في أعقاب خمسة أيام من المناقشات الحامية والتهديد بفشل المؤتمر، أسدل المشاركون في مؤتمر منظمة التجارة العالمية الستار على الاجتماعات بإصدار «إعلان الدوحة» حتى وقت متأخر من مساء أمس. وقد وصف يوسف كمال وزير التجارة القطري رئيس المؤتمر بأنه كان من المستحيل إصدار «إعلان» يرضي حوالي 144 مشاركة، إلا أن الدول النامية نجحت في اقتناص الفرصة وتلبية عدد من مطالبها التي ظلت مرفوضة حتى ساعات قليلة من إعلان البيان الختامي، في حين هددت الوفود الأوروبية بالانسحاب أو الدخول في مرحلة «أزمة» ما لم تتضمن البنود الختامية ما أسموه بصيغة محدودة من مطالب الأوروبيين، بالإضافة الى إلقاء الحرب بظلالها على أعمال المؤتمر. وقد أظهر الاعلان الختامى الصادر عن المؤتمر الوزارى الرابع بالدوحة نجاح الدول النامية فى تحقيق مطلبها بشأن عدم ادراج موضوعات الاستثمار والمنافسة فى الجولة الجديدة من مفاوضات منظمة التجارة العالمية. بينما نجحت الدول المتقدمة فى ادخال بند ضمن مشروع الاعلان ينص على اجراء مفاوضات حول الشفافية فى المشتروات الحكومية وهو الامر الذى تعارضه غالبية الدول النامية. وذكرت مصادر قريبة من الاجتماعات ان النص الخاص بحقوق الملكية الفكرية فى مجال الدواء التربس والوارد فى مشروع الاعلان الختامى يسمح بمد الفتره الانتقالية لتطبيق حقوق الملكية الفكرية للدول النامية عشر سنوات لتنتهى عام 2016 بدلا من 2006 بينما سيتم مد الفترة الانتقالية للدول الاقل نموا خاصة الدول الافريقية الواقعة جنوب الصحراء خمس سنوات اخرى. وأوضحت المصادر ان الدول النامية فشلت فى الحصول على موافقة الدول المتقدمة بشأن حرية براءات الاختراع للادوية حيث ان الشركات الكبرى متعددة الجنسيات تحقق ارباحات سنوية تصل الى 300 مليار دولار. ويتعلق الخلاف حول موضوع الادوية بمطالبة الدول النامية منحها حق تجاوز البراءات التى تملكها لشركات الادوية لتوفير الادوية للمواطنين بها بأسعار معقولة لمواجهة الازمات الصحية بالنسبة للاوبئة والامراض المعدية مثل الايدز. الا أن الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة تعارض هذا المطلب محذرة من أن اضعاف قوانين المنظمة فى هذا المجال سيؤدي الى تقليص نشاطها وتوقفها عن توظيف استثمارات كبيرة فى الابحاث والتنمية. وقال يوسف حسين كمال وزير المالية انه من المستحيل اصدار اعلان ختامى للمؤتمر يرضى حوالي 144 دولة. وقد سعت الدول العربية الاعضاء في منظمة التجارة العالمية الى تسهيل انضمام البلدان العربية المرشحة لعضوية المنظمة او الراغبة في اتخاذ خطوة من أجل تشكيل كتلة قادرة على التحرك بفاعلية داخل المنظمة رغم تفاوت اقتصاداتها واختلاف مصالحها. وتضم المنظمة 11 دولة عربية هي البحرين وجيبوتي ومصر والاردن والكويت والمغرب وموريتانيا وسلطنة عمان وقطر وتونس والامارات العربية المتحدة. وتحاول هذه الدول الضغط لتسهيل انضمام خمس دول مرشحة اخرى هي الجزائر والسعودية ولبنان والسودان واليمن. وذكر مندوبون في المؤتمر ان القواعد التي تواجهها الدول الاسلامية الساعية للانضمام الى منظمة التجارة العالمية قد اصبحت اكثر صرامة وان المتقدمين الجدد لعضوية المنظمة يتعرضون «لشروط جائرة». ولم يوضح تقرير اصدره المركز الاسلامي لتنمية التجارة بالضبط ما الذي يعوق انضمام ثماني دول اسلامية للمنظمة بعض منها يسعى للحصول على العضوية منذ سنوات. وقال التقرير «ان شروط الانضمام التي يواجهها الراغبون في التقدم لطلب عضوية المنظمة اصبحت مبالغا فيها ولا تتماشى مع الثقل الاقتصادي للدولة الراغبة في الانضمام». واضاف التقرير «في الواقع فان المرشحين لدخول المنظمة يتعرضون لالتزامات اكثر تقييدا مما يتعرض له الاعضاء». وقال التقرير «ان الحلول المؤقتة التي ظهرت منذ سياتل (عام 1999) غير فعالة لاصلاح الاخطاء» في اشارة الى مشروع اعلان منظمة التجارة العالمية الذي اظهر فجوة كبيرة في المواقف بين الاغنياء والفقراء. كما ينتقد التقرير بشدة منظمة التجارة العالمية لما وصفه بعملية اتخاذ القرار غير الديمقراطي داخلها قائلا ان وجهات نظر الدول النامية غالبا ما يكون نصيبها التجاهل. وكانت مناقشات حامية قد سبقت البيان الختامي للمؤتمر وذكر مسئولون أمريكيون أن الوزراء يبذلون جهودا شاقة لعقد جولة محادثات جديدة حول التجارة العالمية بعد تحقيق ''تقدم هام جدا''. وقال أحد المفاوضين الامريكيين رفض الافصاح عن اسمه ''إننا ببساطة نعقد محادثات، ولا نقوم بحل كل المشكلات''. وقالت الولايات المتحدة التي قاتلت بشراسة لمنع تخفيف صرامة قواعد حماية براءة تصنيع الادوية ان الاعلان الجديد يعد بيانا سياسيا هاما لتبديد مخاوف الدول النامية. غير أن الهند ما زالت تطالب بلهجة أقوى من الوزراء تسمح بتوفير الغطاء القانوني للحكومات الاطراف في نزاعات بشأن براءات التصنيع مع منتجي الادوية. ويشير المراقبون الى انه رغم تصاعد الخلافات بين دول الشمال الغنى والجنوب الفقير فى المؤتمر الوزارى لمنظمة التجارة العالمية بشأن خطوات تحرير التجارة فإن الجماعات المناهضة للعولمة ما زالت تتبع سياسات التهدئة وضبط النفس على عكس المؤتمرات السابقة التى عقدت فى سياتل وجنوة والتى شهدت احتجاجات عنيفة من جانب تلك الجماعات. وترى جماعات مناهضة للعولمة انها تدافع عن حق الدول النامية فى صياغة النظام التجارى الجديد للتصدى لمحاولات تهميشها من جانب الدول الغنية بالاضافة الى العديد من القضايا الهامة مثل حقوق العمال والبيئة. وحاولت الدول الغنية المشاركة فى مؤتمر الدوحة تعويض فشلها فى مؤتمر سياتل من خلال العمل على التوصل الى اتفاق بشأن جدول اعمال لاجراء مفاوضات مطولة تستغرق سنوات عديدة لتحرير التجارة العالمية وتشجيع الدول النامية على تنفيذ التزاماتها تجاه اتفاقيات تحرير التجارة. وكانت الحرب في أفغانستان قد ألقت بظلالها على أعمال المؤتمر. ورغم سخونة المناقشات والقضايا الخلافية أمام المشاركين فى المؤتمر الا أن ذلك لم يمنع عددا كبيرا من رجال الاعلام والصحافة وبعض أعضاء الوفود من متابعة أنباء دخول قوات التحالف الشمالى المناوئ لحركة طالبان العاصمة كابول تحت غطاء جوى أمريكى. وقد تجمع عشرات الصحفيين حول شاشات التلفزيون داخل المركز الصحفى لمتابعة تطورات الحرب فى أفغانستان .وعلق أحد الصحفيين الاوروبيين على ما يحدث قائلا انه لايمكن فصلهما يجرى على الاراضى الافغانية عما يجرى داخل أروقة المؤتمر الوزارى التجارى ومحاولات الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة فرض صيغ فى البيان الختامى لها تلبى مصالح الدول النامية وتكرس نظاما تجاريا عالميا اقل عدالة. الوكالات
بعد 5 أيام حامية من المناقشات والتهديد بالفشل، الدول الفقيرة تنجح في اقتناص فرصة تاريخية في «إعلان الدوحة»، البلدان الغنية تعوّض فشلها في سياتل بتبني مفاوضات لتحرير التجارة
