في ضوء الشمعة الثالثة نشعر بقدر غير قليل من المنعة والاعتداد والجرأة على التحديق في عيون الاخرين والاشياء والقضايا. على عتبة السنة الثالثة نمتشق عتاداً من التصميم على التحليق إلى آفاق أكثر رحابة وشهوقاً. نقول دونما تواضع وبلا كبرياء اننا سعداء برد الفعل الذي ابتدرناه في «بيان الأربعاء» قبل سنتين وغزلنا اثناءهما على منواله غير ان ذلك لا يرضي كل طموحنا. قصدنا تجاوز الكتابة الانطباعية وتشريح لحم القضايا إلى معالجة العظم منها واستعنا في ذلك بنخبة ماهرة من ذوي الاختصاص. رددنا قضايانا وهمومنا الوطنية والاقليمية إلى محيطها القطري لتداولها على طاولة النقاش بالرأي والرأي الآخر كل أسبوع. ذهبنا في ذلك إلى ثلة من المثقفين متعددي المنابت والرؤى السياسية في كل عاصمة عربية وعرضنا وجهات نظرهم دون تدخل. شملت تلك المنتديات المصغرة البحث في امهات المشاكل العربية من طراز كيفية تطوير النظام الديمقراطي المصري والوحدة اليمنية والاصلاحات السياسية السورية والوفاق السوداني والطائفية السياسية اللبنانية. عمدنا إلى الغاء ظاهرة «الكتبة البقالين» التي تعج بها ساحتنا الصحافية، فهؤلاء يزعمون ان لديهم احدث الانتاج ـ وتلك فرية ـ عن كل القضايا السياسية والفكرية، فيكتشف القاريء قدرتهم على التزوير والترويج ليس أكثر، ورفضنا كذلك التعامل مع «تجار الشنطة» الذين يخرجون من حقائبهم بضاعة جاهزة في الشأن الأمريكاني والسوداني والإيراني والأفغاني.. الخ. وهي بضاعة مضروبة القصد منها الربح السريع. تعاملنا مع القاريء على انه يملك من الوعي الكافي ما يجعله يفرز بين الغث والثمين. استنفرنا بدلاً عن ذلك صفوة من المثقفين العرب المشهود لهم برصيد فكري ثر واستقامة وطنية لا تشوبها شائبة. من خلال تجربة السنتين انتزع هذا النفر الكريم منا مزيداً من الاحترام والاعجاب اذ بادروا جميعاً إلى الوفاء بالاستحقاق الاسبوعي دون ملاحقة أو منة. يستاهل كريم بقرادوني ـ أكثر من غيره ـ منا الثناء اذ من حقه علينا ان نقول انه لم يغيّب اضاءته مطلقاً رغم همومه التي نعرفها جميعاً. ونجد ـ في الوقت نفسه ـ العذر للذين فرضت عليهم ظروف استثنائية غياباً طارئاً. من حق الدكتور جواد العناني علينا ان نقول ان التزامه تجاهنا جرده من مقعد في مجلس الاعيان. كما من حق عزمي بشارة القول ان مساهمته الاسبوعية تشكل بنداً في لائحة الاتهام بتجريده من حصانته البرلمانية. هذان شاهدان على المدى الذي يمكن ان تذهب إليه ضريبة الرأي الشجاع. خصصنا كذلك مساحة للحوار الجاد مع مجموعة منتقاة من السياسيين والمفكرين متعددي الجنسيات والألسن وتقارعنا معاً بالحجة والمنطق في شئون منطقتنا. بعد اجتهاد دؤوب على مدى سنتين فقط من اجل كسر الرتابة في حقل الكتابة ندرك اننا لم نخرق اقطار السماوات ولم نبلغ الجبال طولاً غير اننا نمشي بقامة منتصبة وجبين عال نحمل شهاباً من قبس التنوير ومسئولية تجاه أمة.