيجة. ولا يجب ان نقول: «عفا الله عما سلف»، بل يجب ان نتعظ جميعا مما حدث، ونحسب: من استفاد. ومن خسر، كلنا دفعنا الثمن.. ولا يجب ان نظل نضرب أنفسنا بحجر كبير. وشخصيا، أنا متفائل بإمكانية اقامة ونجاح مثل هذا الحوار «العربي ـ العربي»، كمجموعة، وبين ايران. وهناك خطوات بدأت بالفعل في هذا الصدد، من ضمنها لقاء وزير الخارجية الايراني «كمال خرازي» ـ أثناء زيارته القاهرة الشهر الماضي ـ مع الأمين العام لجامعة الدول العربية «عمرو موسى»، ونرجو ان تتواصل هذه الخطوات لتوطيد العلاقات «العربية ـ الايرانية»، وبعد اقناع القادة الايرانيين بضرورة حل مشكلة الجزر الاماراتية الثلاث سلميا. القاهرة ـ كارم محمود: