يعد السياسي الأردني رجل المخابرات السابق عدنان أبو عودة من ابرز الشخصيات الأردنية ذات الاصول الفلسطينية جدلا في الساحة الأردنية. حيث اعتاد السياسيون والاعلاميون على الاشتباك بصورة أو بأخرى بما يقوم بتفجيره، جراء الطروحات الجريئة التي يقوم بعرضها بين الفينة والاخرى.أبو عودة ورغم أن دوره تراجع في العهد الأردني الجديد، خصوصا بعد قصة استقالته من منصب المستشار السياسي للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، إلا ان ما تمتاز به شخصيته وطروحاته بالاضافة إلى المواقع التي خدم فيها الاردن في السابق تجعل منه شخصية اعتبارية بحد ذاته كونه من الرعيل الاول وابرز الشخصيات التي كانت مقربة للملك الراحل الحسين بن طلال. «البيان» بدورها التقته وسألته في عدد من القضايا والملفات الساخنة فكان هذا الحوار: ـ كيف تنظر إلى الاعلام العربي في ظل هذه الأزمة علما بان هناك من يرى انه احرز تقدما ملموسا؟ ـ لقد لاحظ الجميع سواء في المنطقة العربية أو خارجها ان الاعلام العربي انتقل إلى مرحلة اخرى اكثر تطورا وعمقا مما كان عليه في السابق وخصوصا في ظل تداعيات ازمة 11 سبتمبر الماضي، إلا أنه يمكن التأكيد في هذا الصدد ان التطور الذي احرزه الاعلام العربي كان ملاحظا وخصوصا للمراقبين المتخصصين قبل الضربات، وما يدل على ذلك ثقة المواطن العربي بما تقدمه وسائل الاعلام من مواد سواء اخبارية أو تقارير وغيرها. وكان من ابرز الملاحظات التي يمكن الاشارة إليها هنا هي استفادة هذا الاعلام من التقنيات الحديثة في انتقال المعلومات والكلمة والصورة، بالاضافة إلى ان اهتمام الاعلام بالقضايا العالمية زاد بسبب هذه التقنيات. على اننا لا يمكن الحديث عن الاعلام العربي وكأنه مؤسسة اعلامية واحدة فهناك تفاوتات كبيرة سواء بين اعلام كل قطر عربي بصورة منفردة بالاضافة إلى تباين المستوى بين مؤسسة اعلامية وأخرى في الدولة ذاتها. حيث اننا لا يمكن على سبيل المثال اعتبار مستوى الاعلامي الرسمي هو بالقدر ذاته للاعلام المستقل أو الاهلي حيث هناك تفاوتات واضحة للعيان فقدرات الاعلام الرسمي على تناول الخبر يختلف اختلافا جذريا عن تناول الاعلام الحر سواء في المؤسسات الاعلامية المرئية أو الصحفية. إلا انه في المقابل يمكن القول بشكل عام ان اداء الاعلام المقروء أو المسموع أو المرئي قد تحسن بصورة عامة عن ذي قبل وذلك لمحاولة الاعلام الرسمي عدم وجود فجوة كبيرة جدا بينه والاعلام الحر. وهذا ما يشير اليه التطوير في مستوى تفاعل الاعلام مع المنتفع أو المشاهد لدرجة اننا نقول ان جمهرة الناس في العالم العربي اصبحت الآن تعتمد في معلوماتها على المصادر الاعلامية العربية لتثقيف نفسها ليس فقط في الخبر السياسي بل والاجتماعي والصحي وغيره من المجالات. وقد تم ذلك كله بعد ان كان الجمهور ذاته يعتمد في الحصول على المعلومة من وسائل الاعلام الغربية التي تبث له مثل اذاعة لندن أو حتى وسائل الاعلام الاسرائيلية. واذا ما اخذنا الأزمة الحالية كحالة دراسية نستطيع القول ان اعلامنا يتفوق على كثير من وسائل الاعلام في العالم خصوصا في نقل الخبر المباشر أو الانتقال إلى قلب الحدث وفي التحليل والتقرير واعتقد انه يجب علينا ان نفخر به. ـ في مقابل هذا التفاؤل يرى آخرون ان المشوار ما زال طويلا؟ ـ بالتأكيد فنحن لم نصل بعد مرحلة الكمال ولن نصلها اننا دائما سنكون بحاجة إلى تطوير مستمر. خصوصا وانه ما زال في وطننا العربي العديد من المعوقات والمشاكل والاساليب التي ما زالت تعتمد الاسلوب القديم في التعامل مع المعلومة. وسائلنا الاعلامية ما زالت تحتاج إلى الكثير فنحن على سبيل المثال نلاحظ ان العديد من المحررين أو الصحفيين بحاجة ماسة إلى ان يثقفوا انفسهم في المواضيع التي يتناولونها. ففي بعض الاحيان ارغب في متابعة لقاء صحفي على سبيل المال فازعج للغاية من شدة بساطة الاسئلة أو سذاجتها على ان ذلك لا يمكن ان يسحب على الجميع بالاضافة إلى ان هذا الاسلوب هو ذويل الاعلام العربي القديم واعتقد انه سيتحرر منه. اما العقبة الاخرى فتكمن في الرقابة بصورها المتعددة سواء المباشرة أو غير المباشرة واريد في هذا المجال ان اشير إلى ما اسمعه من بعض المسئولين عندما يقولون انه لا يوجد في بلدنا رقابة على الصحف وان الرقابة على ما يكتب الصحفي هي مجرد رقابة ذاتية. وربما لا يدري هذا المسئول انه صرح بأمر في غاية السلبية عن البلد حيث ان هذا التصريح يشير إلى ان الوسط الصحفي أو الاعلامي وسط مرعوب وخائف ويعمل على رقابة انتاجه بصورة ذاتية وكأن الامر موروث. ـ فرقت في كلامك بين الاعلام الرسمي والاعلام الحر، فهل تعتقد ان يحمل لنا المستقبل اية علامات لمنافسة الاعلام الرسمي للاعلام الحر بصورة حقيقية؟ ـ هذا مستحيل فما دام الاعلام الرسمي صوت الحكومة أو صانع قرار الدولة فانه سيبقى متخلفا عن الاعلام الحر. واجزم انه لن يتم اللحاق به في يوم من الايام فالمساحة التي يتحرك فيها الاعلام الرسمي اقل واكثر شروطا من الاعلام الحر خصوصا، حيث المحددات الرسمية التي لديها اعتبارات خارج اطار الاعلام بل وتتناقض مع روحه. علما بأنه في عصر التقنيات الحديثة والعولمة، وفي ظل التطور السريع لنقل المعلومات فإن على الاعلام الرسمي ان يجد له مكانا ما وإلا استمر الإعلام في عكس صورة ادت في الماضي إلى عدم الوثوق به. تحديات وعقبات ـ لاحظ الوسط الاعلامي العربي ما يمكن وصفه بالهجوم الأمريكي على الاعلام العربي ومحاولة التضييق عليه وفق الرؤية السياسية للادارة الأمريكية، وهي المرة الاولى التي يلاحظ بها الاعلاميون ذلك حتى ان واشنطن عملت على تقييد الاعلام الأمريكي ذاته فكيف تنظر إلى هذا الامر؟ ـ هذا صحيح وسبب ذلك ان اعتداءات واشنطن ونيويورك كانت في الاراضي الأمريكية وهددت الامن الأمريكي الداخلي نفسه فلم تستطع الإدارة الأمريكية بهذه الصورة التعامل مع الاعلام بصورة موضوعية، باعتبار كما قلت ان المسألة في اساسها نكبة امريكية وعلى اثر ذلك نهض الاعلام الغربي والامريكي للدفاع عن المصالح الأمريكية والغربية بصورة اكثر وضوحا من ذي قبل. ولهذا كنا نقول دائما انه لا يوجد على الارض ممارسة اعلامية توصف بأنها ذات حرية مطلقة. ـ بمعنى ان الحريات الصحفية دفعت ثمنا ما في ظل الحرب ضد الارهاب؟ ـ هذا بالتأكيد، فما نمر به مرحلة مفصلية تماما، والجميع يعلم ان الحرية ومنها الحرية الاعلامية هي التي تدفع ثمنا كبير في الأزمات، فكيف الامر بهذه الأزمة، وهذا لا يعني انني اوافق على هذا ولكنه وصف واقعي لما يجري. الاعلام الأردني ـ كيف تنظر إلى الاعلام الأردني بشقيه الرسمي والخاص؟ ـ في الاردن كما باقي الدول العربية والعالم الثالث الامر لا يتعلق فقط بالاعلام الرسمي والخاص أو الحر وانما هناك ملامح واجواء أخرى تحيط بالعمل الصحفي هي التي تزيد من صعوبة العمل ناهيك عن القيود الموضوعة اصلا، ومن هذه الضغوط صعوبة الحصول على المعلومة وتوفير المادة الإعلامية. إلا اننا لا يمكن ان ننسى بان وسائل الاعلام الأردنية شهدت قفزات تسجل لها، منذ انطلاقة المسيرة الديمقراطية في الاردن عام 1989 التي اثرت حتى على النوعية في الخطاب الإعلامي الأردني الرسمي. ولكنه يبقى اعلاما رسميا أو شبه رسمي سواء الاذاعة والتلفزيون أو في الصحافة التي هي صحافة شبه رسمية بسبب امتلاك الدولة اسهما في صحيفتين يوميتين مهمتين في الساحة الاردنية، إضافة إلى تلك الرقابة الذاتية التي تحدثنا عنها في الصحف الباقية. لذلك، وفي ظل القوانين المعمول بها في المملكة يصبح الاعلام الأردني بكل انواعه اقرب إلى الاعلام الموجه منه إلى الاعلام الحر. ولكن هذا لا يعني ان الامر على المطلق حيث نرى هناك العديد من المقالات أو التعليقات رفيعة المستوى والتي تحمل صفة الجرأة قد لا نجد لها مثيلا في اقطار عربية، لكن ليس هذا هو الوضع الاساس. واذا اردت الحديث عن السبب في هذا الامر فاننا سنجد أنه لا يوجد خطأ ما يمكن مناقشته بصورة منفردة بل وكما هو معرف فان الامر مرتبط بمستوى النمو الديمقراطي في العالم العربي والعالم الثالث بصورة عامة، فالعملية بأسرها مرتبطة بالتطور التاريخي في البلدان من زاوية الديمقراطية. ـ ولكن اردنيا ربما دفعت عدد من القوانين إلى تعميق توجه الخطاب الاعلامي نحو الرسمي؟ ـ إن مجموعة القوانين الأردنية ذات الصلة تعبر عن مرحلة التنمية السياسية التي يمر بها الاردن. الحرب ضد الارهاب والقضية الفلسطينية ـ ما هي رؤيتك لانعكاسات «الحرب ضد الارهاب» على القضية الفلسطينية؟ ـ هناك نوع من التفاؤل بأنه قد بدأ العالم بالفعل يتفهم ان قضية الارهاب قضية معقدة، وان التصدي لها لا بد ان يمر عبر مرحلة التصدي لاسبابها. ومن المحزن ان نصل إلى المرحلة التي تكون معها القضية الفلسطينية بحاجة إلى مدخل ارهابي ما للتعامل معها بصورة جادة وعادلة، وليس عن طريق رؤية موازين العدالة.. لا بد من الاعتراف بان الضمير الانساني كان خاملا فيما يتعلق بقضية العدالة في فلسطين، وان الرعب والخوف هو الذي يحرك الناس. هذه مفارقة محزنة في التاريخ المعاصر ولكنها الحقيقة، على انه هناك قدر من التفاؤل في ان النظر في اسباب الارهاب الذي نسب إلى العرب كعرب الإسلام كدين زورا وبهتانا سيدفع إلى النظر في الظلم الواقع على الفلسطينيين بحيث يجري حله بصورة عادلة. على ان هذا التفاؤل ليس مؤكدا، فنحن عاصرنا القضية الفلسطينية في العديد من محطاتها ومفاصلها المهمة، وقد تعلمنا امرا واحدا هو ان نكون باستمرار حذرين من آمالنا وطموحاتنا، ومما نقول، إلا اننا في المقابل نعود للقول بأنه من المنطق ان يقوم العالم بالتدخل لحل القضية الفلسطينية على ضوء الالتفاف على عوامل نشوء الارهاب في العالم. ـ هل تعتقد ان الولايات المتحدة الأمريكية تعاملت مع ما تصفه بالارهاب بصورة حقيقية؟ أي هل ما تقوم به القوات الأمريكية محاولة للانتقام وفقط؟ ـ دعني اجيب على سؤالك بالطريقة التالية: من المعروف ان الارهاب له مرتكزات ثلاثة الاول: هو ما نسميه بالملاذ الآمن الذي يحتاجه الفرد أو المنظمة ليمارس ارهابه، والمرتكز الثاني المال الذي يساعده على التحرك. اما المرتكز الثالث فهو الدافع والقضية. الادارة الأمريكية حتى الآن تعمل على التصدي للمرتكزين الاول والثاني أي الملاذ الذي لجأ اليه أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة الذي تعتبره أمريكا المسئول عما حدث في 11 سبتمبر بالاضافة إلى تحريك العالم بأسره لمحاصرة الاموال التي تحرك التنظيمات التي تراها الإدارة الأمريكية ارهابية. إلا انه وحتى الآن لم تتحرك واشنطن ابدا للقضاء على المركز الثالث وهو الدافع. فأمريكا كما نعرف حددت عدوها وقالت انهم اشخاص ومنظمات جاءوا من الشرق الاوسط، بل انهم اشاروا اليهم بالاسم. في مقابل ان من تصفهم أمريكا بالارهابيين قالوا لواشنطن اننا ساخطون وغاضبون على سياستك في الشرق الاوسط وخصوصا في فلسطين حيث تدعمون الظالم المعتدي وتتخلون عن الضعيف المظلوم. مشيرين على حد اعتقادهم ان لهم الحق ان نغضب ونقاتلكم. هذا منطق متماسك قدمه هؤلاء للعالم. انك لا تريد الارهاب اذن عليك ان تفكر بتحقيق العدالة وحل عدد من القضايا الملحة. والامر سهل لانه لا يوجد متاعب جدية بل ان العقبة الابرز هي عدم الرغبة في البحث عن حل وليس الحل ذاته خصوصا وان العدالة بالنسبة للقضية الفلسطينية موجودة في ملفات الامم المتحدة منذ زمن طويل، من حيث القرارات والشرعية الدولية، فاذا ما طبقت هذه الشرعية انتفى مولد الارهاب. ـ ولكن أمريكا اشارت إلى انها ترغب في الحل وقدمت ايحاءات عبر عدة تصريحات لمسئوليها؟ ـ واقع الحال على الارض يختلف عن التصريحات وتلك الايحاءات، فهل سيبقي الامر مقصورا على الوعود أو الايحاءات بالتعهدات بان يتم حل القضية. هذا ما لا نعلمه، على ان المطلوب منا في هذه المرحلة ان لا نكتفي بالحذر والانتظار إلى حين رؤية التحرك الأمريكي. فالخروج بالنتائج المرضية يقتضي العمل الدبلوماسي والتحرك الفعال يدعمه تحرك على الصعيد الاهلي والشعبي واقامة الندوات وابراز هذا الامر في وسائل الاعلام بصورة جادة. ـ ما هو وجه الفرق برأيك بين دعوة بوش الاب وبوش الابن في ضرورة ارساء السلام في المنطقة؟ ـ أبو عودة: بوش الاب تعهد بالسلام في الشرق الاوسط بشكل عام وليس القضية الفلسطينية فقط، فعقد مؤتمر مدريد، واعد الاطراف المعنية لذلك، وأنشأ مسارات وتفاهمات، ولجانا للعمل من اجل تحقيق السلام الشامل والعادل المرتكز على «الارض مقابل السلام». أما بوش الابن فقد تحدث عن الموضوع الفلسطيني بصورة خاصة دون باقي المسارات، تأسيسا على انه يرى هذا الامر كونه جزء من تصور عام. ربما تكون هذه الايحاءات كلاما دبلوماسيا، وربما يقصد منه حقا، ايجاد حل مناسب للقضية الفلسطينية. إلا انه يجب الاشارة في هذا الصدد إلى ان الدولة الفلسطينية كشعار لا تعني الحل العادل الذي تتطلع اليه الدول العربية، وقبل ان نعرف ما هي شروط هذه الدولة ومقوماتها، وكم هي سيدة نفسها، وما هي مساحة الارض التي ستقوم عليها، لا بد ان يتم التعامل مع عدد من الملفات الاخرى ومن ابرزها قضية اللاجئين الفلسطينيين، وما هو مصيرهم في ظل رؤية الحل، وهذا الامر اساس لاعطاء الدولة معنى أو لتفريغ هذه الدولة من مضمونها. وما اراد الرئيس الأمريكي بوش الايحاء امر مشجع للغاية، ولكنه اشارة لا يمكن الاعتماد عليها اكثر من كونها اشارة، يجب تطويرها عربيا من خلال كما قلت التحرك السياسي والدبلوماسي، إضافة إلى العمل غير الرسمي، فالاكتفاء بمجرد البيانات التي تشد على يد أمريكا في هذا الامر والاعلان لن يكفي بأي حال من الاحوال. اللاجئون ـ تطرقت في حديثك إلى موضوع اللاجئين، فهل تعتقد ان اسرائيل والولايات المتحدة على استعداد لمناقشة موضوع اللاجئين بصورة جادة؟ ـ بالتأكيد هناك استعداد لتناول هذا الملف، لكن المسألة التي يقوم عليها الخلاف تكمن حول اين سيتجه الباحثون في هذا الموضوع، هل سيتجهون إلى التأكيد على حق العودة ام سيتجهون للتأكيد على حق التعويض. ـ هذا يعني أنه لا توجد ضمانات اسرائيلية أو حتى امريكية للتعامل مع قرارات الشرعية الدولية؟ ـ انا شخصيا اعتقد ان المسألة لن تكون مسألة عويصة كما ينظر إليها البعض الذي يرون استحالة ايجاد حل توافقي لهذا الملف، فلكل عقبة حل. خصوصا وان الاعتبارات الواقعية للمشكلة اذا ما نظر إليها اثناء حديث جادة لاقامة السلام يمكن ان تحل. إلا أنني اعتقد ان هناك سؤالا كبيرا يجب الاجابة عليه قبل الدخول في صلب الموضوع وهو: هل العودة اجبارية ام طوعية؟ هذا هو السؤال الذي يجب ان يجيب عليه المعنيون من كلا الطرفين العربي والاسرائيلي. ـ هذا السؤال اشكالي يتعلق بموقف كل دولة عربية منفردة؟ ـ هو كذلك ولكن يمكن النظر إلى الموضوع بصورة واقعية وبذلك يسهل حله، فهل سنقول للاجئين الذين عاشوا في الشتات اكثر من خمسين سنة لا بد لكم من ان تعودوا إلى اسرائيل جبرا وتتخلوا عن كل ما قمتم به هنا. هذا الامر غير منطقي ومن هنا انا اعتقد ان العودة لا بد ان تكون طوعية، فلا يمكن ان نعيش في الاوهام إلى امد طويل، فمن ذا الذي يمنع مثلا شخصا في الاردن يحمل جواز السفر الأردني بالبقاء في بلده، انني ادعو إلى النظر في الاعتبارات الواقعية والذي لا يريد العودة يعوض. اما الحديث عن العودة وكأننا سنقوم بتحمل الناس في الحافلات متجهين غربا، هذا تصور ساذج لا يمكن ان تضع أو تجبر احدا على العودة فكل فرد سيقرر وفق ما يراه مصالحه. ومن هنا دأبت بصورة مستمرة على توضيح مفهوم يبدو انه اخذ منحى مختلفا لدى الناس والمعنيين، وفيه انطباع خاطئ قوامه اننا عندما نتحدث عن قرارات الشرعية الدولية فان هذه القرارات تشير بوضوح إلى ان العودة طوعية وليست اجبارية. إضافة إلى ذلك فان من سيعود عليه ان يدرك انه سيعود حاملا جواز السفر الاسرائيلي وليس الفلسطيني أي ان العودة ستكون إلى اسرائيل، وليست إلى ما تعرف الآن باراضي السلطة الوطنية الفلسطينية أو الاراضي الفلسطينية. ومن هنا نحن نشير في هذا الامر إلى القرارات الدولية التي أكدت على طوعية العودة، وانه لم يوجد قرار واحد يشير إلى القهرية أو الجبرية. ـ ولكن الا يدعى ذلك توطينا؟ ـ نعم انه توطين، ماذا كنت اقول، هذا هو، لماذا نخاف من التسمية انه واقع ويجب ان نتحدث فيه بكل وضوح. هكذا اسميها توطينا فالذي لا يعود يوطن في البلد الذي هو فيه. يجب ان ندرك باننا لا نتحدث عن مجتمع فلسطيني في الشتات اننا نتحدث عن اناس اصولهم فلسطينية عاشوا في مجتمعات مختلفة. ولا ندري إن كان هناك استعداد لدى كل الفلسطينيين في الشتات بعد 50 سنة من التهجير بالعودة، خصوصا واننا لا نستطيع التعميم فالفلسطيني الذي عاش في مدينة نيويورك هل هو نفسه الفلسطيني الذي عاش في الخليج أو القاهرة أو عمان. عمان ـ لقمان اسكندر: